«حدث ذات مرة فى هوليوود».. فن تحطيم الواقع! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 1:13 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«حدث ذات مرة فى هوليوود».. فن تحطيم الواقع!

نشر فى : الخميس 29 أغسطس 2019 - 9:35 م | آخر تحديث : الخميس 29 أغسطس 2019 - 9:35 م

أفكر دومًا فى أن الكاتب والمخرج كوينيتن تارانتينو لا يصنع أفلامًا عن الواقع، ولكنه يصنع دومًا أفلامًا عن الأفلام، وبتنويعاتٍ مختلفة، إنه يعيد تشكيل الأنواع، يحطمها أحيانًا، يعشقها إلى حد السخرية، أفلامه واقع مواز يحاكم الواقع الذى نعرفه.
فى فيلمه البديع «حدث ذات مرة فى هوليوود»، يوهمنا تارانتينو بأنه قد أسرته قصة واقعية معروفة، وهى قتل عصابة تشارلز مانسون من الهيبز للممثلة شارون تيت فى أغسطس من العام 1969، وكانت وقتها زوجة للمخرج الشهير رومان بولانسكى، وحاملًا منه، ولكننا نكتشف أن تارانتينو قد «استخدم» الواقع ليدخلنا إلى عالمه هو، بل ليحطم كل ما نعرفه عن هذا الواقع، ويصنع بعدها أسطورته الخاصة الموازية.
هو فيلم بالأساس عن هوليوود فى نهاية الستينيات، وعن نوع محدد هو أفلام رعاة البقر فى التليفزيون والسينما: الفن أصبح صنعة، والموهبة ابتلعتها المهنة، والاحتراف صار عادة، الفيلم ليس عن الهيبز ومانسون وشارون تيت، رغم أنهم يظهرون، ويدفعون الأحداث إلى الأمام، ولكنه عن حياة زائفة فارغة بتنويعات مختلفة، عن ثلاث شخصيات تعمل فى هوليوود فى دراما السينما والتليفزيون، تريد أن تتحقق، بقدر ما تريد أن تعيش وترتزق.
ريك دالتون (ليوناردو دى كابريو) ممثل يدور فى حلقة مفرغة منذ 15 عامًا، يبكى ويسكر ويؤدى كل ما يسند إليه من أدوار فى مسلسلات رعاة البقر، وكليف بووث (براد بيت) هو أيضًا صديقه ودوبليره وسكرتيره وسائقه، له ماض مريب، كرجل قتل زوجته ولم يعاقب، رغم أننا لا نتأكد من ذلك، أما شارون تيت (مارجو روبى) فهى ممثلة صاعدة بقوة، جميلة وعاشقة للحياة، لها أدوار ناجحة، ولكنها مجرد دمية رائعة فى وادى هوليوود للحسناوات.
يتميز السيناريو ببنائه الفذ كالمعتاد فى أفلام تارانتينو، المعالجة ساخرة دائمًا، ومنهجها كسر التوقعات، وبينما يبنى تارانتينو مشاهده ببطء فى معظم أجزاء الفيلم، فإنه يقدم ما يشبه التقرير السريع عن مصائر أبطاله فى الثلث الأخير من الفيلم، لا توجد شخصية نمطية على الإطلاق، مهما كانت الأدوار قصيرة، وصوت المعلق يتدخل ليكسر أى اندماج، هناك ما يذكرك طوال الوقت بأنك أمام فيلم، حتى لو كانت بعض الشخصيات واقعية.
هذه شخصيات معلّقة فى عالم الشهرة والأضواء، الكل يمشى وكأنه سيموت لو توقف، متابعة حركة الأرجل أثناء المشى موتيفة بصرية متكررة، ووضع الأقدام فى مواجهة الكاميرا موتيفة بصرية أخرى، تعبر عن سنوات القلق والتمرد، تارانتينو يحطم فى الفيلم أسطورة بروس لى، وأسطورة عصابة مانسون، وأسطورة أفلام رعاة البقر الإسباجيتى، رغم أن الفيلم عنوانه يذكرنا بأحد أشهر أفلام الكاوبوى الإسباجيتى وهو «حدث ذات مرة فى الغرب» (1968)، ثم يقرر تارانتينو أن يصنع ثلاث أساطير بديلة هى: ريك وكليف وشارون، ليس بأن يجعلهم شخصيات واقعية، وإنما على العكس بأن يجعلهم أطيافًا أو شخصياتٍ فيلمية: لا يموتون أبدًا، لا ينتصرون ولا ينهزمون، ولكنهم يصمدون ويستمرون، واقع مواز كامل له قانونه الخاص.
كان الواقع قاسيًا على ريك وكليف وشارون، واقع صناعة السينما وواقع المجتمع، شارون بالتحديد لم تكن تستحق مصيرها، قرر تارانتينو أن يقدم التحية إلى شخصياته، وأن ينتقم من أعدائهم بسلاح سخرية، أعاد أبطاله أطفالا يبكون ويلهون ويطعمون الحيوانات، ويسعدون بدخول الأفلام، جعلنا نحبهم ونخاف أن نفقدهم، صالحتنا السينما على الموهوبين الذين قتلتهم السينما، ودهستهم المدينة، أصبح العنف فى الفيلم لعبة مضحكة، عاش الجمال والفن، وعاشت الصداقة والأحلام، ولكن على شريط الفيلم، تعويضًا عما حدث لكل هذه الأشياء فى الواقع.
هذا فيلم عن السينما وبالسينما، لا يشبه إلا عالم تارنتينو، لا شىء يصبح كما هو إذا وضعه على الشريط، تلك الشخصيات الواقعية بالاسم والشكل صارت شيئًا مختلفًا عن أصلها، حتى عصابة مانسون صارت مثيرة للرثاء والسخرية، أكشن أهل السينما يهزمهم، لقد فشلوا حتى فى تقليد الأفلام.
الجميلة وراعى البقر أفكار وأحلام خلدتها الأفلام، وليست مجرد شخصيات، ولذلك لا يمكن أبدًا أن تموت، والقتل الحقيقى فى الفيلم بالسخرية، وليس بأى شىء آخر، أما الحياة المزيفة التى تعيشها الشخصيات، فستتحول إلى فيلم يزيف الواقع لحساب الفن العظيم.

التعليقات