الدَّولة وباعة الرصيف فى الجزائر - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأحد 28 نوفمبر 2021 5:15 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

الدَّولة وباعة الرصيف فى الجزائر

نشر فى : الأربعاء 28 يونيو 2017 - 8:25 م | آخر تحديث : الأربعاء 28 يونيو 2017 - 8:25 م
نشر موقع أفق التابع لمؤسسة الفكر العربى مقالا للباحث والكاتب الجزائرى «مبروك بوطقطوقة» يتحدث فيه عن استغلال الباعة للرصيف والتفاعل الدائم فى ــ شكل كر وفر ــ بينهم وبين الدولة التى تحاول القضاء على تلك الظاهرة ولكنها ترخى أحيانا وتشدد عليهم فى أحيان أخرى وفقا لمجريات الأوضاع فى البلاد. 
يبدأ الكاتب المقال بالحديث عن الدولة الحديثة فى الغرب التى تشكلت بعد انهيار النظام الإقطاعى القائم على ملكية الأراضى، وظهور النظام الرأسمالى القائم على الصناعة والتجارة، وقد أدى هذا التغيير إلى إعادة تشكيل الطبقات الاجتماعية، فظهرت طبقة البورجوازيين كطبقة مضادة للطبقة الإقطاعية الموالية للسلطة السياسية المتمثلة فى الأرستقراطية الملكية، وتمكنت بعد صراع كبير من تغيير قواعد اللعبة السياسية بما فرضته من إصلاحات دستورية وسياسية. وقد أدت الحوارات الحرة التى كانت تجرى فى الفضاءات البورجوازية حول مختلف القضايا التى تهم المواطنين إلى إعطاء دفعة قوية لظهور فضاء بورجوازى جديد يتكون من تجمعات طوعية لمواطنين مستقلين يجمع بينهم هدف مشترك هو استغلال منطقهم فى نقاش حول الشأن العام، باستقلالية تامة عن الدوائر السياسية.
هذا الأمر تنبه له المفكر الألمانى يورغان هابرماس وأسماه «الفضاء العام»، وهو مفهوم يشير إلى تلك المساحة المشتركة التى يشارك فيها الناس كأنداد فى نقاش عقلانى طلبا للحقيقة والصالح العام، وانتشر المفهوم فى العلوم الاجتماعية، وتم استخدامه لمقاربة الفضاءات العمومية المشتركة فى المناطق الحضرية والمدينية باعتبارها المكان الذى تنسج فيه شبكات العلاقات الاجتماعية، وتظهر فيه علاقات الهيمنة، ويتفاعل فيه مختلف الفاعلين الاجتماعيين. كما تم تجسيد مفهوم الفضاء العام فى شكل مادى ملموس ممثلا فى الساحات العمومية والحدائق والأرصفة وغيرها من الأماكن المفتوحة التى يستخدمها المواطنون بطريقة مشتركة وغير مقيدة.
***
يقول الكاتب إن الدولة الجزائرية الحديثة لم تظهر كنتيجة لتطور اجتماعى واقتصادى وسياسى، بل كتكتل مضاد للاستعمار، وقامت التوجهات السياسية بعد الاستقلال بمصادرة الحق فى الاختلاف، وتبنت توجها شموليا أوكلت فيه ملكية وسائل الإنتاج للدولة، وهو ما منع ظهور بورجوازية وطنية مستقلة عن السلطة الحاكمة، بل إن احتكار المنافع المترتبة عن الحكم أدى إلى استخدام النفوذ السياسى والإدارى لتكوين ثروات طائلة لصالح السياسيين والإداريين الذين يسيطرون على المواقع القيادية فى البلاد، وبالتالى ظهرت طبقة بورجوازية محتكرة بالكامل من قبل السلطة ورجالها، تدور فى فلكها وتدافع عن أطروحاتها وتستفيد منها فى تعزيز مواقعها وتضخيم أموالها، وقامت بإعادة إنتاج الفضاء العام بما يخدم مصالحها هى لا بما يخدم مصالح الشعب.
فى نهاية الثمانينيات، أدت الأزمة الاقتصادية التى عصفت بالبلاد إلى إعادة هيكلة الاقتصاد، ما أدى إلى إغلاق عشرات المصانع وتسريح آلاف العمال، وتخفيض قيمة الدينار، وتضخم الأسعار، وارتفاع معدلات البطالة، وتآكل الطبقة الوسطى وانضمام شرائح واسعة من الجزائريين إلى دائرة الفقر. وقد ظهر نمط جديد لاستخدام الفضاء العام، وانتشر فى كل المدن الجزائرية انتشار النار فى الهشيم، وهو استخدام الأرصفة والساحات العامة لأغراض تجارية وبطريقة فوضوية، فيما أسهم تحرير التجارة الخارحية فى تدفق السلع الرخيصة، بخاصة الصينية منها، والتى وجدت فى الرصيف المكان الأفضل لتتسلل إلى بيوت الجزائريين.
بالنسبة إلى هؤلاء الباعة الجائلين الذين انتشروا هنا وهناك عارضين سلعا متنوعة ومتعددة، لا يعتبر الرصيف مجرد مكان مرتفع على حافتيْ الطريق يستخدم لتنقل المشاة، بل يقيمون معه علاقات أقوى باعتباره المكان المدر للأرباح التى تسمح لهم بكسب لقمة العيش وإعالة أسرهم ومواجهة تكاليف الحياة ومتطلباتها الكثيرة.
