الذى يحدث فوق أرض مصر وتحتها - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأربعاء 19 مايو 2021 4:46 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


الذى يحدث فوق أرض مصر وتحتها

نشر فى : السبت 28 مارس 2015 - 12:50 م | آخر تحديث : السبت 28 مارس 2015 - 12:50 م

عندما ترى ــ عزيزى القارئ ــ شجرة وارفة مورقة مثمرة تتأكد من أن الجزء المرئى منها جاء نتيجة الجزء غير المرئى تحت الأرض حيث تدرك أن هذه الشجرة تمد جذورها فى التربة بعمق رأسيا وتنتشر أفقيا فتكون قادرة على امتصاص غذائها والماء الذى يكفيها لتبدو بهذه القوة والجمال ويمكن تطبيق هذا المثال على كل ما يحدث من حولنا. فكل ما يقع من أحداث مرئية على الأرض، نستطيع كبشر أن نضع له من تعريفاتنا الخاصة ما يحدده ويفلسفه وذلك بحكم خبراتنا البشرية التاريخية ومدى تقييمنا لصراع الأضداد فى العالم الإنسانى (الخير والشر ــ الأسود والأبيض)، وأيضا فى ضوء القيم الإنسانية التى اتفق عليها البشر على مر العصور، وعادة يحدث ذلك عندما تنشب حرب ما، أو معاهدة سلام بين بلدين متحاربين أو لاجتياح فكر معين لفكر آخر مستقر سواء بالسلب أو الإيجاب أى سواء كان الفكر الذى يجتاح أفضل أو أسوأ من الفكر الذى اجتاحه. هذا كله يحدث فوق الأرض لكن هناك ما يحدث تحت الأرض فى وقت أن تكون هذه الأحداث تتفاعل فوق الأرض، وما نقصده هنا بتحت الأرض هو الدوافع الحقيقية الداخلية والسرية التى دفعت إلى اندلاع حريق الحرب المسلحة أو توقيع معاهدة السلام أو اجتياح فكر معين للأفكار المستقرة منذ زمان.

•••

من هنا نستطيع أن نفهم ونلم وندرك أبعاد ما يحدث فوق الأرض وبتطبيق هذه القاعدة على ما يحدث فى منطقتنا منذ الربيع العربى وحتى اليوم نجد أن ما نراه فوق الأرض هو نوع من الفوضى تتمثل فى حروب باسم الدين، وظهور جماعات متطرفة دينيا فى طور جديد وبقوة ترفض الآخر المختلف وتقتله أو تستعبده أو تهجره، وكذلك محاولة تكوين محاور سنية ومحاور شيعية هذا فضلا عن اجتياح الفكر الإلحادى لفكر مستقر لآلاف السنين بين الشباب، مع موجة حادة تنتقد المؤسسات الدينية مسيحية كانت أو إسلامية. هذا ما يحدث فوق الأرض نراه بعيوننا ونلمسه بأيدينا نكتوى بناره ويتأثر به كل بشر يعيش على هذه البقعة من العالم بطريقة أو أخرى، ولكى ندرك الأسباب الحقيقية والعوامل والدوافع الخفية لهذه الأحداث نحتاج إلى أن نحفر الأرض تحت الأحداث وننظر بطريقة شمولية للظواهر فى ضوء فلسفة التاريخ وفقه الإنسان والوطن وزمان ومكان الظاهرة. فإذا فعلنا ذلك، فإننا سنكتشف أن الحروب الدينية والطائفية، واجتياح الجماعات المتطرفة للبلاد المستقرة بقوة وتشكيل غير مسبوق، إنما هو فى الأساس صراع الإنسان فى بلادنا ومنطقتنا بين حضارة وعصر ما بعد الحداثة وعصر وحضارة القرون الوسطى، إنه صراع بين بشر يعيشون بمبادئ القرون الوسطى فى رفض الآخر بحرقه أو قطع رأسه، كما حدث تماما فى الحروب الصليبية ضد الشرق الإسلامى العدو البعيد وحركة المصلحين الدينيين والعلماء العدو القريب وما تفعله داعش وغيرها من الحركات العنيفة من قطع الرءوس وحرق البشر للقريبين والبعيدين ما هو إلا تبنى لفلسفة وتوجه القرون الوسطى نحو الآخر المختلف حيث أنكرت عليه الحق فى الحياة والحق فى الاختلاف، وهم يحاربون فقه الإنسان والوطن وفصل الدين عن السياسة والحرية والعدالة. أما ما نراه فوق الأرض من انتقاد عنيف للمؤسسات الدينية فهو فى جذوره صراع بين حرفية النص المقدس ووقوفه عند عصر معين وبين أهمية تأويله ليصلح لكل زمان ومكان، فالمشكلة أن الطرفين المتصارعين بهذا الشأن يؤمنان بالنص المقدس ويؤمنان أنه يصلح لكل زمان ومكان لأنه موحى به من الله. لكن المؤسسات الدينية مع الأصوليين والمحافظين يريدون تغيير المجتمع بالعودة به إلى العصر الذهبى وهو عصر الأنبياء أو الكنيسة الأولى لتطبيق النص فى حرفيته، وهم بذلك يشطبون على الخبرة الإنسانية والفلسفية وتراكم الفقه والاجتهادات الدينية لأكثر من ألف وخمسمائة. بينما الطرف المقابل فى المعادلة يرى أن الكلمات المقدسة تصلح لكل زمان ومكان من خلال التأمل فى النصوص واستخراج المبادئ العامة منها أو ما اصطلح على تسميته بالمقاصد العليا للنصوص والتى يمكن تطبيقها فى كل عصر وحضارة بطرق تناسب ذلك العصر وتلك الحضارة، وهو ما حدث لآلاف السنين وكان الفاعل فى تعدد المذاهب والطوائف واختلاف العلماء بإختلاف حضاراتهم وثقافاتهم. لكننا وللأسف نشهد حربا مستعرة وتكفيرا لمن يحاول تأويل النص بحسب العصر والحضارة الحديثة واتهام بالتخلف من الجانب الآخر لمن يحاول تطبيقه حرفيا.

•••

أما ظاهرة اجتياح الفكر الإلحادى لدى الشباب وإعلان ذلك على شبكة التواصل الاجتماعى فبالحفر تحت الأرض سوف نكتشف أنه جاء نتيجة الكفر بكل الأيديولوجيات فبعد أن كانت القومية العربية هى الملاذ تحول القوميون إلى ديكتاتوريين أيديولوجيين أكثر تطرفا من الأيديولوجيات الدينية، يسحلون ويعذبون ويقتلون المختلفين معهم وكأنهم الكفار، وبعد سقوطهم صعدت الأيديولوجية الدينية، لكن الأيديولوجية الدينية أبدعت داعش والقاعدة والجهاد والتى جعلت الناس ترفض تماما الأيديولوجيات الدينية. لقد عاد الدين مع الجماعات المتطرفة عودة مرضية وليست صحية وفى الغرب حدث إخفاق مريع للحضارة المادية.

إن الصياح الذى نسمعه من كل جانب دفاعا عن الدين فوق الأرض نكتشف تحت الأرض أنه صياح بلا أساس، بمعنى آخر لقد غاب التدين الحقيقى، فقد وقف محترفوه ضد أى دعوة للإصلاح الدينى متمسكين بالحرف متهمين الآخرين بأنهم هواة لا يعرفون الأصول بينما قدم الهواة تفسيرا سهلا للدين لكنه بلا أساس فقهى صحيح ومقنع، والاثنان أفقدا الدين توهجه وروعته عند الشباب فتركوه. لقد رحل الدين الحقيقى وبقيت القشور ولا حل إلا فى عودة الدين الحقيقى. هذه العودة تبدأ بإدراك الأسباب الحقيقية التى دعت الدين لأن يرحل وتسهيل عودته. لقد بدأ كل دين فى الوجود بفرد ولأجل فرد أو أفراد وعندما سيطرت الجماعة والمؤسسات على الدين اختلط الدين بالسياسة وأصبح المتدينون قطيعا وتراجع الاجتهاد، فليعد الدين فرديا يحترم عقول الأفراد ولا ينظر إليهم كأطفال ناقصى الأهلية يحتاجون لمن يتبناهم وهكذا يختار كل فرد ما يقتنع به من اجتهادات للفقهاء ومن فهمه الخاص للكتب المقدسة. حيث إنه الوحيد القادر على إقامة الكوبرى بين النص المقدس القديم والحضارة الحديثة لأنه يعيش العصر والحضارة بكل ما فيهما وهو متدين بطبعه فلا خوف عليه ولا داعى لأن تحزن عليه الجماعة.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات