رحيل قاسم عبده قاسم الأستاذ الكبير - سيد محمود - بوابة الشروق
الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 5:49 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

رحيل قاسم عبده قاسم الأستاذ الكبير

نشر فى : الثلاثاء 28 سبتمبر 2021 - 8:50 م | آخر تحديث : الثلاثاء 28 سبتمبر 2021 - 8:50 م
فى العام 1991 كنت أدرس بقسم التاريخ جامعة القاهرة مادة تاريخ الحروب الصليبية وكان أستاذ المادة أحد كبار أساتذة التخصص، لكنه كان يبالغ فى الإلحاح على حصر أسباب الحروب فى الجانب الدينى، أما كتابه فقد كان ضخما فخما ومحاضراته تحفل بشتى أنواع الخطابة الجوفاء وتلامذته ظلوا يقدسونه لدرجة الصمت فى حضرته وتكرار كلامه ونسخه بعلامات الترقيم، ولم يجرؤ أى منهم على مراجعته فيما يقول.
كنت ألمس دوما توتره خلال المحاضرة وطابعه الحاد الذى لا يشجع طالبا على طرح أى سؤال ولما اقترب موعد الامتحان شعرت بأنى مقبل على كارثة الفشل فى اجتيازه وعلى وشك الرسوب، لكن معجزة العثور على كتاب «ماهية الحروب الصليبية» وقت صدوره عن سلسلة «عالم المعرفة» العظيمة أنقذتنى من الفشل وأزاحت من أمامى جبلا ثقيلا، فما أن بدأت فى القراءة حتى وجدت نفسى أمام منهج جديد فى دراسة العصور الوسطى يختلف تماما عما درسته، منهج ينجو بتلك السنوات المهمة من فضاء «التدين» ويأخذها إلى فضاء التحولات.
كان الكتاب واضحا وممتعا للدرجة التى جعلته كتابا شعبيا بين طلاب دفعتى وساعدهم على النجاة والعبور إلى السنة النهائية بينما واصلت بعدها رحلتى فى تتبع كتابات الدكتور قاسم وقرأت ما توافر لى منها سواء كانت مؤلفة أو مترجمة وظل اسمه على أى كتاب علامة جودة ومدخلا مضمونا من مداخل الإمتاع ثم منحتنى المهنة الكريمة فرصة التعرف عليه مباشرة ونيل ثقته بحيث ظل يرسل لى مؤلفاته وترجماته بانتظام وبقيت حريصا على النقاش معه فى كل ما يكتب خاصة فى محاولاته لدراسة العلاقة بين التراث الشعبى والأدب والتاريخ وهى أعمال رائدة بدأها بكتاب صغير أصدرته دار فكر قبل أن يؤسس دار «عين» التى حققت حلمه فى تأسيس دار نشر تعنى فقط بنشر الدراسات التاريخية والدراسات المتعلقة بتاريخ الأدب ودراسة الفلكور والمأثورات الشعبية.
انتمى الراحل فى شبابه لحركة 68 الطلابية ونمى ذلك بداخله ميل واضح لاستقراء الظواهر التاريخية انطلاقا من البحث فى جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على قاعدة فهمه للديالكتيك التاريخى وقوانين المادية التاريخية شأن كل مؤرخى جيله الذين شهدوا صعود مدرسة التاريخ الاجتماعى لكنه كان يعبر عن أفكاره ببساطة مذهلة ويكتب بغير حاجة إلى لغة نظرية جافة تقوم على التأويل المتعسف، فقد كان كما كان يقول الراحل العظيم صلاح عيسى «رجل غير قامط على النظرية»، أى غير متعصب لها أو متشدد لفكرته الايديولوجية.
رحل قاسم عبده قاسم قبل يومين وترك خلفه تراثا علميا ضخما ومدرسة فريدة من مدارس دراسة تاريخ مصر فى العصور الوسطى، وأحصى الدكتور عماد أبو غازى للراحل أكثر من خمسة وعشرين كتابا مؤلفا منذ عام 1976؛ بخلاف ترجماته وأبحاثه فى المجلات والمؤتمرات العلمية ويعطى هذا الرقم المهول إشارة واضحة على مقدار الجهد الذى كان يبذله لصالح البحث العلمى
عاش الفقيد حياته بعقل مستنير وانتماء واضح للثقافة الوطنية ساعيا لتخليص الثقافة المصرية من معانى التبعية، وفتح بيته وقلبه دائما للتلاميذ والاصدقاء الذين لم ينقطعوا عنه أبدا حتى فى السنوات الأخيرة التى اعتكف فيها فى بيته بعد أن عاش محنة فقد الابن العزيز «شريف».
أوجد الراحل مجالا خصبا للدراسات البينية ودراسات النقد الثقافى وترك دراسات بالغة الأهمية فى الربط بين التاريح والأدب والفلكلور، وفى دراسة التاريخ الاجتماعى، غير أن اهم ما ترك فى اعتقادى يتعلق بترجماته المهمة التى بدأها فى وقت مبكر واستمر فى انجازها حتى سنواته الأخيرة كما يتجلى ذلك فيما أنجزه لصالح المركز القومى للترجمة الذى قام بتكريمه قبل عامين على عهد الدكتور أنور مغيث اعترافا بقيمة ما ترجم.
أدرك الراحل بحسه النقدى الفريد أن مأزق الدراسات التاريخية يعود لافتقار الباحثين الشباب للمعرفة الجديدة المرتبطة بمناهج البحث التاريخى نظرا لتراجع أعداد المبعوثين مقارنة بما كان عليه الوضع فى الخمسينيات والستينيات، فقرر أن يعوض ذلك النقص الفادح فى تكوين مؤرخينا الشباب بالتفرغ لمهمة التعرف على أحدث الدراسات المتعلقة بمناهج البحث أو تلك التى تظهر الرؤى المعاصرة وتفتح آفاقا جديدا أمام الدارسين.
وأحسب أن غيابه يمثل خسارة فادحة للدراسات التاريخية وللفكر المصرى المعاصر الذى خسر فى ظل هذا الغياب مؤرخا فذا كان معنيا بإنتاج العلم وليس احتكاره.