«الشمندر».. وما الدنيا إلا معرض كبير! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الإثنين 14 يونيو 2021 4:25 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

«الشمندر».. وما الدنيا إلا معرض كبير!

نشر فى : الخميس 28 فبراير 2019 - 9:20 م | آخر تحديث : الخميس 28 فبراير 2019 - 9:20 م

سألت نفسى، وقد أنهيت هذه الرواية البديعة، مستمتعا ومتأملا معنى ومتنا: هل هى رواية فى مدح اللوحة التشكيلية؟ أم هى لوحة تشكيلية رسمت بالكلمات فى مدح فن السرد؟
انتبهت بعد لحظة إلى أن إجابة السؤال تمثل فى الواقع أحد مفاتيح الرواية: السارد، وهو فنان تشكيلى موهوب، ينظر إلى الدنيا باعتبارها معرضا كبيرا، كل شىء يجعله لوحة، بتكويناتها وألوانها وظلالها، وكاتب الرواية أقام بناءها بمنطق اللوحات المعروضة، عنوان كل فصل هو أيضا عنوان لوحة وحكاية رسمها، أى أننا أمام معرض داخل معرض: سارد يحكى حياته من خلال لوحاته، وروائى متمكن يجعل من سرده معرضا لبطله وشخصياته وتاريخ وطنه على مدى ستين عاما.
عن رواية «الشمندر» لمؤلفها خالد الخميسى، والصادرة عن دار الشروق أتحدث، لقد ترجم بذكاء فكرة أن اللوحة والسرد هما فى جوهرهما معارض للشخصيات والأحداث، فاترينة هائلة بحجم الإنسان المعقد ظاهرا وباطنا، اعترافات الفنان التشكيلى شهاب زكى الشمندر، وقد ظهرت له العرافة القديمة خريستيانا، تخبره بالنهاية، تتحول إلى حكاية للوحات رسمها، سكب حياته فى أعماله، فكان سهلا أن يسرد متخففا من ماضيه، ليحلق إلى الآخرة.
أتاح هذا البناء انتقالات سلسة فى الزمان والمكان، وظهور عدد ضخم من الشخصيات فى فاترينة واحدة، بل إنك لو تأملت بشكل أعمق، لوجدت أنك أمام لوحة واحدة كبيرة رسمها خالد الخميسى:
فى قلب اللوحة بطله الأنانى الذى احترف الهروب، عاشق الجسد، والذى يقف على شاطئ الأحداث العامة التى مرت بها مصر من 1958 إلى 2018، وهى أحداث تاريخية مزلزلة، يمكن تلخيص حياة الشمندر فى مغامرات نسائية، ولوحات استلهمها مما عرف وذاق، وكأن العالم كله مجرد عجينة ملهمة لأعماله، وبقدر ما يعلو الفنان، يتراجع الإنسان.
حول الشمندر مباشرة تقف أسرته: جدته، وشقيق جدته، وأمه، ووالده الذى انفصل عن أمه، وخالاته، وحوله أيضا جيرانه، وفى المستوى الثالث من اللوحة، ولكن بأحجام كبيرة، نشاهد النساء العابرات فى حياة شهاب الشهبندر، هو يصف نفسه بحق بأنه قط مصرى قناص، الحب والعاطفة حاضران، ولكن العلاقة الجسدية لدى الشمندر مكتسحة، وكأن الوجود لا يعبر عن نفسه إلا باللمس واللذة الحسية، يختار الشمندر أن ينتمى إلى من يمزقون الأقنعة، ويكسرون الحدود، لا من يرسمون ما يمكن رؤيته، كل مغامرة إذن صارت تجربة ملهمة، حتى لو كانت صعبة أو مؤلمة.
على مستوى أبعد فى اللوحة يظهر الأصدقاء، حاضرون ولكنهم يغيبون طويلا، أو قد يسببون المتاعب، ليست خبراتهم سارة دائما، أما فى خلفية اللوحة الهائلة فيمر شريط ما حدث للوطن فى ومضات بألوان ساخنة، ولكنها ضبابية، ذلك أن بطلنا لا يرى سوى الفن والجمال، وليس لديه أمل فى التاريخ الإنسانى، «الشمندر» لديه عالمه المغلق الخاص، الحافل بالتناقضات واللوحات والشخصيات.
يمكن قراءة هذه الرواية المتفردة أيضا باعتبارها تأملا لعلاقة الفن بالواقع، لوحات الشمندر المرسومة خلدت واقعه، بينما كان هو فى الواقع شخصا هشا فانيا، أنانيته خدمت فنه، وهذا ما بقى من الرحلة؛ أى التعبير عنها بشكل فنى رسما وسردا، هذا الجانب الخلاق من الشخصية ينقذها من أحكامنا الأخلاقية القاسية، إنه حالة خاصة تصدمنا باعتراف، ثم تصالحنا باللوحة التى يصفها فى كل فصل.
تمتلك الرواية فوق كل ذلك نماذج إنسانية كثيرة رسمت ببراعة، مثلما تمتلك أماكن حية برائحتها وألوانها، وأفكارا للوحات تطلق الخيال، وبعض الفصول تبدو مثل قصص قصيرة مكتملة، كما أن لعبة الإيهام تصل إلى مستويات قوية؛ حيث يقدم الشهبندر بوصفه شخصية واقعية معروفة، يعرفها ويكتب عنها حلمى التونى وداود عبدالسيد، وحيث تتمنى، من سحر الحكاية واللوحة الموصوفة، أن ترى للبطل صورة شخصية، أو ترى بعضا من لوحاته، بعد أن عرفت كواليس إبداعها.
نجاح رواية «الشمندر» لامع مثل ألوانها: انمحاء للحدود بين السرد واللوحة، وانمحاء للحدود بين حياة الفنان وأعماله، وتشريح عميق للإنسان والفنان معا، ثم انتصار لخلود الحكاية واللوحة، فى مواجهة حضور الموت على مدى الرواية.

التعليقات