«رمضان.. إن كل صباح منه عيد، وكل ليلة منه قدر» - هنا أبوالغار - بوابة الشروق
الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 11:45 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


«رمضان.. إن كل صباح منه عيد، وكل ليلة منه قدر»

نشر فى : الثلاثاء 28 أبريل 2020 - 10:00 م | آخر تحديث : الثلاثاء 28 أبريل 2020 - 10:00 م

قالها جلال الدين الرومى أو «مولانا» كما يطيب لمريديه أن يسمونه، والذى ولد فى أفغانستان عام ١٢٠٧م لأب من أهم علماء الفقه آنذاك... انتقل مع أبيه إلى بغداد حيث تتلمذ فى المدرسة المستنصرية، ثم طاف مع والده بلاد المسلمين حتى استقر فى «قونيا» بتركيا حيث دعاه علاء الدين باشا.. تتلمذ جلال الدين على يدى والده وهو العالم والفقيه فى الشريعة ثم على يدى أحد شيوخ المتصوفة حتى تخصص فى التدريس والخطابة فى علم الفقه وأصبح له مكانة عالية كعالم ومعلم. إلى أن سعى إلى «قونيا» شمس الدين التبريزى الدرويش الذى ظل يبحث عن توأم روحه ستة عشر عاما، فكان له تأثير كبير على رومى الذى تحول إلى الصوفية وأعطاها حياته. فإذا كانت أركان الإسلام الثلاثة: «الإسلام» ويمثله علم الفقه، و«الإيمان» ويمثله علم العقيدة فإن «الإحسان» والذى تبنى عليه الصوفية هو علم «تطهير النفس والقلب والسلوك».
استطاع جلال الدين الرومى بمفهومه للإسلام المبنى على روح الدين والحب الإلهى الذى منه وإليه يبدأ وينتهى كل شىء، والذى عبر عنه فى صورة دواوين شعر باللغة الفارسية أصبحت فيما بعد مراجع مهمة للمتصوفة، أن يجذب مريدين من ملل وديانات شتى. فقد دعا الجميع لزيارته قائلا «تعال، لا يهم من أنت، ولا إلى أى طريق تنتهى.. تعال، لا يهم من تكون... عابر سبيل، ناسكا، أو عاشقا للحياة... تعال، فلا مكان لليأس هنا... تعال، حتى لو أخللت بعهدك ألف مرة، فقط تعالى لنتكلم عن الله». هذه طريقة رومى للدعوة...
اهتم بالموسيقى كغذاء للروح واعتبر الدف رمزا للضربات التى يتلقاها الإنسان فى حياته، والناى رمزا لنفخ كل شر بداخلنا لنسمح بالنور ليملأنا. وابتدع فن «السيما» وهى رقصة شديدة الدقة هى فى رأيه رحلة مع الموسيقى داخل الروح، لها قواعد تتبع كل منها «رمزا»، يشترك فيها عشرات المريدين المرتدين لباسا أبيض فضفاضا فوقه عباية سوداء وعلى رأسهم غطاء رأس خاص بمنطقة «قونيا»، ويسمح لهم بالمشاركة فقط بعد شهور من التهذيب النفسى وخدمة الآخرين والعطاء، فتتم فى حلقة أقرب إلى حلقات الذكر فيها خشوع واحترام. الرقص ليس ترفيهيا (ولا يشبه كثير من الرقصات المولاوية التى تم تطويرها لتكون سياحية)، فهو جزء من مدرسة رومى للسعى للارتقاء بالنفس أملا فى الوصول إلى أعلى درجات الأنفس السبع. خطواته كلها ترمز لتحية الأرواح التى تشترك فى الاحتفال، الحركة دائرية أسوة بدوران الأرض والكواكب، ثم رفع الأيدى إلى أعلى ابتهالا ثم تتحرك اليد اليمنى نحو السماء كرمز لاستلهام النور والخير من الحب الإلهى واليد اليسرى نحو الأرض رمز إلى واجب كل نفس أن تعود لتعمر الأرض بكل هذا الحب والخير والنور، وهكذا تستمر الحركات فى رقص بديع على صوت ابتهالات بأصوات جميلة وناى هادئ مطمئن. يتوقفون عن الحركة ويصطفون فى نصف دائرة فى خشوع تام ثم تقرأ آيات من صورة البقرة ثم الفاتحة التى يقرأها الحضور كله.
فى مكان مدفنه بنيت ساحة للسيما، وفى كل مكان حول ضريحه مقامات لدراويش بدون أسماء تم دفنهم بعد الممات، كلهم وهبوا حياتهم للدعوة إلى الدخول فى الإيمان بدون الحديث فى الدين، فشرط الدعوة أن تكون قدوة فى الأخلاق والعطاء والخدمة ورقة اللسان والقول، فتحبب الناس فى هذا الدين الذى ينتمى إليه هؤلاء الذين هم عاشوا وماتوا دون أن نعرف أسماءهم. مستمعين إلى نصيحة رومى: «ارتق بمستوى حديثك لا بمستوى صوتك، فالمطر الذى ينمى الأزهار وليس الرعد».
فى أحد أركان هذا المكان الرائع الذى يزوره الآلاف كل عام لوحة مكتوب عليها «ذكر الله كثيرا حتى يقولوا مجنون».

هنا أبوالغار أستاذ طب الأطفال بجامعة القاهرة
التعليقات