المدن الجديدة فى مصر والعالم - مدحت نافع - بوابة الشروق
الخميس 21 نوفمبر 2019 7:55 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

المدن الجديدة فى مصر والعالم

نشر فى : الإثنين 29 يوليه 2019 - 10:05 م | آخر تحديث : الإثنين 29 يوليه 2019 - 10:05 م

انتشار المدن الجديدة المصممة وفقا لأحدث الطرز المعمارية والتى تضم العديد من عناصر الجذب السياحى فضلا عن العناصر الأساسية لاستقرار كتلة حرجة من السكان دون تكلف الإقامة الموسمية أو تلك التى تنطوى على نزوح إجبارى لأمر غاية فى الأهمية. نحن دولة يعيش 97% من كتلتها السكانية على ما لا يزيد على 7.8% من مساحة الأرض المزروعة والمأهولة بالسكان، وتزداد الكثافة بشكل كبير فى دلتا مصر وهذا الشريط الضيق المنسدل منها بصورة تعجل من استنفاد موارد الدولة وتحول مدن الوادى والدلتا إلى مناطق طاردة للسكان.
***
فى مقال شيق بصحيفة الجارديان صدر فى 30 يونيو 2015 عدد الكاتب «ستيوارت جيفريز» عشرين خطوة لبناء مدينة جديدة من الصفر. الخطوة الأولى: اختيار الموقع.. حيث يعد اختيار المناطق الصحراوية والغابات والجزر غير المأهولة لإقامة المدن الجديدة هو الاختيار الأنسب، لتفادى نشوب أى منازعات على الأراضى أو تعارض مصالح يعيق إقامة المشروع. وقد ضرب صاحب المقال مثلا بعبقرية اختيار الموقع بمدينة «سايهون» فى طاجيكستان المقامة على 14 ألف هكتار لتوطين 250 ألف شخص مستفيدين من 19 منطقة سكنية و50 مدرسة و40 مركزا رياضيا ومراكز للتسوق وبازارات بالإضافة إلى مساحة شجرية تبلغ نصف مساحة المدينة، والعاصمة الجديدة «أويالا» فى غابات غينيا الاستوائية. كذلك بلور كاتب المقال نموذج العاصمة الإدارية الجديدة فى مصر كمثال على إقامة عاصمة على الرمال شرق القاهرة التى لم تعد صالحة للتوسع والاستمرار.
الخطوة الثانية: التأكد من توفير مصدر آمن للمياه.. وعلى الرغم من بداهة تلك الخطوة إلا إن بعض المدن الجديدة تؤسس دون اعتبار لخطورة عدم تأمين مصدر يعتمد عليه لتوفير المياه، ومثال لذلك مدينة «روابى» التى بدأ تأسيسها للفلسطينيين فى عام 2011 ولم تنجح فى ربطها مع شبكة المياه الإسرائيلية على الرغم من إقامة العديد من المنشآت لخدمة المدينة.
الخطوة الثالثة: مصدر مستقر لتمويل إقامة المدينة.. الكثير من المدن الجديدة التى أنشئت حديثا لم تكتمل بسبب تعثر عملية التمويل، ونكوص الدولة ورجال الأعمال عن الاستمرار فى ضخ الأموال اللازمة لاستكمال مرافق ومنشآت المدينة. مثل ذلك مدينة «أويالا» السابق الإشارة إليها فى غينيا الاستوائية والتى كان مقررا أن يتم تمويلها من إيرادات النفط (غينيا الاستوائية هى ثالث أكبر دولة منتجة للنفط فى إفريقيا جنوب الصحراء) أثرت بشكل كبير على مستوى معيشة المواطنين، نتيجة حرمان الكثير من السكان من إيرادات تم تخصيصها لإنشاء بنايات شديدة الرفاهية فى وقت يتضور فيه السكان جوعا وفقا لدورية international business times فى عام 2015.
الخطوة الرابعة: فرص للتوظف.. إذا أردنا بناء مدينة مستدامة فعلينا أن نوفر فرصا للعمل لعدد كبير من السكان، لذا يراهن «هربرت جيراردت» صاحب مؤلَف «خلق المدن المستدامة» على نجاح نموذج العاصمة الإدارية الجديدة فى مصر بخلاف مختلف النماذج السابقة نظرا لانتقال المؤسسات الحكومية للعمل من تلك العاصمة التى لم يختر لها اسم بعد. أشهر المدن المخططة حول العالم كانت عواصم جديدة، مثال ذلك برازيليا، كنبرا، أبوجا، أوتاوا، نيودلهى.. وهى جميعا مدن أنشئت فى صورة عواصم جديدة واستفادت من خلق فرص عمل نتيجة لتحولها إلى مركز إدارى وطنى.
