الخرافة بين الشرق والغرب - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 24 يناير 2021 5:56 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

الخرافة بين الشرق والغرب

نشر فى : السبت 29 أغسطس 2015 - 7:35 ص | آخر تحديث : السبت 29 أغسطس 2015 - 7:35 ص

دعيت من إحدى الهيئات الاجتماعية للإسهام فى مؤتمر دراسى عن حركة الالحاد التى اجتاحت شباب العالم الثالث بعد التغيرات الأخيرة من ثورة المعلومات وتأثيرها والتواصل الاجتماعى وانفتاح الحضارات على بعضها البعض، فضلا عن الدول التى اجتاحتها خماسين الربيع العربى.

عقد المؤتمر فى أحد الفنادق الفخمة المعروفة عالميا فى ولاية نورث كارولينا وهى إحدى الولايات المغلقة على المحافظين من الحزب الجمهورى والأصوليين دينيا، وكانت حجرتى فى الطابق السادس رقم 668 وفى طريقى إليها وجدت رقم 664 أما 666 فلم أعثر لها على أثر، وهم هناك يرتبون الحجرات إما فرديا أو زوجيا. وربطت بين هذه الظاهرة وغياب رقم 13 من فنادقنا فى مصر والخارج على أساس انه رقم يجلب النحس، حيث كان السيد المسيح ومعه اثنا عشر تلميذا فى العشاء الأخير وقد خانه واحد منهم بل إن هناك بعض الفنادق تلغى الدور الثالث عشر أيضا فتجد فى قائمة الأدوار داخل المصعد الدور الـ12 ثم الـ14 بعده مباشرة، أما رقم 666 فهذه أول مرة اصطدم به لكنى تذكرت بعض التعاليم الدينية الأصولية التى تفسر الكتب المقدسة من خلال الأرقام أو ما يدعى بـ«أسرار الأرقام ودلالتها فى الكتب المقدسة» حيث يعتبرون أصحاب هذا الفكر ان الرقم 7 يشير إلى الكمال وكذلك رقم 3 ولذلك يعتبرون أن رقم 6 هو رقم النقص بل «كمال النقص» كما يعبر البعض بهذا المصطلح. وأتذكر أن بعض علماء المسلمين عندما وقعت احداث 11 سبتمبر 2001 أخرجوا من القرآن الكريم دلالات نبوءات عن هذه الاحداث بتركيبة من أرقام سور وأرقام آيات.

***

وبالعودة للرقم 666 نجده فى الكتاب المقدس العهد الجديد السفر الأخير «سفر الرؤيا» والذى يفسره الأصوليون على أنه يتحدث عن المستقبل خاصة الأيام الأخيرة ويوم القيامة والدينونة ونهاية العالم. ويتحدث الكاتب قائلا إنه يرى وحشا خارجا من الأرض يقوم بعمل معجزات عظيمة يضلل بها البشر عن عبادة الله الواحد ويدعوهم للسجود لوحش آخر خرج من البحر ويضع على أياديهم سمة الوحش والذى يرفض يقتل، ويقول فى نهاية هذه الصورة «من له فهم فليحسب عدد الوحش فإنها عدد إنسان وعدده ستمائة وستة وستون» سفر الرؤيا 13: 18. وبالطبع فسر المسيحيون الذين كانوا معاصرين للكاتب بأنه يقصد الامبراطور الرومانى نيرون الذى كان يضطهد الكنيسة بوحشية والكاتب لا يقدر أن يكتب اسمه مباشرة لئلا يلقيه للوحوش فى حلبة المصارعة لتسلية الجماهير أو يصلبه ويشعل النار فيه لإضاءة روما ويقتل أيضا المرسل لهم الرسالة، حيث كان يوحنا كاتب الرسالة قد بلغ التسعين وكان منفيا بأمر الامبراطور إلى جزيرة بطمس وكان من الحكمة ان يكتب بطريقة رمزية لا يفهمها سوى المتلقى، أما حاملو الرسالة فظنوا أنه وصل إلى سن الخرف.

وقد اعتبر كثيرون أن هذا التفسير تفسير مقبول ولا يحتاج حتى لترجمة الأرقام لفهمه. لكن غير المقبول أن يتداول البشر مثل هذه الكتابات منزوعة من سياقها التاريخى ويعكسونها على أحداث حاضرة ومستقبلية فمثلا فى عام 1666 باع الأوروبيون خاصة فى إنجلترا وهولندا وبلجيكا بيوتهم وكل ممتلكاتهم، وأخرجوا أولادهم من المدارس وتركوا أعمالهم ليلة رأس سنة 1666 وسجدوا على الجليد فى درجة برودة منخفضة انتظارا ليوم القيامة ونهاية العالم وبالطبع خسروا كل شىء بسبب تفسير خرافى.

***

عندما قامت ثورة الإصلاح الدينى فى أوروبا فى القرن الخامس عشر اطلق بعض المصلحين على بابا روما حينئذ الذى وقف ضد الإصلاح وحرم بعضهم وأحرق البعض الاخر بأنه الوحش الخارج من الأرض وحاولوا توليف اسمه على الرقم 666، وفى العصر الحديث كان ادولف هتلر وموسلينى وتروتسكى ومن العرب كان صدام حسين وحافظ الأسد. وهكذا سقطت كل هذه المحاولات لأنها تعتمد على خرافة أو لعبة الأرقام. وعندما طرحت هذه الفكرة فى احدى جلسات المؤتمر أخذ الحاضرون من أمريكا وأوروبا فى السخرية من الامر على أساس انه امر خرافى بينما بعض القادمين من العالم الثالث غضبوا واخذوا الامر بمنتهى الجدية خاصة القادمين من باكستان والهند وبعض الدول العربية، وهنا مربط الفرس، فعندما أتحدث مع تلاميذى أو أصدقائى من مسيحيين ومسلمين عن انتشار الخرافة عندنا خاصة هذه الأيام وبالتحديد اكثر فى القنوات الدينية المسيحية والإسلامية فضلا عن القنوات الأخرى والتى تركز بصورة خطيرة على تفسير الاحلام ودلالة الأرقام سواء فى الخيال أو الواقع وإخراج الجن أو الشيطان من أجساد البشر بالقرآن أو الزبور أو الإنجيل، فضلا عن معجزات الشفاء الذى وصل إلى حد ادعاء القدرة على قيامة الأموات. هذه القنوات هى اكثر القنوات مشاهدة وجمهور المشاهدين يأخذون هذه الأمور بجدية شديدة ويرفضون الحوار لذلك خصصت جلسة بعنوان «الخرافة بين العالمين الأول والثالث» بناء على طلب عدد من عالمنا الثالث لإثبات وجهة نظرهم ان العالم كله يؤمن بهذه الامور وكنت من الذين رفضوا عقد مثل هذه الجلسة لأنى اعرف جيدا ان الغرب قد تجاوز هذه المرحلة. بعد مناقشات مستفيضة وضح أن الفارق بيننا وبينهم ان مجتمعنا يؤمن حقيقة بالخرافة، فعندما تشتعل النيران بدون سبب واضح فى بعض المنازل بالاقصر ينشغل المجتمع كله بالأمر ويناقشه بمنتهى الجدية فى معظم وسائل الاعلام، وعندما تحدث ظاهرة كونية غير طبيعية تفسر على انها أمور معجزية هذا فضلا عن ان عددا كبيرا من البشر يؤمنون بالعلاقة بين الجن والانسان وإمكانية الزواج بينهم والفتاة التى لم تتزوج والرجل الذى اكتشف يوم زفافه انه غير قادر جنسيا كل ذلك نتيجة الاعمال السفلية والسحر الأسود ولاشك ــ عزيزى القارئ ــ انك قد سمعت وقرأت وشهدت البقرة التى تشفى فيروس (س).

***

وباعتراف الغربيين أقروا بأن مثل هذه الأمور أو شبيهة لها تحدث فى العالم المتقدم – وهذه هى الحجة التى يقذفها فى وجوهنا الذين يؤمنون بهذه الأمور فى عالمنا الثالث ــ لكن الحقيقة انه عندما تقع ظاهرة مثل هذه فى العالم المتقدم فهم يعلقون عليها بسخرية مرددين انه جان أو عفريت ثم يغلقون التليفزيون أو يضعون الجريدة جانبا ويتجهون إلى أعمالهم وهم يدركون جيدا ان هذه الظواهر لابد ان يكون لها تفسير علمى وان لم يكن قد اكتشف بعد أو انهم اذا كانوا لا يعرفونه فسيعرفونه غدا أو بعد غدٍ فلا يشغلون بالهم ووقتهم بمثل هذه الأمور لأنها محسومة بشكل عام ثم ينطلقون للعمل والإنتاج لأجل تقدم بلدانهم وتحقيق ذواتهم وانجازاتهم الشخصية والعامة.

وفى موضوع اهتمام الفنادق بالأرقام قالوا اذا كان أصحاب الفنادق يفعلون ذلك بهدف تسلية نزلائهم فهذا من حقهم اما نحن فمن حقنا ان نهتم بما هو أهم وهو الذى جئنا هنا لأجله!! والسؤال هو متى يصل مجتمعنا إلى هذه الدرجة من النضوج؟ وكيف؟

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات