رَصــــــــــــــــــة - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الأربعاء 5 أكتوبر 2022 10:40 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مبادرة التبرع بأعضاء الجسد بعد الوفاة؟

رَصــــــــــــــــــة

نشر فى : الجمعة 29 يوليه 2022 - 6:45 م | آخر تحديث : الجمعة 29 يوليه 2022 - 6:45 م

أسعى منذ زمن إلى جمع كُتبي في مكان واحد؛ لكني لا أحقق نجاحا يُذكر. تتحرك الكتبُ المَرصوصة هنا وهناك بصورة دائمة، يجول بعضُها في الأرجاء حائرا؛ ينتقل من منضدة إلى مقعد إلى أريكة، تضعه يدي في أي حُجرة، قد يصبح فوق الثلاجة أو أسفل المائدة، بينما يغادر البعض الآخر إلى بيت قريب أو صديق. أمكنة عدة يزورها الكتابُ في أريحية ومرونة، ولا يعود غالبًا إلي موضعه الأصلي، بل أحيانا ما يجتذب كتبًا أخري تجاوره أو تعلوه، لتنشأ رصة جديدة في مكان جديد. أدركت أخيرًا أن الأمر ليس سهلا، بل فعلا معجزا، يُغبط المرء إن أنجزه وحافظ على أثره.
• • •
الرصةُ في قواميس اللغة العربية اسم مَرةٍ من الفعل رصص أي؛ صف وضم وجَمَع، والمصدر ترصيص؛ وتُستخدم هذه المفردة تحديدا في وصف عملية جراحية لسد الفجوات والثغور التي يصنعها الطبيب في الفم كي يعالج تسوس الأسنان وتحديدا الضروس، أما ترصيص عجلات السيارة فيعني إعادتها للاتزان عبر إضافة أثقالٍ من الرصاص.
• • •
توحي الرصة في العادة بحسن اصطفاف وتنظيم. جرى العرفُ بأن يتراص الجنود منتصبي القامات، يُحاذي أحدهم الآخر، لا يبرز جندي عن الصف ولا يميل في وَقفته آخر. كذلك يتراص المسؤولون في تشريفة واجبة ما استقبلوا ضيفًا مُهمًا؛ يقفون منتبهين مُتأنقين، يحفظون المراسم التقليدية ويتوخون الحذر في تنفيذها، ويتنوع المرصوصون بحسب مستوى العلاقة ومدى متانتها، ومبلغ الفائدة المرجوة منها. بعض التقاليد قد تغيرت معالمُها، وبعض البروتوكلات لم تعد ذات مكانة راسخة مثلما كانت، فقدت الرصة المُبجلة هيبتها مع الزمن وتهافتت قيمتُها.
• • •
ينادي مُحترفو قعدات المقاهي علي صبى بعينه؛ يطلبون منه رص حجر الشيشة. يأتي الولد مُمسكا بالماشةِ فيُبدل قطع الفحم؛ يُحرك هذه ويستبعد تلك ويُضيف أخرى، إلي أن يرضى الزبون ويعتدل مزاجه، ويُعلن اكتفاءه بما تم. لم تخلُ عديدُ أعمال الدراما علي مر السنين مِن مشهد؛ تنفث فيه الأفواه دخانا كثيفا، وتلعب عضلات الوجه دورها في امتصاص المزيد، فتضيق العينان وتتقلص الشفتان وتنكمشان على المبسم؛ ليبدو البطل في حال اندماج تام.
• • •
إذا حلت مناسبة مفرحة أو تعيسة فاستدعت توافد الناس؛ تراصت المقاعد في خطوط متوازية وربما دائرية، وصنعت شكلًا يُلائم الموقف ويُلبى الاحتياج. يتجنب المنظمون صيغة عشوائية قد توحي بعدم الاكتراث؛ فالوضع في نقيضيه يستلزم قدرا من التنسيق وإبداء الاهتمام أما إذا اختلف السياق وكان المُراد استقبال عدد محدود من الضيوف لتناول الطعام؛ باتت رصة المائدة على أفضل وجه أهم ما في الأمر؛ خاصة إن لم يكونوا مِن الأقربين. تفاخر ومُباهاة بما اختزنه المضيف من أطقم وأدوات، أو محاولة جادة مستميتة لدرء شُبهة الفقر وتواضع الحال.
• • •
لا تزال تراودني تلك الأغنية التي تتحدث عن "القصة المرصوصة رصة" التي إن رأها ابن شيخ البلد لمات من الحسرة؛ حسرة وجودها في محيطه، وفي الوقت ذاته ابتعادها عن يده. في حقبة ماضية، تحول الشعر المُنسدِل علي الجبين إلى صيحة مبهرة؛ تطول الخصلات وتصل إلي العينين وتناوشهما، أو تقصر عنهما وتمتنع عن إخفائهما. سواء كانت هذه أو تلك، فقد باتت الرصة في حينها علامة من علامات الدلال والجمال، وعاملا من عوامل الفتنة والجاذبية. عادت الصيحة ومعها صور وابتكارات لا أول لها ولا آخر، فالشعور مجال تحقق دائم، ومصدر كسب لا ينضب أبدا.
• • •
رصة التلامذة في طوابير الصباح علامة احترام لقواعد المدرسة، ومظهر من مظاهر الطاعة الواجبة؛ أو كهذا عرفناها. اعتدناها أيضا مُناسبة يومية للنهر والزجر والتهديد؛ إذ مِن الطلاب مِن يقف وقفة لينة متراخية تنم عن الاستهتار، لا يلتزم بموقع من يسبقه ولا يعبأ بالضوابط المفروضة من قبل المشرفين. بمرور الوقت واختلاف الأزمان، وصعود قيم وهبوط أخرى؛ لم يَعد الأمر من الأهمية بمكان؛ كل يقف كيفما اتفق، بل اتجهت الطوابير ذاتها نحو الانقراض.
• • •
رصة الناس أمام الشاشة خلال شهر رمضان لا انضباط فيها ولا كمال؛ إنما هي أقرب إلي الفوضى وأميل إلي العشوائية. ينتهي الإفطار فيلتقط الصائمون أنفاسهم ويستعدون لالتهام الحلوى والتلذذ بأكواب الشاي. يتحلقون حول مُسلسل لم يزل بعد طازجا، أو يتابعون برنامجا خفيفا وقد أثقلتهم كميات الطعام التي هبطت على المعدة إذ فجأة، فأورثتهم وخما وخمولا.
• • •
ثمة رصة معلومة للشطرنج لا تتغير مثلما قد تتغير رصة حجارة الطاولة. يتشارك اللاعبان إعداد الرقعة فيُسكن كل منهما جيشه، قد يتفاءل أحدهما بلون دون الآخر، وقد لا ينال اللون اهتمامهما. إماتة المَلك هدف وحيد، وحصار جنوده وعتاده وسيلة، وإذ تبدأ المباراة برص القطعِ وصفها؛ فنهايتها أيضا رصة، تُعلِن الفائز وتفضح الخاسر.

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات