دكة الاحتياطي - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 12:02 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


دكة الاحتياطي

نشر فى : السبت 28 ديسمبر 2019 - 8:55 م | آخر تحديث : السبت 28 ديسمبر 2019 - 8:55 م

في قوانين الكرة من حق اللاعب إذا جلس على دكة الاحتياطي موسما كاملا، دون أن يشارك بنسبة 10% من المباريات، أن يفسخ العقد، لكن على دكة احتياطي الحياة، الجالسون عليها هم لغز غير مفهوم في كثير من الأحيان. بعضهم قرر ألا يعترك بمعارك الحياة ويظل يلعب دور المشاهد كافيا خيرها وشرها، فتفوته أشياء لا يختبرها ولا يعرف طعمها، أما البعض الآخر فمهاجم قناص يتمسك بأي فرصة حتى لو كانت خمس دقائق وينتهزها لمصلحته، لأنه طالما ما انتظر هذه اللحظة لكي يصير مثل نجوم الكرة الذين ظلوا طويلا ضمن البدلاء ثم انتقلوا إلى مراتب أعلى. والأمثلة عديدة منها محمد صلاح و حارس المرمى محمد الشناوي وغيرهم.
هناك من بين النساء من احترفن الانتظار على دكة الاحتياطي، لا يزعجهن ذلك، ولا يفكرن أبدا في فسخ العقد، مفضلين سياسة النفس الطويل وتطبيق المثل القائل: يضحك كثيرا، من يضحك أخيرا. إحساسهن بالكرامة أو بالخيانة يختلف، ويجدن تفسيرات وتبريرات أخرى، ربما غير معتادة، لكنها مثيرة للاهتمام. تجلس وتراقب وتنتظر. تسيطر جيدا على غضبها ونزعاتها العدائية، تلجمها. تبدو قوية، واثقة من رجوع الحبيب والشريك. تعطيه الحق في التغيير. تحاول أن تتفهم رغبته في البحث عن شيء مختلف. وتجلس على دكة الاحتياطي، حتى لو طال الأمر، مكتفية بدور الأم والصديقة والراعية الرسمية. تقول لنفسها: هو يفرد أبيات الشعر للأخرى، لكن معي يكتب رواية من عدة فصول. تمر السنوات والمواسم، يطول شعرها ويقصر.. وهي على الدكة ذاتها، تتجرع كأس المرارة وتحلم بقلب الصورة. تنتظر العودة إلى صفوف الأساسيين، وهي على يقين أن اللحظة المناسبة ستأتي، حتى لو تعبت قليلا. لا يهم.
***
تطبق نفس مبدأ الصياد: تراقب من أجل اللحظة التي يكون فيها الوضع قابلا للاختراق. ترصد كل التحركات، قائلة: إذا لم تظهر الفريسة اليوم، فستعاود غدا. تردد أيضا في سرها: المهم أن يعود، أن نبقى سويا، سأغلق عيني وسينتهي كل شيء. وبسبب هذه الروح المثابرة تنجح غالبا في تحويل غريمتها إلى المحظية والعشيقة المفضلة، وتحتفظ لنفسها بدور الملكة الأم التي تقرر وتخطط وتدبر. ربما عانت طويلا من الخوف من الهجران في حياتها أو لم يحبها أحد في عائلتها كما ينبغي وكما أرادت. وربما لا تحترم نفسها بدرجة كافية وتفضل أن تظل تمسك الخيوط وتشدها في الظل، على أن تثور لكرامتها.
وعندما تسنح الفرصة وتتقدم إلى صفوف اللاعبين الأساسيين مجددا، تعرف أن ذلك بصفة مؤقتة، خاصة مع هذه النوعية من الرجال التي أدمنتها، من فئة هواة التغيير والقنص، فهو قطعا سيبدأ مغامرة مع أخرى ترضي غروره، وسترجع هي خطوتين للوراء وتجلس على دكة الاحتياطي، وتنتظر... كالعادة تعرف ما ستفعله، فقد صار الموقف متكررا، ستوجه إليه الحديث بصوت خفيض حين يأتيها مهرولا كطفل أضاع أمه: تكلم وقل ما تشاء. أحك ولا تستح.
***
لكن هذه المرة اختلف الأمر. رأت الناس يقتربون منها وهم يرفعون التابوت. لم تكن المقبرة نائية، بل على بعد خطوتين من دكة الاحتياطي، حيث احترفت الانتظار. وضع التابوت على الأرض، وكانت الحفرة مهيأة تماما. شعرت أن حجرا ثقيلا على صدرها. اقترب حفار القبور من التابوت، وانحنى ليرفع الجثة، عندئذ انطلقت صرخة حادة من حلق المرأة ذات الشعر الأبيض، تأمره بالانتظار، فقد قررت تحنيط الفقيد الحبيب حتى يظل عند قدميها، وهي جالسة على الدكة. تريد أن يبقى أمام عينيها.

التعليقات