استقالة فى البنك الدولى وتنمية غير متكافئة - محمود الخفيف - بوابة الشروق
الأربعاء 3 يونيو 2020 5:19 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

استقالة فى البنك الدولى وتنمية غير متكافئة

نشر فى : السبت 29 فبراير 2020 - 8:10 م | آخر تحديث : الأحد 1 مارس 2020 - 1:37 م

فى 5 فبراير الماضى أعلنت الاقتصادية بينى جولدبرج استقالتها من منصبها ككبيرة الاقتصاديين للبنك الدولى، وذلك بعد أقل من عامين من توليها هذا المنصب المؤثر. وبالطبع بدأت الصحافة والميديا الغربية تتكهن بأسباب الاستقالة. وما يشاع أن الاستقالة سببها خلاف بين السيدة جولدبرج وإدارة البنك بخصوص عدم نشر البنك لدراسة تشير إلى أن جزءا ملحوظا من أموال مساعدات البنك والدول المانحة يتم تسربه من الدول النامية والفقيرة، المتلقية لتلك المساعدات، إلى حسابات مصرفية خاصة فى بنوك الغرب وبالتحديد إلى دول توصف «بـالملاذات الآمنة» للأموال. وعلى أية حال قد يكون هذا صحيحا أو غير صحيح، فاستقالة كبيرة الاقتصاديين ليس بالأمر المهم، فذلك لن يغير من التوجهات الليبرالية الجديدة المتوحشة للبنك الدولى والتى تؤدى إلى ترسيخ التبعية الاقتصادية للدول النامية التى تتبنى وصفة السياسات الاقتصادية للبنك والصندوق الدوليين.
والمهم هنا هو ما تشير إليه نتائج تلك الدراسة، وطبقا لما نشر فى الصحافة الغربية تعود فكرة الدراسة إلى ما قبل عام 2015 حين قام كل من يورجن أندرسن، من كلية إدارة الأعمال النرويجية، ونيلز يوهانسن، من جامعة كوبنهاجن، ببحث أكاديمى أفاد أن ارتفاع أسعار النفط يتبعه مباشرة تسرب الكثير من الأموال إلى خارج الدول النفطية مع ارتفاع فى الودائع التى يحتفظ بها مواطنون من هذه البلدان فى حسابات مصرفية فى الغرب فى دول مثل سويسرا أو الدول التى يمكن أن تكون «ملاذا آمنا» للأموال المسربة.
وعندما عرضت نتائج هذا الدراسة فى البنك الدولى عام 2015، كان من بين الحضور عضو فى قسم الأبحاث بالبنك (بوب ريكرز). فاشترك الثلاث اقتصاديين لدراسة ما إذا كان هناك شيء مشابه يحدث فى الدول النامية بعد ضخ المساعدات والمنح من الدول والجهات المانحة. وكانت نتائج دراستهم صادمة ومثيرة لاستغراب هؤلاء المؤمنين بحسن نية البنك الدولى والدول الغربية المانحة. فقد أوضحت النتائج أنه فى حالة الـ 22 دولة محل البحث، خلال الفترة الممتدة من 1990 إلى 2010، بعد وصول مساعدات لتلك الدول من البنك الدولى والجهات والدول المانحة الأخرى (ومعظمها دول الغرب) تحدث قفزة فى ودائع صفوة وأغنياء البلدان (المستفيدة من المساعدات) بالمصارف الأجنبية وبالتحديد مصارف الدول الغربية التى توصف بكونها «ملاذات آمنة» للأموال. وبلغ حجم التسريبات فى المتوسط حوالى 7.5% من مساعدات البنك والدول المانحة لهذه الـ 22 بلدا، وفى الدول الأشد فقرا بلغ معدل زيادة ودائع أغنياء الدول الفقيرة فى مصارف دول الغرب (والتى هى أيضا الدول المانحة) إلى حوالى 15% من حجم المساعدات والمنح. وهذه النتيجة تشير إلى أن حصة لا يستهان بها من المساعدات يتم سرقتها عن طريق الإفساد والفساد لتعود إلى الدول المانحة فى الغرب.
***
ولكن عندما قدم اقتصاديو قسم الأبحاث بالبنك الدولى الدراسة تم تأجيل نشرها بحجة أنه يجب أن تخضع لمراجعة داخلية. ووفقًا للصحافة الغربية تم حظر النشر من قبل كبار المسئولين، وذلك على رغم من أنها روجعت مرات عديدة وبصرامة من قبل باحثين آخرين من البنك. وما يشاع أن هذا الحظر هو ما دفع كبيرة الاقتصاديين بالبنك إلى الاستقالة ولكن لا أحد يدرى إذا كان هذا السبب الحقيقى للاستقالة أم هناك سبب آخر. على أية حال، قام أحد المشاركين فى الدراسة بنشرها على صفحته فى شبكات التواصل الاجتماعى، وكان من شأن هذا أن دفع البنك الدولى إلى الإسراع بنشرها بعد بضع ساعات على موقعه الرسمى على الإنترنت.
وهنا يجب التركيز على أمر هام ألا هو أن هذه الدراسة ركزت فقط على تسرب أموال المنح والمساعدات إلى ما يسمى «بالملاذات الآمنة»، ولم تأخذ فى الحسبان التسربات المالية من مصادر أخرى مثل التسربات من الدول النفطية أو الدول المصدرة للمواد الخام، وكذلك لم تشمل التسربات إلى البلدان الغربية الأخرى التى لا توصف «بالملاذ الآمن»، أو التسربات المباشرة عن طريق شراء عقارات فى الغرب أو فى غيره أو ما شابه. وكل هذا يعنى أن حجم التسربات المالية الكلية أكبر وأضخم بكثير مما تشير إليه الدراسة.
إن هذه الدراما حقيقية ويومية ترجع بطولتها لكل الدول الغربية المانحة ووكالات التنمية الخاصة بها، وإلى وكالات التنمية الدولية وعلى رأسها البنك الدولى وصندوق النقد. فهم يعلمون جيدا أن ما أشارت إليها الدراسة هو من طبيعة صناعة ما يسمى بتمويل التنمية التى هم سادتها ومصمميها، ويعلمون أن فى آخر الأمر سترجع أموال الدعم (المسماة بالمنح أو القروض الميسرة) مرة أخرى لبنوكهم وخزائنهم. وبالنسبة لهم فصناعة التنمية وتمويلها هى (business) عملية رابحة رابحة رابحة من كل الجهات وتكلفتها بخسة بخسة بخسة. فمن ناحية يتم تلميع وتثبيت صورتهم، لدى شعوبهم وشعوب العالم النامى، كقوم كرام ديمقراطيين ونظاف وغير فاسدين وأصحاب ضمير حى، ومن ناحية ثانية الفاسدون هم من العالم الثالث وأغنيائه وصفوته وقادته الذين يستولون على أموال المنح، ومن ناحية ثالثة تعود كل الأموال مرة أخرى إلى بنوكهم فى الغرب وقد تتضاعف فى الأثناء (بشكل مباشر كما أوردت الدراسة أو بشكل غير مباشر)، وقد تستولى عليها حكومتهم «بالقانون» أو بغيره، ومن ناحية رابعة يتم تثبيت فكرة احتقار الذات والانبهار والانسحاق للغرب لدى شعوب العالم الثالث. وفى حقيقة الأمر إنهم هم المصدر الرئيسى للفساد من حيث الحجم والكمية. وبالإضافة إلى ذلك تعمق مثل هذه المساعدات من تبعية الدول النامية التى يرهقها تراكم وتزايد الديون الخارجية ويفقدها القدرة على الانفكاك من الهيمنة السياسية والاقتصادية للغرب.
***
إن ما يُمارس ويحدث فى الدول التى تتبع وصفات وشروط البنك والصندوق، والتى ترسخ توجهات الليبرالية الجديدة «المتوحشة»، ما هى إلا عملية ابتسار للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لتلك الدول وقطع الطريق على عملية النمو والنضوج السياسى التى تؤدى إلى مشاركة حقيقة من قبل الشعوب فى اتخاذ القرارات المهمة لبلادهم، وبالتالى تؤدى إلى كسر التبعية للغرب والوصول إلى تنمية حقيقة والابتعاد عن تنمية التبعية.
إن ما أوضحته دراسة البنك الدولى يؤيد ويدل على صحة أطروحات المفكر والاقتصادى المصرى «سمير أمين» فيما يخص نظرية التنمية غير المتكافئة وفكرة المركز والأطراف (التوابع). فخروج الأموال من الدول النامية (الأطراف أو التوابع) إلى المركز (الدول الغربية الرأسمالية الغنية) يؤدى بالضرورة إلى تنمية غير متكافئة أو غير متساوية أو متفاوتة بين المركز والأطراف، هذا بدوره ضرورى لاستدامة قدرات المركز على استغلال الأطراف (التوابع) وضمان لاستمرار تبعية الأطراف للمركز. وكذلك تشير الواقعة إلى أن البنك الدولى يفضل عدم نشر البحوث التى تكشف حقيقة وطبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، إلا إذا اضطرته أحداث خارج سيطرته كما حدث مع الدراسة التى تطرق لها هذا المقال.

الرابط لدراسة البنك الدولى

http://bit.ly/3agXAWd

هذا المقال يعكس رؤية الكاتب وليس بالضرورة رؤية المنظمة التى يعمل بها.

 

 

محمود الخفيف اقتصادي بالأمم المتحدة
التعليقات