الرموز والوقائع فى «وثيقة الجولان» - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأربعاء 24 يوليه 2019 10:30 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من الذي سيحسم لقب الدوري المصري؟

الرموز والوقائع فى «وثيقة الجولان»

نشر فى : الخميس 28 مارس 2019 - 1:50 ص | آخر تحديث : الخميس 28 مارس 2019 - 1:50 ص

لم يكن محض مصادفة استدعاء الرموز فى «وثيقة الجولان»، التى وقعها الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» فى البيت الأبيض عشية مرور أربعين عاما على توقيع المعاهدة المصرية ــ الإسرائيلية بيوم واحد فى المكان نفسه (26) مارس (1979).

الرموز لا تعنى أى قيمة يعتد بها بالنسبة لشخصية بمواصفات «ترامب»، لكنها تدخل فى صلب العقيدة الصهيونية أكثر من أى عقيدة سياسية أخرى.

فكرة إنشاء الدولة نفسها بالتوسع والضم على حساب حقوق الآخرين والتنكيل بهم استندت على بناء الرموز فى الذاكرة وتزكيتها جيلا صهيونيا بعد آخر.

هناك ــ ربما ــ من اختار التوقيت بقصد وصول رسالته إلى جمهوره، أن إسرائيل قادرة على إضعاف الموقف العربى بأكثر مما هو عليه باسم ضمان الأمن الإسرائيلى فى مواجهة «الخطر الإيرانى» وصواريخه المنصوبة بالأراضى السورية.

وهناك ــ ربما ــ من تصور أن الصور يمكن أن تستدعى الأجواء التى صاحبت توقيع المعاهدة المصرية الإسرائيلية تحت الأضواء الباهرة والرسائل التى انطوت عليها، وكان أخطرها خروج مصر من الصراع العربى الإسرائيلى بحل منفرد وضع العالم العربى فى حالة انكشاف استراتيجى أفضت تداعياته إلى ما وصل إليه من تدهور جعل الاعتراف الأمريكى بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل أمرا ممكنا.

فى الصور الجديدة شىء من الاستنساخ للصور القديمة، بطريقة أقل ما توصف به أنها فجة وتفتقر إلى أى قدرة على الإقناع بأننا أمام حدث تاريخى.

لا يوجد أحد فى العالم مستعد أن يصدق، ولو بخداع النفس، أن توقيع «ترامب» على «وثيقة الجولان» بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» وبعض كبار معاونيهما يؤسس لأى سلام، أو شبهة سلام.

قبل أربعين سنة بدت الابتسامات المتبادلة والأيادى المتشابكة للرئيس الأمريكى «جيمى كارتر» والرئيس المصرى «أنور السادات» ورئيس الوزراء الإسرائيلى «مناحم بيجين» كأنها إيذان بإغلاق ما كان يطلق عليها أزمة الشرق الأوسط والدخول فى مرحلة سلام بين العرب والإسرائيليين، وهو ما لم يحدث أبدا رغم توقيع معاهدتين مماثلتين «وادى عربة» مع الأردن و«أوسلو» مع منظمة التحرير الفلسطينية وهرولة دول عربية عديدة للتطبيع المجانى مع إسرائيل.

حسب القول الشهير فإن التاريخ لا يكرر نفسه إلا بصورة هزلية.

وقد كان مشهد التوقيع على «وثيقة الجولان» عملا مسرحيا هزليا بأجوائه، لكنه خطير برسائله.

الاستخفاف بالعرب وقضاياهم دون خشية عواقب رسالة أولى، وهذه مسألة مهينة بذاتها.

تكريس الهزيمة والشعور بالدونية والعجز فى العالم العربى رسالة ثانية، وهذه مسألة مستقبل، فلا أمل يرتجى لامة تفقد ثقتها فى نفسها.

تمزيق سوريا والحيلولة بكل الطرق دون أن تستعيد عافيتها ووحدتها وسيادتها على كامل أراضيها رسالة ثالثة، وهذه مسألة مصير، فإذا ما قسمت ضاع الأمن القومى العربى كليا وتهدد المصير نفسه دول عربية أخرى وتضرب مصر فى صميم أمنها ووجودها.

استخدام الفزاعة الإيرانية لتسويغ المضى قدما فى سحق ما تبقى من حقوق عربية رسالة رابعة، فطالما أن إسرائيل لم تعد عدوا وإيران هى العدو المشترك فإنه يمكن غض الطرف عن جرائم الصديق الجديد لمواجهة العدو الافتراضى، وهذه مسألة خلل فى النظر السياسى للحقائق الرئيسية فى الإقليم.

بتلخيص ما فإن إسرائيل تستثمر فى أوضاع العالم العربى، كأنها لا تراه إلا كما مفعولا به، أو نظما استهلكت شرعيتها ولم يبقَ أمامها سوى الرهان على الحماية الأمريكية بتزكية من حكومتها.

قبل منتصف تسعينيات القرن الماضى شاع استخدام تعبير «وديعة رابين» فى الأروقة التفاوضية العربية، وكانت تلتزم الانسحاب الكامل من الأراضى السورية إلى حدود الرابع من يونيو (١٩٦٧) مقابل التطبيع والأمن.

وضع ذلك الالتزام الذى وضعه رئيس وزراء إسرائيل وقتها «إسحاق رابين» فى عهدة الرئيس الأمريكى «بيل كلينتون» ليستخدمه وقت أن يشاء.

حسب روايات دبلوماسية أمريكية متواترة نقل «كلينتون» فحوى «الوديعة» إلى الرئيس السورى الراحل «حافظ الأسد»، لكنها لم تنفذ أبدا.

الأحوال الآن اختلفت بقدر ما لحق العالم العربى من تدهور اتسع مداه من حقبة لأخرى حتى وصلنا إلى بيانات تبرئة الذمة من مسئولية ضياع الجولان إلى الأبد، كأقصى ما يمكن اتخاذه من مواقف، وهذا وضع يطمئن إسرائيل ولا يسبب صداعا لها بأى درجة فالبيانات لا تتجاوز الكلام الدبلوماسى الفاتر، ولا تلوح بأى إجراءات مضادة.

وقد أدان بيان الجامعة العربية «وثيقة الجولان» بما أسماه «أقوى العبارات» دون أن يقول ما هى ولا المواقف التى سوف تتخذ للتصدى له.

كان ذلك انعكاسا فاضحا لعجز النظام الإقليمى العربى كله ومدى هوانه على قضاياه ومبرر وجوده.

بقدر القلق الواسع باتساع العالم من الخطوة الأمريكية الخطيرة من «شرعنة الاحتلال» والاستخفاف بالقانون الدولى على نحو لا سابق له تبدت مخاوف من صراعات وصدامات جديدة فى الإقليم المشتعل بالنيران.

غير أن أحدا، مهما بلغت مستويات قلقه، ليس مستعدا أن يحارب بالنيابة عن قضايا لا يدافع عنها أصحابها.

الفارق بين «وديعة رابين» و«وثيقة الجولان» هو نفسه الفارق بين الأحوال التى كان عليها العالم العربى وما بات عليها الآن.

الأولى، تعهدت بانسحاب الاحتلال الإسرائيلى من الجولان وحاولت أن تحصد ثمنا مقابلا.. فيما الثانية، تعمل على تكريسه ونفى صفة الاحتلال باسم حماية الامن الإسرائيلى من الخطر الإيرانى.

الأسوأ إسباغ صفة العدل على جريمة متكاملة الأركان وفق القوانين والقرارات الدولية.

بحسب «نتنياهو» فإن الرئيس الأمريكى «أقر العدل لإسرائيل وحقها فى الدفاع عن نفسها».

التصريح بنصه انتهاك مفرط للألفاظ والمعانى وأى قيمة قانونية وإنسانية.

لم يكن ذلك ممكنا لولا التنازلات الفادحة التى انطوت عليها المعاهدة المصرية ــ الإسرائيلية.

بحسب وثائق وشهادات فقد جرى التسريع بتوقيعها، والقفز على تحفظات أبداها المفاوضون المصريون فى مسألتى التطبيع وتصدير النفط لإسرائيل، عقب الثورة الإيرانية التى أطاحت الشاه «محمد رضا بهلوى» رجل الولايات المتحدة فى الإقليم خشية تداعياتها على فرص «كارتر» فى الانتخابات الأمريكية، لكنه خسرها.

المثير أن شريكه الإسرائيلى فى عملية السلام «بيجين» لم يكن متحمسا لحصوله على ولاية ثانية.

اللعبة نفسها تحدث الآن بوجوه جديدة وحسابات مختلفة.

بالتوقيت فإن إعلان «وثيقة الجولان» يستبق الانتخابات الإسرائيلية فى شهر إبريل المقبل، وهذا دعم سياسى مباشر لـ«نتنياهو»، الذى اهتز نسبيا مركزه الانتخابى بأثر اتهامات الفساد التى تلاحقه.

وبالتوقيت فإن الخطوة الأمريكية تزامنت مع إعلان فحوى تقرير المحقق الخاص «مولر» فيما هو منسوب للرئيس الأمريكى من اتهام بالتواطؤ مع روسيا فى حملته الانتخابية، دون أن ينشر نص التقرير حتى الآن.

تبرئة «ترامب» من هذه التهمة تحيطها تساؤلات حقيقية وحولها اتهامات أخرى تضعف مركزه عند ترشحه لولاية ثانية، لكنها دعته لشىء من الانتشاء فى حفل التوقيع على «وثيقة الجولان»، كأنه أراد أن يقول إنه قوى بما يكفى لاتخاذ قرارات لم يجرؤ عليها رئيس أمريكى قبله، وفى الخلفية رهان على دعم انتخابى يتوقعه من «اللوبى اليهودى» فى الولايات المتحدة.

هكذا تسوى المصالح على حساب رجل الإقليم الضعيف، الذى كان يطلق عليه ذات يوم «الوطن العربى الكبير».