«كفر ناحوم».. سينما متخمة بالافتعال! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 6:23 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«كفر ناحوم».. سينما متخمة بالافتعال!

نشر فى : الخميس 28 مارس 2019 - 11:30 م | آخر تحديث : الخميس 28 مارس 2019 - 11:30 م

من حقّ المخرجة نادين لبكى أن تختار ما تشاء من موضوعاتٍ، وأن تقتحمَ عالمَ المهمشين فى لبنان، من حقها أيضًا أن تحلُمَ بالمنافسة على أهمّ الجوائز السينمائية، ولكن من حقنا بالمقابل أن نقول لها إن فيلمها «كفر ناحوم» لم يزغلل أعيننا بأخباره وجوائزه، ولم يجعلنا نُغفل مشكلاته الفنية الخطيرة.
لا شىء يمكن أن يدافع عن أى فيلم سوى الفيلم نفسه، و«كفر ناحوم» عمل أبعد ما يكون عن النضج والتفرد، إنه فيلم متخم بموضوعاته، يصل بها إلى حافة الافتعال، يتأرجح بين واقعية خشنة غير متقنة، وميلودراما عتيقة بائسة ومزعجة، يريد أن يقول إنه متعاطف مع المهمشين والمهاجرين، ولكنه يرتبك تمامًا فى الإجابة عن سؤال الفن الأهم وهو: «كيف تقول؟».
نادين لبكى مخرجة شديدة الطموح بلا شك، ولكن الطموح وحده لا يكفى، وفيلما نادين السابقان «سكر بنات» و«وهلّأ لوين» فيهما مشكلات فى الكتابة، وحيرة فى البحث عن أسلوب.
فى «كفر ناحوم» محاولة أخرى فى السياق ذاته، لكنها تحاول هنا أن تخرج من الصورة المصقولة، إلى سينما الواقع الخشن، من خلال سيناريو أقل ما يُقال عنه أنه يمزج حكايتين على الأقل دون أدنى توفيق: الحكاية الأولى عن طفل متشرد اسمه زين يشكو أسرته لأنها زوّجت أخته الطفلة، فماتت البنت بسبب ذلك، والقصة الثانية عن رعاية هذا الطفل (زين) لابنة مهاجرة إثيوبية فى لبنان، قبضوا عليها بسبب عدم وجود تصريح للعمل.
وبين الحكايتين كلام كثير وثرثرة عن المخدرات، والعجائز المنسيين، والمهاجرين السوريين، ولا أعرف بالضبط كيف فات نادين لبكى أن تقدم خطوطًا أخرى عن ختان البنات، وانتشار الأمراض الفيروسية بسبب غياب النظافة، وتعرض الأطفال للتنمر من الكبار أو من نظرائهم، وعدم تقليد وزارة الشئون الاجتماعية فى لبنان للتجربة المصرية، بوجود سيارات الإنقاذ السريع، لرعاية المتشردين!
فتحت لبكى الملفات كلها مرة واحدة، فارتبك البناء وتاهت الخطوط، وخصوصًا أنها وضعت الدراما كلها على كتف بطلها زين، الذى يبدو وعيه أكبر بكثير من سنّه، خاصة ونحن نراه وهو يساعد أخته على عدم إظهار علامات بلوغها (أشك فعلًا أنه قرأ معلومات طبية عن مضار الزواج المبكر).
الطفل الذى لعب الدور له وجه معبر بديع، ولكنه يلقى بجمل الحوار وكأنه يتخلص منها، فى مشاهد كثيرة ينطق بلسان أكبر بكثير من لسانه، ثم إنك لتتساءل فى النهاية: ألم يكن من الأجدى لهذا الطفل/المصلح الاجتماعى أن يبقى ليرعى بقية إخوته بدلا من رعاية طفل صديقته الإثيوبية؟!
الحقيقة أنه فشل حتى فى رعاية الطفل الإثيوبى، فتركه لسمسار البشر!
تبدو نادين لبكى كمخرجة حائرة تماما أمام المادة التى صورتها، فكلما أحست جفافا وتقليدية، أسرفت فى مشاهد الطفل الإثيوبى البائس، لقد تعاطفت كثيرا مع الطفل الحقيقى، الذى أخذ يبكى يتوجع، والذى رأيناه مربوطا فى أحد الأعمدة، لكى نحس ونتعاطف.
نعود دوما إلى قاعة المحكمة، ويتحدث والد زين وأمه دفاعا عن نفسيهما، فنترحم على مونولوجات أفلام يوسف وهبى، ثم تنغلق الملفات بالقبض على عصابة استغلال المهاجرين، وتطوّع نادين لبكى شخصيا فى دور المحامية، برفع قضية على أسرة الطفل، وهكذا يدفع الأبناء ثمن ما فعله الآباء، وثمن عدم استخدام وسائل تنظيم الأسرة.
قلت إن إلقاء الطفل الذى لعب دور زين أفسد تعبير وجهه، سنجد هذا الأداء المرتبك عند من لعبت دور الأم الإثيوبية، وعند الطفلة التى لعبت دور الفتاة السورية اللاجئة، وستجد مبالغات فى الأداء عند والد ووالدة زين، ولن تخرج من هذه المعمعة إلا بأداء رصين بديع ممن أدى دور القاضى، ومن ممثل وممثلة طاعنين فى السن، كانا رائعين فى دور شخصيتين هامشيتين، ساعدا الفتاة الإثيوبية على الحصول على كفالة جديدة، لاستمرار بقائها فى لبنان.
لم تستطع نادين إتقان التصوير فى الشوارع، فرأينا أشخاصا ينظرون إلى الكاميرا، بل شعرنا بعدسة الكاميرا نفسها وقد انعكست عليها الأضواء، وكلها أمور لم نعد نجدها الآن فى أفلام الهواة، أى إن التنفيذ كانت فيه مشكلات واضحة، لم تخفها الموسيقى التصويرية الجيدة.
الآن وقد انهمرت علينا أفلام المهاجرين والمشردين، فإننى أخشى فعلا على الواقعية منهجًا وأسلوبًا، إنها تتحول تدريجيا على أيدى الهواة، إلى مانشيتات زاعقة للألم الإنسانى، وإلى صور بائسة للابتزاز العاطفى.
ورحم الله من صنع من حكايات المهمشين؛ فنًّا وشعرًا، ولم يتاجر بهم بسطحية وافتعال.

التعليقات