حتى لا نجوع - مدحت نافع - بوابة الشروق
الأحد 11 أبريل 2021 3:13 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

حتى لا نجوع

نشر فى : السبت 28 نوفمبر 2015 - 11:15 م | آخر تحديث : السبت 28 نوفمبر 2015 - 11:15 م

«إننا نؤثر الجوع ولا نبيع شرفنا الوطنى» قالتها «أنديرا غاندى» فى مؤتمر انتخابى عام 1967 بعد أن اضطرت إلى قبول قيود التجارة مع كوبا وشمال فيتنام بضغوط أمريكية، مقابل حصول الهند على الغلال من الولايات المتحدة، ذلك أنه لم تكن ثمة تجارة بين الهند وشمال فيتنام قبل فرض تلك القيود، وكان حجم التجارة مع كوبا ضعيفا للغاية.

هذه العبارة قيلت فى سياق تعزيز الاستقلال الوطنى وإعلاء قيم الإرادة الوطنية واستقلال اتخاذ القرار السياسى. فى سياق مختلف تماما وبعد ذلك بعدة عقود كان الرئيس السيسى فى زيارة لمطار شرم الشيخ عقب حادث إرهابى مؤسف راح ضحيته 224 سائحا روسيا، وحينها قال لمذيعة إحدى القنوات: «إحنا نجوع ونبنى بلدنا».. وبعيدا عن تحليل مضمون العبارة والوقوف على تناقضاتها كما فعل روّاد مواقع التواصل الاجتماعى، ساخرين من صورة ذلك المواطن البائس الجائع الذى لا يقوى على بناء جسمه ناهيك عن بناء وطنه، فمن الواضح أن مقصود الرئيس لم يكن المعنى الحرفى للعبارة، وإنما محاولة (نختلف أو نتفق فى توفيقها) لبث روح الحماس فى الجماهير، تماما كما هى حال «أنديرا» التى لم تكن لتترك شعبها فريسة للجوع تحت أى ظروف. لكن ما استوقفنى فى عبارة الرئيس هو استدعاء ألم الجوع للتعبير عن معاناة الشعب لدى قيامه ببناء وطنه والنهوض من كبوته، بينما كنت أتوقع من الرئيس استدعاء ألم الصبر على مشاق العمل والكفاح، وانتظار الثمار والعوائد المرتبطة بجهود البناء والتنمية.
الفرق بين حالتى الألم والمعاناة ليس من قبيل الفلسفة الفارغة، كما أكاد أسمع من البعض، لكن الجوع فعل سلبى لا يقتضى من الإنسان زرعا ولا عملا، أما الصبر على مشقة العمل فهو قرين فعل إيجابى، يحدوه الأمل وينتظر المكافأة بعد حين. كذلك تنطوى عبارة الرئيس على معنى التقشّف والعزوف عن الاستهلاك كسبيل للخروج من الأزمة الاقتصادية التى لا تخفى على أحد، وهنا يتضح أن تشخيص الوضع الاقتصادى المصرى قد تم عرضه على الرئيس باعتباره أزمة سرف واستهلاك غير ضرورى، بينما يخبرنا تقرير صادر عن وزارة الزراعة الأمريكية عام 2014 أن نسبة إنفاق الأسرة المصرية على الغذاء قد بلغ 36.2% من دخلها فى حين يخصص للإنفاق على الغذاء 6.5% فقط من دخل الأسرة الأمريكية و8.7% من دخل الأسرة فى المملكة المتحدة.. هذا معناه أن الشعب المصرى ومثله كثير من شعوب الدول النامية مازال نمط إنفاقه يعكس حالة الفقر المتفشية فيه، ويتجه إلى إشباع احتياجاته الأساسية بالكاد قبل توجيه أية نسبة من دخله نحو الكماليات أو الاستهلاك الترفى، وبالتالى فأى مطالبة للمصريين بضغط إنفاقهم سوف تنصب فى جانب كبير منها على ضغط الإنفاق على الطعام، فإذا كان نحو 40% من الشعب المصرى يقبعون تحت خط الفقر المدقع الجديد (ينفقون أقل من 1.9 دولارا أمريكيا فى اليوم) كما أشرت فى مقال سابق، فهذا الضغط فى الإنفاق قد يترتب عليه مزيد من الفقر وانتشار الجوع فعلا لا مجازا!.
***
لا تنس عزيزى القارئ أن نمو الناتج المحلى الإجمالى فى مصر مازال محفزا بالاستهلاك النهائى فى الأساس (ساهم بنحو 94% من معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالى 2014/2015) وليس بالاستثمار كما نرجو (لم يساهم الاستثمار بأكثر من 36% من النمو خلال ذات الفترة). تراجع الإنفاق الاستهلاكى إذن يحيد بنا عن أهداف تحقيق معدلات النمو مرتفعة نسبيا تصل إلى 4.5%. التحوّل إلى محفّز آخر للنمو (خلاف الاستهلاك) لن يتم بين عشية وضحاها، كما أنه لا يتضح من السياسات العامة للدولة أننا نتّجه نحو تحفيز النمو بالاستثمار، خاصة ونحن نقرأ بالأمس القريب ــ مثلا ــ عن مشروع افتتاح 65 فرعا لسلسلة شهيرة من الأسواق الاستهلاكية، فضلا عن توحّش تلك السلاسل ومثيلاتها فى جميع أنحاء البلاد مقدما!.
وإذا كانت الدولة تعتمد فى تدبير بعض مواردها واحتياجاتها من النقد الأجنبى على بيع وتخصيص الأراضى للاستثمار العقارى فى إشارة واضحة إلى أن هذا الوعاء الميت هو أفضل وسائل الاستثمار فى مصر!. أين الاهتمام بالإنتاج الصناعى أو الزراعى أو الخدمى إذن؟! هناك آلاف المصانع أغلقت أبوابها وسرّحت عامليها، ومئات أخرى مهددة بالإغلاق كل يوم لأسباب تتعلق بتعثرها ماليا أو بندرة موارد الطاقة أو بصعوبات التسويق.. حتى هذه اللحظة لم نقف على عدد رسمى لتلك المصانع، لكن العدد يتراوح بين 6 و10 آلاف مصنع وفقا لبيانات تتردد هنا وهناك على ألسنة أعضاء اتحادات الغرف والصناعات! والفرق بين الرقمين كما تلاحظون ضخم، أى أن هامش الخطأ كبير فى بيان حيوى تترتب عليه نتائج خطيرة.
***
طبيعة الاستهلاك المصرى فى حاجة إلى ترشيد هذا أمر لا خلاف عليه، لكن الأزمة دائما ما تكمن فى أن القرار الحكومى يعيش أسيرا لما هو متاح من موارد، تماما كما فعل محافظ البنك المركزى السيد هشام رامز فى تعامله مع أزمة الدولار. أما تنمية الموارد عبر مختلف البدائل، والذى هو واجب أصيل على الحكومة الاضطلاع به، فلا يعار اهتماما كافيا. الدولة ليست كالفرد الذى هو مطالب بحكم العقيدة والأخلاق بالزهد والترشيد تحقيقا للنظرية العلوية فى الاقتصاد، والتى تناولتها فى مقال سابق ومدارها أن «القناعة كنز لا يفنى». الدولة تتقشف بالفعل فى استهلاكها البذخى وإنفاق مسئوليها، لكنها مكلفة فى الوقت ذاته بتلبية حاجات مواطنيها المختلفة، وتحقيق أقصى قدر من الرفاهة، واستثمار مواردها بكفاءة تراعى احتياجات الأجيال المتعاقبة، وما التنمية المستدامة إلا صورة من صور هذا التوازن المطلوب.
لا داعى أن نجوع إذن لكى نبنى الوطن، الحوافز الإيجابية أكثر قدرة على الإنطلاق بنا نحو مستقبل أفضل، الطاقة السلبية للخوف والقلق والجوع ورجاء الأمن تجعلنا أكثر ميلا إلى السكون والركون إلى الوضع الراهن. تجعل غاية أملنا الحفاظ على مكتسبات ميراث مبارك الردىء، بينما نريد أن نتخذ لمصر موقعا بين مجموعة دول العشرين التى تتصدر اقتصادات العالم بنسبة 85% من حجم الاقتصاد العالمى و75% من حجم التجارة. لن يتحقق ذلك إلا بمزيد من إطلاق الحريات وتشجيع الإبداع وتنمية القدرات البشرية والموارد الاقتصادية، لكنّ الفرق بين نصوص الاقتصاد الجامدة وبين السياسات العامة، أن الأخيرة تعكس رؤية وتتضمن برامج واضحة الأهداف، وهو ما نحتاج إليه بشدة فى الأيام بل والساعات القادمة.


مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات