بَسْــــطَة - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الخميس 7 يوليه 2022 3:01 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

بَسْــــطَة

نشر فى : الجمعة 29 أبريل 2022 - 9:35 م | آخر تحديث : الجمعة 29 أبريل 2022 - 9:35 م
في زمنٍ ولىّ، وقبل ابتكارِ أجيالٍ مُتطوّرة من الألعاب الإلكترونية التي حَصَدَت اهتمامَ الكبار والصغار على حدٍ سواء؛ حاز اللعبُ مع الجيران مكانةً مقدسة. ساعاتٌ مُمتدَّة يقضيها الأولاد سويًا في إجازةِ الصيف، ودقائق يقتنصونها خلال أيامِ الدراسة؛ ما نجحت المفاوضاتُ الدائرة مع العائلةِ وأثمرت. تبوأت بَسْطَةُ السُّلم حينها موقعًا حيويًا للقفز، والتباري في أداء حركات بهلوانيةٍ مُتَجَددة؛ يحاول من خلالِها اللاعبون- صبيانًا وبنات- أن يتفوقوا أحدهم على الآخر في عددِ الدرجاتِ التي يصعدها، وفي المسافةِ التي يطيرها في الهواءِ هبوطًا؛ ليرتطم بالبَسْطَة واقفًا على قدميه، مُتباهيًا بمهارته وشجاعته، بل وقد يقفز بظهره مُعلنًا التمكُّن والاقتدار، متُحديًا الأقران. شهدت البسطة إصاباتٍ عديدة وجروحًا متنوعة، لكنها لم تفقد أبدًا أهميتها.
• • •
البَسْطَة في معاجم اللغة العربية اسم مرة من الفعل بَسَطَ أي؛ مدَّ وفرد، وتُطلَق الكلمة على تلك المنطقة التي تضمُّ أبوابَ الشقق في كلّ طابقٍ وعلى المساحةِ الواقعةِ عند التفافِ السُلَّم وفي مداخل البنايات، أما البساط؛ فنسيج يكسو ما بأسفله فيمنع البرودةَ ويرطب السخونة.
• • •
إذا حسنَت أحوالُ المَرءِ قيل قد أعطاه الله بسطةً من العَيش، وإذا دعا ابسطها يا رب؛ كان القصدُ طلبَ الفرجِ والتماسَ الحلّ لأزمةٍ صادفته.
• • •
تُطلَق مفردة "البَسطَة" على قطعِ الجاتوه، والجاتوه كلمةٌ فرنسية الأصل، اندمجت مع اللغةِ العربيةِ وصارت بمرورِ الوقتِ جزءًا منها؛ شأنها شأن كثيرِ المُصطلحات. لم تعرف العربُ قديمًا حلوى الجاتوه، إنما عرِفت القطائفَ وألوانًا مُتعددةً من العجائنِ المَحشوَّة التي يُستَخدَم في صناعتها الزبيبُ والتمرُ والعسلُ، وكان مجيئها مِن علاماتِ إكرامِ الضَّيف والاحتفاءِ به.
• • •
إذا اعتدل قوامُ المَرء وطالت عظامُه واعرَضَّ منكباه؛ قيل قد أعطاه اللهُ بَسطَةً في الجسم. بعضُ الشعوبِ تتمتع بضخامةٍ مَوروثةٍ وبعضُها الآخر ضئيلُ الحجم. كان التفاوتُ على أشُدَّه في قرونٍ ماضية؛ لكن العلمَ الذي يقطع كلَّ يومٍ أميالًا من التقدُّم والتطوُّر؛ أتاح لقصارِ القامةِ طولًا إضافيًا ولضعافِ البنيةِ امتلاءً ومَتانة. تبدَّلت الصفاتُ وتغيَّرت السماتُ، وتمكَّن الناسُ مِن امتلاكِ ما يحبون.
• • •
إذا بَسَطَ المَرءُ يدَه؛ كان كريمًا جوادًا، وإذا بَسطَ نفوذَه؛ حَكَمَ وتحكَّم، أما إذا بَسَطَ رأيَه؛ فقد بيَّنه ويسَّره وجعله مَفهومًا. إن أراد المُخطئُ أن يبررَ مَوقفَه؛ بَسَطَ الأعذارَ والحُجَجَ التي تشفع له وتكفيه اللومَ والعتابَ، وإذا بادر الشهمُ إلى مُساندَةِ مَكروبٍ في مِحنتِه؛ فقد بَسَطَ له يدَ العَوْنِ، وإذ يُقالُ بَسَطَ الرَّجلُ مَلامِحه، فالمعنى أنه تركَ العبوس. لانت عريكتُه، وتلاشت عن وجهِه تجعيداتُ الضيقِ وكرمشاتُ الغَضبِ، وحلَّ محلَّها استرخاءٌ وهدوءٌ، فإن عبر الواحدُ منّا عن حالِه بأنه مَبسوطٌ، عَكَسَت الكلمةُ ما صار إليه من سعادةٍ ورضاء.
• • •
مِن الأشخاصِ مَن يبسِطُ حمايتَه على الآخرين، فيردُّ عنهم الاعتداءَ ويقيهم الأذى. بَسْط الحماية ليس من الشهامة بالضرورة، فقد يصبح عملًا مدفوع الأجر، يأتيه الحامي لقاء قدرٍ مِن المَال أو مُقاسَمَة في الرزق. امتلك فتوة الحارة فيما مضى سُلطةً معنويةً هائلة، ووجودًا ماديًا مُحققًا في المنطقة التي يتولّى الدفاعَ عن قاطنيها، كان له الحُكمُ فيما يقع من عِراكٍ والفصلُ بين المتناحرين وتقسيم الأدوار. حظى بعضُ الفتوات بهيبةٍ وقبول إذ دأب على نصرة المَغبون، ثم تطور الأمر وتبدَّل الزمنُ، وصارت الفتونةُ المشفوعة بقدرٍ من الإنسانيةِ والعَدل؛ أثرًا بعد عين. ساءت السمعةُ وباخت المِهنةُ وفقدت ما كان لها مِن قواعد وأصول، بل واكتست بصبغةٍ رسميةٍ غير مَحمودة، وقصُرت على كونها وسيلةً لجَمْعِ المَال. تجرَّدت مِن كُل قيمةٍ أخلاقيةٍ ومن كلّ عرفٍ وتقليد.
• • •
إن ذُكِرَت البسيطة، كان القصد الأرض إذ هي ممتدة مستوية دون تخصيص، وإذ يوصف أمر من الأمور بأنه بسيط؛ فالقصد أنه واضح مكشوف، لا خبايا فيه ولا كمائن، لا نتوءات أو حفر أو كهوف. في أيامنا هذه صارت أبسط الأشياء محملة بقدر مشهود من التعقيد، لا خط ممدود على استقامته ولا سطح أملس خال من البثور؛ إنما فخاخ وعوائق وعراقيل.
• • •
درجنا في أيامِ الطفولة على صعود الدَرجِ، والتزاحم على بَسطَة مُرتفعة، نُعلِن من فوقها احتفالنا الخاص بالعيد. نلقي "البمب" واحدة بعد الأخرى فيحدث دويًا لا تخطئه أذنٌ، ورائحةً لا تتوه عنها أنفٌ تمرنت على طقوسِ الاحتفال وألفتها. انزعج الجيرانُ مرارًا وطالبوا بالهدوء، فيما لم نعبأ بتحذيراتهم وضيقهم. مَرَّ الوقتُ وإذا بمَن طَرِبَ منا لصوتِ الفرقعةِ يبغضه، وإذا بمَن طابت له اللعبةُ من قَبل يتساءل مُستنكِرًا عن المتعةِ التي تجلبها.
• • •
على البَسْطَة القديمةِ بقع صفراء، لا تزال شاهدةً على سنواتٍ من السعادةِ الصافيةِ التي لم تعرف التبرمَ أو الضجر.
بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات