شقة عبدالحليم حافظ فى الزمالك.. خزنة الزمن السجين - مواقع عربية - بوابة الشروق
الإثنين 4 يوليه 2022 11:30 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

شقة عبدالحليم حافظ فى الزمالك.. خزنة الزمن السجين

نشر فى : السبت 28 مايو 2022 - 8:50 م | آخر تحديث : السبت 28 مايو 2022 - 8:50 م
نشر موقع درج مقالا بتاريخ 26 مايو للكاتب اللبنانى رامى الأمين، حكى فيه عن مغامرته مع أصدقائه فى القاهرة لدخول شقة عبدالحليم بالزمالك، واصفا كل ما رآه وما شعر به هناك.. نعرض منه ما يلى.
باب الشقة مصفح، وكأنه باب خزنة مصرف مركزى. لكننا كنا قد خططنا قبل يومين للاقتحام. راقبنا العمارة التى تحمل اسم «زهراء الجزيرة» جيدا، والتقطنا الصور هناك. وزاد التحدى عندما وجدنا قوة أمنية تحرس المكان. عسكريان بالأحرى، أحدهما يقف خلف درع حديدى، والثانى يستلقى على الأرض كأنه يرتاح من ثقل حراسة الزمن. هل كانا مفروزين لحراسة شقة عبدحليم؟ الناطور الذى استدرجناه فى الكلام، قبل يومين من موعد الاقتحام، قال إن العسكر موجودون لحراسة سفارة موجودة فى المبنى. أى سفارة هذه فى مبنى سكنى كان يعيش فيه عبدالحليم حافظ؟ لكن الرجل الصعيدى، بثيابه التقليدية (جلابية وقبعة) تواطأ معنا على تأمين «الاقتحام».
جندناه بعدما أخبرناه أننا تكبدنا الرحلة من بيروت إلى القاهرة لتنفيذ هذه العملية التى تعنى لنا الكثير. قال إنه سيحاول جهده أن يساعدنا على الدخول إلى الشقة التى لا تفتح للعموم إلا فى يومين خلال العام: عيد ميلاد العندليب الأسمر، وذكرى وفاته. وفى السنتين الأخيرتين أقفلت جائحة كورونا الشقة حتى فى هذين اليومين. وسيكون صعبا أن يؤمن لنا ناطور العمار استثناء يخولنا الدخول إلى الشقة. لكنه أعطانا رقمه، وقال: اتصلوا بى غدا، وسأحاول أن ارتب لكم دخولا إلى الشقة بعد استئذان صاحبتها، ابنة أخت العندليب، التى تسكن فى الشقة المقابلة، وتركت جناح عبدحليم على حاله، كما تركه بعد وفاته.
انسحبنا من المكان محملين بالخيبة المرة كشاى أسود ثقيل، أضاف إليه الناطور الصعيدى ملعقة صغيرة من سكر الأمل. لكن الطعم كان يستحق أن نحتسى كوب الشاى على مهل. وقررنا التمسك بالملعقة التى تحرك الأمل، حتى لا يترسب فى القعر، وحتى يذوب كليا فى الخيبة فيخفف من أثرها علينا. كان الانتظار ثقيلا، لكن القاهرة بسحرها كانت قادرة على تسلية العصابة التى أتت من بيروت لتقتحم شقة حليم. ذهبنا إلى حفل فى «معهد الموسيقى العربية» تلك الليلة لأغانٍ من ألحان محمد عبدالوهاب، موسيقارى المفضل، و«مولانا» كما يحلو لى أن أسميه. فى قاعة افتتحها الملك فؤاد عام 1923 جلسنا على مقاعد خشبية مطعمة بالقماش الفاخر. لا يزال المكان يحافظ على الكثير من حالته الأولى. لولا بعض أجهزة الصوت والإضاءة الحديثة، والهواتف الذكية فى أيدى الجمهور، لالتبس علينا الأمر ولظننا أننا دخلنا فى آلة للانتقال عبر الزمن. 99 عاما إلى الوراء، وكأن عبدالوهاب نفسه يغنى فى افتتاح المعهد بحضور الملك فؤاد. وحينما غنى الشاب الصغير «إمتى الزمان يسمح يا جميل» بصوته الوهابى، أغمضت عينى على دموع مكتومة، وشعرت أننى فى حضرة «مولانا»، ثم صفقت له كما لو أننى معجب مراهق يعيش فى منتصف الثلاثينيات.
• • •
كان الخروج من آلة الزمن، والعودة إلى شوارع القاهرة، صعبا بالفعل. الحادية عشرة ما قبل منتصف الليل. نجد مكالمة فائتة من رقم مصرى. السكر فى الشاى. أحمل الهاتف وطعم المرارة الممزوجة بالسكر فى فمى. فى الجانب الآخر صوت الناطور الصعيدى. قال إنه برفقة شخص يمتلك مفتاح الشقة ويستطيع إدخالنا، وإنه يريد أن يتحدث معى عبر الهاتف. أعطاه الجهاز وقال إنه ينتظرنا غدا الأحد أمام بوابة العمارة، وقال إنه يريد أن ندفع له مائة وخمسين جنيها عن كل شخص. لم أجادله فى السعر، ولا فكرت فى أنها أشبه برشوة، فنحن عصابة وما نريده لا يجب أن يخضع لأى تأنيب ضمير. سوف ندخل الشقة مهما كلفنا الأمر.