الخطوة الخامسة: عدم تهميش المحليين.. من هنا تنشأ المقاومة للمدن الجديدة وتظهر جماعات الرفض فى صورة منظمات حماية البيئة مثلا لمقاومة إقامة أية أنشطة جديدة من شأنها التأثير سلبا فى البيئة المحيطة. كان ذلك أحد أسباب فشل مدينة «لافاسا» فى الهند والتى أصدرت وزارة البيئة والغابات الهندية قرارها بوقف الاستمرار فى إقامتها عام 2010 تحت ضغط جماعات حماية البيئة وكان مخطط لها أن تصبح مركزا هاما لصناعة البرمجيات واستوديوهات الأفلام كجزء من المنطقة الصناعية دلهيــ مومباى.
الخطوة السادسة: الاهتمام بالمخطط العام والذى يجب أن يتضمن جميع وسائل الراحة والاستقرار.
***
الخطوة السابعة: تكامل شبكة النقل.. خاصة وسائل النقل العام مع تخطيط شبكة متكاملة لسير القطارات والحافلات وتوفير مناطق ذكية لصف السيارات، حتى وإن ترتب على ذلك الاستغناء التام فى مرحلة لاحقة عن سيارات الركوب الخاصة تماما كما حدث فى مدينة «هلسنكى» والتى لم تكن مدينة مخططة كتلك المدن الجديدة.
الخطوة الثامنة: خذ فى الاعتبار إيقاف السيارات الخاصة.. ومثال ذلك مدينة «مصدر» المقامة فى أبو ظبى والتى تمنع استخدام السيارات الخاصة داخل أسوارها، حماية للبيئة وتحقيقا للكفاءة والعديد من الوفورات الأخرى.
الخطوة التاسعة: تدوير المخلفات.. فى المدن الجديدة المخططة حديثا لا وجود لسيارات جمع ونقل القمامة، فجميع أنواع المخلفات المنزلية يتم نقلها عبر شبكة أنفاق ضخمة تصب فى مراكز تدوير للمخلفات مثال ما يحدث فى مدينة «سونجدو» بكوريا الجنوبية. كذلك يمكن الاعتماد على تكنولوجيا المعلومات واستخدام حساسات لقياس الانبعاثات والطاقة المستخدمة بالمنازل، وبلوغ حجم المخلفات مستوى يؤشر بضرورة النقل.. إلى غير ذلك من وسائل.
الخطوة العاشرة: تعظيم التواصل.. وذلك من خلال بناء شبكات ضخمة للاتصال كابلات الفايبر أوبتيك والشبكات اللاسلكية والتى لا تسمح فقط للتواصل الكفء والتعامل السريع مع شبكة الانترنت ولكن تلك التى تسمح بإقامة مدينة ذكية تضم العديد من الحساسات للتحكم فى استخدام الطاقة وتحسين الضوابط المحققة لعناصر الأمن والتشغيل الكفء للمرافق.
الخطوتان 11 و12: تضمنتا خلق نظام بيئى لتحييد الكربون ولزراعة مساحة خضراء كبيرة علما بأن العاصمة الإدارية الجديدة قد تضمنت متنزهات خضراء تتجاوز مساحتها مثلى مساحة سنترال بارك فى مدينة نيويورك!
***
الخطوة 13: الثقافة.. ليس أقل من الاهتمام بعناصر الجذب الثقافية والتى حدت بإمارة أبو ظبى إلى تحويل جزيرة «سعديات» إلى مركز ثقافى كبير أقيم به فرع من متحف اللوفر الفرنسى الشهير ومتحف جوجنهايم أبوظبى وهو منبر بارز للثقافة والفن المعاصر العالمى الذى يعرض أهم الإنجازات الفنية فى عصرنا على الصعيدين العالمى والإقليمى ويشغل موقعا مُميزا فى المنطقة الثقافية فى السعديات.