يتحرك باعة الرصيف بشكل مباشر لسد حاجاتهم بشكل فردى ومتفرق، مدفوعين بقوة الحاجة، وذلك من دون الكثير من الضوضاء؛ فهم يتجنبون عن عمد التحركات الجماعية والتكتلات الجماهيرية وإذاعة ما يقومون به ونشره، ويبررون أفعالهم غير القانونية باعتبارها طرقا أخلاقية أو حتى طبيعية للحفاظ على الحياة. ويشير الكاتب أن الباعة إنما يلجأون إلى هذه الاستراتيجية لأنهم ببساطة لا ينضوون، شأن عمال المصانع أو طلبة الجامعات، تحت كيان مهيكل ومنظم يمكن من خلاله أن يعبروا عن مطالبهم، وبالتالى فهم لا يمتلكون قوة تنظيمية يمكن أن تحدث تأثيرا أو تشكل ضغطا على السلطات لتستجيب لمطالبهم.
من هنا يدخل باعة الرصيف فى علاقة معقدة مع الدولة وممثليها من السلطات المحلية والشرطة، وهى علاقة تعتمد على الكر والفر؛ إذ يعتبر الخطاب الرسمى للدولة تجارة باعة الرصيف تهديدا للاقتصاد الوطنى، وضربا لمداخيل الخزينة العمومية، وطريقة للتهرب الضريبى. إلا أن الدولة حين تكون «رخوة»، وفى أوقات الأزمات ووضعيات الغليان الاجتماعى والترهل المؤسساتى، تتسامح مع هؤلاء الباعة شرط أن يكون تواجدهم على الرصيف محدودا، وقد تنظر إلى الموضوع من زاوية تحررها من واجبها تجاه هؤلاء الفقراء وتجد فى نشاطهم كباعة طريقة للتخلص من ضغوطهم، وفرصة لتجنب أعبائهم المالية والاجتماعية.
من جهة أخرى، تشكل الحداثة، كطريقة حياة، أمرا مكلفا لهؤلاء الباعة؛ فهم يريدون الاستفادة من منافعها لكنهم لا يستطيعون تحمل تكلفة تلك المنافع، يريدون ممارسة الأعمال التجارية والحصول على الأرباح وتأمين دخل معقول، لكن لا قدرة لديهم على دفع الإيجارات المرتفعة للمحلات، ولا على دفع تكاليف السجلات التجارية، ولا على دفع الضرائب وأقساط التأمين الإجبارى، ولا تكاليف الحسابات البنكية وغيرها من المصاريف الضرورية لممارسة الأنشطة الاقتصادية، لذا يسعون إلى العيش خارج نطاق الدولة والمؤسسات الحديثة، ويقومون بتأسيس علاقاتهم على التبادلية والثقة والتفاوض وليس على أساس التعاقدات الرسمية، ويتوجهون إلى الأعمال المرتبطة بالفرد نفسه وليس إلى العمل تحت النظام المعمول به فى سوق العمل الحديث، ويقترضون الأموال من بعضهم البعض وليس من البنوك، ويلجأون إلى أسلوب حل النزاعات غير الرسمى من دون الاستعانة بالشرطة أو التقاضى أمام المحاكم.
لهذا السبب يرفض هؤلاء الباعة كل الاقتراحات التى تقدمها لهم الدولة بتوفير محلات رسمية فى محاولة لتسوية أوضاعهم، لأنهم يعون جيدا أن تحركهم خارج نطاق التعاقدات الرسمية أكثر فائدة من الناحية الاقتصادية، ولأنهم يرغبون فى الحفاظ على حريتهم بعيدا عن مؤسسات الدولة وما تمارسه عليهم من تعاقدات مكلفة ماديا، كما أنهم لا يرغبون فى التخلى عن «مركز المدينة» الذى يشكل لهم رمزا للفرص التجارية بما يوفره من كثافة اقتصادية وبشرية.
***
يضيف الكاتب أن الدولة الحديثة تقوم بالمراقبة والمعاقبة، أى القدرة على تعقب الأفراد ومراقبتهم طوال حياتهم، واستخدام حقها الشرعى فى ممارسة العنف والعقاب، وكذلك من خلال إعادة إنتاج المعرفة بما يخدم سيطرتها على المجتمع، حيث تبذل الدولة قصارى جهدها لوضع باعة الرصيف تحت المراقبة، وتسخر كل الأساليب الممكنة لتحقيق ذلك. لكن، حين تشعر أن كيان هؤلاء الباعة تضخم لدرجة تصبح معها مراقبتهم والتحكم بهم أمرا مستحيلا فإنها تتحرك. لكن تحركها محكوم بحسابات كثيرة، لذا فهو يكون أحيانا بسيطا ومحدودا، وفى أحيان أخرى يكون صارما لا يبقى ولا يذر. إلا أن التجربة بينت أن ظهور الباعة من جديد أمر مؤكد إلى أن تتم معالجة الأسباب العميقة للظاهرة عبر التوزيع العادل للثروة وتوفير حياة كريمة لجميع المواطنين.
يختتم الكاتب بأن ظاهرة استيلاء الباعة الجائلين على الرصيف هى نوع من البارومتر لقوة الدولة، فكلما قويت الدولة وأحكمت سيطرتها على الفضاء العام تراجعت عمليات الاستيلاء على الرصيف، وكلما ضعفت الدولة ازدادت عمليات الاستيلاء على الرصيف؛ بحيث تعتبر هذه الظاهرة مقياسا دقيقا لنجاح أو فشل سياسات الدولة فى التوزيع العادل للدخل والثروة، ومؤشرا قويا على سلامة اقتصاد البلاد أو على علله.
النص الأصلى:

 

التعليقات