فى اليوم التالى، وبمبلغ قارب الألف جنيه (ستين دولارا تقريبا)، دخلنا آلة الزمن من جديد، لكن إلى منتصف السبعينيات هذه المرة. ركبنا المصعد القديم إلى الطبقة السابعة من المبنى، وهناك عند الباب المصفح، بدا الأمر أشبه بمعبد. آلاف المعجبين والمعجبات كتبوا ورسموا ووقعوا أسماءهم على كل سنتم فى المساحات الإسمنتية المطلية المحيطة بالباب. إلى جوانبه كلها، فى الأعلى، وعند باب «الأسانسير»، كلها رسائل تترحم على حليم وتتمنى له الطمأنينة والسلام، وأخرى تعبر عن الحب بين أسماء مختلفة استنادا إلى أغنيات مشهورة للعندليب. أحدهم رسم وجه حليم على الحائط بالحبر.
وقفت أتأمله ريثما يُفتح باب الخزنة بعدما قرع الرجل الذى اصطحبنا الباب. انتظرنا فى الخارج، ولوهلة شعرت بأن من سيفتح هو حليم نفسه، لابسا روب النوم، وسيستقبلنا بابتسامة متعبة بعدما أنهكه المرض، وسيدعونا، رغم تعبه، إلى الدخول لنشرب معه الشاى على الشرفة المطلة على حديقة الأسماك. لكن سيدة تبدو كأنها خرجت من فيلم سينمائى من الستينيات هى التى فتحت الباب. مدبرة المنزل الشابة، التى يبدو أن الزمن توقف عندها، تماما كما توقف عند الأثاث واللوحات على الحائط والتليفون القديم والراديو الخشبى العتيق ذى الصوت الضئيل الذى تخرج منه آيات قرآنية. كان كل شىء يوحى بأنه إما مشهد سينمائى مدبر بعناية، أو أن الزمن سجن فى هذه الشقة وأقفل عليه بإحكام بباب حديدى مصفح حتى لا يتسرب إلى الخارج.
صديقنا محمد قال إنه شعر للوهلة الأولى حينما زاغت عيونه فى أرجاء شقة عبدالحليم بأنه يريد الهرب. شعر بأنه محاصر وأن الزمن يمكن أن يسحبه إلى المجهول. تمالك نفسه، ومسحورا أكمل الجولة.
صديقنا الآخر جاد، الذى تغلب مرتين على مرض السرطان، تسربت إلى أنفه رائحة المرض، خصوصا من غرفة نوم حليم، هناك حيث ترك رأسه الذى كان يلقيه أثناء مرضه على ظهر السرير بقعة أبدية. حتى فى الحمام الذى ترك على حاله، تراءى حليم لجاد وهو يعانى بمساعدة أحدهم على الاستحمام بين جولات المرض المرهقة.
حنين لم تفكر فى كل ذلك، فقط تخيلت نفسها سعاد حسنى وكأنها فى «البنات والصيف» الفيلم الوحيد الذى جمع العندليب بسندريلا الشاشة العربية، وتملكتها رغبة فى الرقص. يارا، صديقتنا الممثلة، كانت تبحث عن الكواليس. لا بد أن لسينوغرافيا منظمة كهذه كواليس ما، فى الخلف، أو تحت الأرضية. كانت تبحث عن المخرج، وكان اسمه الزمن.
• • •
غادرنا خزنة الزمن المحكمة بالطريقة نفسها. مدبرة المنزل ودعتنا عند الباب المصفح. ثم أقفلت بعدما ركبنا المصعد نزولا. هبطنا سبع طبقات، لنعود خمسة عقود إلى الأمام. مايو 2022، خرجنا من العمارة، كمخمورين أمضوا ليلة يتبادلون الأنخاب. أما أنا، فمنذ دخولنا الشقة، كانت تدور فى رأسى مقدمة «نبتدى منين الحكاية»، بإيقاعها الجنائزى الذى وضعه عبدالوهاب، وكأنه كان يعلم أنها الأغنية الأخيرة التى سيغنيها من ألحانه قبل أن يستسلم لنومه الأبدى. كان اللحن يرافقنى وأنا أخرج من العمارة، حتى قاطعه العم صالح، الناطور، وسألنا إذا كنا نريد أن نرى سيارة حليم المتروكة فى «جراج» العمارة.
سيارة شيفروليه رمادية «كوبيه» قديمة، يغطيها الغبار، وقد عرف عن حليم امتلاكه الكثير من السيارات، أقربها إلى قلبه كانت مرسيدس 280 مكشوفة حمراء، وفيات 130 فضية موديل 1969 رياضية، وتويوتا سيليكا موديل 1977 امتلكها قبل وفاته بشهور. إطارات الشيفروليه مثقوبة، لكن بابها مفتوح. تدارونا على الركوب فى مكان السائق والتقاط الصور. خيل إلى عندما جلس محمد خلف المقود، أنه يضغط بأقسى قوته على دواسة البنزين. ربما كان يحاول أيضا أن يهرب بأقصى سرعة من قسوة الزمن. لكن عبثا. السيارة لم تتحرك. كان علينا نحن أن نترجل ونتركها هناك للغبار. ونحن نغادر، استدرت إلى الخلف لألقى نظرة أخيرة على الشقة فى الطبقة السابعة من «زهراء الجزيرة».
كان حليم هناك، على الشرفة، يلوح لنا بيده مودعا…

النص الأصلى

التعليقات