الخطوة 14: تجنب البذخ المعمارى.. من أبرز مثالب المدن الجديدة أنها تتحول إلى منتجعات خاصة لطبقة دقيقة جدا من أثرياء المجتمع، وتخلق مجتمعا يسوده نوع من الأبرتايد يصعب فيه توفير أى فرص عمل للفقراء. مدينة «لافاسا» الهندية مثلا تتراوح فيها أسعار أرخص الشقق السكنية بين 17 ألف دولار و36 ألفا! فإذا أريد للمدن الجديدة ألا تتحول إلى مدن أشباح بفعل طمع المطورين العقاريين فى جنى إيرادات عقارية ضخمة فلابد من إقامة مجتمع متعدد الطبقات الاجتماعية. فما لا يريده العالم هو مزيد من جزر النخيل فى دبى التى تنفصل عن عالمها ومحيطها ولا تفعل شيئا غير أنها تعكس شكلا جماليا من الفضاء!.
الخطوة 15: تصريح يميزها.. صحيح أن العالم قد لا يحتاج إلى بذخ جزر النخيل لكن ما الفائدة من إقامة مدينة جديدة إن لم تبد جميلة، من لا يريد أن يسكن فى جزيرة «كريستال» فى مدينة موسكو والتى تعد البناء الأكبر فى العالم.. هذا التصريح المميز لاسم الجزيرة يجعلها جاذبة للسكان والزائرين.
الخطوة 16: تعامل مع العاملين باحترام.. ففى عام 2013 صرح أحد العاملين القادمين من نيبال عن ظروف عمل غير آدمية يتعرض لها العاملون فى مدينة «لوسيل» القطرية الجديدة ويعملون فى طقس غاية فى الحرارة والرطوبة.. وقد ترتب على هذا التصريح لجريدة الجارديان قيام الاتحاد الدولى للتجارة بتقدير أعداد العمال المعرضين للوفاة فى قطر بنحو 4000 عامل بحلول عام 2022! مراعاة العاملين الذين تشيد بهم المدن الجديدة أمر مهم لتصدير صورة إيجابية عن الدولة.
الخطوة 17: البناء سريعا وليس بالسرعة القصوى.. خير مثال على هذا تجسد فى الكتيب الذى صدر لبناء العاصمة الإدارية الجديدة بمصر والذى أشار إلى بناء 21 حيا سكنيا يسع خمسة ملايين من السكان على مساحة 700 كم مربع (تقريبا مثل مساحة سنغافورة) مع توفير 663 مستشفى وعيادة طبية و1250 مسجدا وكنيسة.. وذلك خلال مدى زمنى يتراوح بين خمس وسبع سنوات دون مزيد من الضغط.
الخطوة 18: إعادة تعليم الشاغلين الجدد.. فقد أصدرت السلطات فى مدينة «كانجاباشى» بمنغوليا كتيبا بالتعليمات التى ينبغى على السكان مراعاتها فى المدينة الجديدة ومنها مثلا عدم البصق فى الشوارع، عدم إلقاء القمامة، عدم رفع صوت الموسيقى.. وذلك كله ضمن حزمة ترحيب بالسكان الجدد للمدينة.
الخطوة 19: إذا بنيتها سوف يأتون.. لا يهم كم أنفقت من وقت وأموال على التصميم الجذاب فلابد أن تشرع فى إقامة المدينة حتى تجتذب السكان والعاملين، حتى وإن اختلفت النتيجة عن التصميم الأصلى.
الخطوة الأخيرة: اختر اسما للمدينة.. هذا الترتيب فى خطوات إقامة المدن الجديدة هو بالتأكيد ما اعتمدته مصر لدى الشروع فى إقامة عاصمتها الإدارية الجديدة ولم يبق لها سوى اختيار اسم مناسب للمدينة والذى أعلن أخيرا عن جائزة لمبتكريه.
يتفق مع «جيفريز» مقال آخر بدون مؤلف نشر فى إبريل 2019 بموقع world travel guide والذى اختصر خطوات إنشاء مدينة جديدة فى عشر خطوات فقط ربما لم تختلف عما ذهب إليه مقال الجارديان إلا فى ضرورة الاستفادة من النموذج الحضرى لكل من مدينتى باريس وبرشلونة فى عدم التطاول فى البنيان والاهتمام بالنسق المعمارى غير المرتفع والذى نشأت عليه مدينة 6 أكتوبر وتوشك أن تحيد عنه اليوم..

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات