عَشَرَة بلدي - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 يناير 2020 8:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

عَشَرَة بلدي

نشر فى : الخميس 28 فبراير 2019 - 9:30 م | آخر تحديث : الخميس 28 فبراير 2019 - 9:30 م

جلس صاحبنا إلى مكتبه وأخرج أچندة المذكرات التي يحتفظ بها وحيدة في الدرج الأول. قلّب أوراق الأچندة بحب لا يدانيه إلا حب العازف لصفحات نوتته الموسيقية، وتوقف عند أول صفحة بيضاء ليسجل عليها تدوينته الجديدة. مدّ بصره إلى ستائر النافذة الترجال وهي ترتعش كلما نفحها التكييف نفحة هواء باردة، ولمعت في رأسه فكرة. بسمل في سرّه وكتب بقلمه "المون بلون" الشيك في وسط الصفحة العنوان التالي: عَشَرَة بلدي. قهقه شيطان إبداعه ضاحكاَ لأن أول ما سيتخيله قارئ العنوان أنه يخُصُ وصلة من الرقص البلدي المعتبر، والحقيقة أن هذا أبعد ما يكون عن موضوع التدوينة. مممممم...عن أي قارئ تتحدث يا رجل ولا قارئ لك إلا أنت، وأچندتك لا يتصفحها سواك؟ الآن لا أحد يقرأ أچندتي هذا صحيح، لكن في اليوم الموعود سوف يطالعها آخرون وسيفتحون أدراج مكتبي ويستبيحون أسراري الصغيرة، هكذا قال.
***
من بضعة أعوام ليس يحصيها يحافظ صاحبنا على تقليد ثابت في الخميس الأخير من كل شهر. يصحو من نومه مبكرا ويأخذ دشا سريعا دافئا، يتناول فنجانا من النسكافيه على غيار الريق ويتأنق على سنجة عشرة، يضع ما فيه النصيب داخل مظروف مُحكَم ويمنح سائقه أجازة، وعندما تدق الساعة دقتها الثامنة تجده على أهبة الاستعداد كي ينطلق إلى بيت القصيد. تعبير بيت القصيد أسهل بكثير من تعبير بيت ابنة خال ابن عمّه، فالقرابة فعلا بعيدة، لكن المشوار الشهري يمنحه طاقة رضا تُقرّب الصلات. من دون اتفاق بينه وبين قريبته صار هناك جدول أعمال ثابت للقائهما الشهري، سلامات وتحيات وسؤال متبادل عن الأحوال، الفاتحة لفريق من الأقارب والدعاء بطول العمر لفريق آخر، دعوة من جانبها لتناول فنجان قهوة واعتذار مهذب من جانبه بأنه مضطر أن ينصرف، وفي الأخير يناولها المظروف إياه وتسلمه كيسا به عشرة أرغفة بلدي طازجة. أول مرة عرضت عليه قريبته العَشرَة بلدي لم يتقبل الفكرة فأبى وصدّ ولعله غضب، لكن عندما تأمل الأمر وجد أن هذه اللفتة البسيطة كانت مجرد تعبير فطري عن كلمة: متشكرين. استحت المرأة الطيبة من ألا ترد على النفحة المالية السخية التي قدمها لها قريبها، والأرجح أنها حين اختفت عن ناظريه لعدة ثوان كلفت ابنها بشراء العَشَرَة بلدي بعشرة جنيهات ثمينة عدّا ونقدا، أودعت الخبز الساخن كل مشاعر الامتنان التي هجمت عليها، وراحت ترصه بالحرص الممكن رغيفا تلو رغيف داخل كيس نظيف. مدت يدها إلى قريبها وقالت له بصوت خفيض: ما تنساش تهوّي العيش في البيت، وبألف هنا وشفا علي قلبك، وأخذ هذا السلوك يتكرر.
***
تسلَلَتْ إلى دخيلة صاحبنا تلك المعاني الإنسانية النبيلة وهو يتذوق أول لقمة من خبز قريبته فوجد له مذاقا غير المذاق. أحب العَشَرَة بلدي جدا وأدمن دقيقها الممزوج بحياء التعفف، بدا له هذا الخبز وكأنه نوع عجيب من الخبز السماوي المقدس الذي يمنح آكله الخلود الأبدي، وتصور أن قريبته حين تناوله إياه إنما تتحول إلى راهب ورع يناول واحدا من أفراد شعبه قربانا إلهيا عظيما مقدسا. اختلط عليه الأمر إلى درجة لم يعد يستطيع معها أن يحدد من منهما يُسعِد الآخر، هل هو يسعد قريبته حين لا ينساها في زمن يجحد فيه البشر صلات القربى؟ أم أن قريبته هي التي تسعده لأنها تضخ في نفسه مشاعر لا تقل حرارتها عن حرارة العَشَرَة بلدي أو تزيد ؟ كلاهما يسعد الآخر. هكذا كان كلما زار قريبته يتحين لحظة التسليم والتسلم لا يكاد يطيق صبرا، يصطنع الوقار وهو يسحب منها كيس الخبز بهدوء فيما أنه يتضور جوعا، وما أن يقفل راجعا إلى بيته حتى تغازله وليمة إفطار عامرة بكل ما لذ وطاب، فيشمّر عن ساعديه ويشتبك. يضحك وهو يتذكر كيف كانت أمه تشّبه جارهم العبوس بأن وشه "ما يضحكش للرغيف السخن"، وكأن الرغيف السخن هو آخر ما في جعبة أي حاوي للإضحاك، وأن من لا يضحك لمرأى الرغيف السخن فإنه لن يضحك أبدا. رحمة الله عليك يا أمي، قالها وغمر قطعة خبز محترمة في طبق الجبن بالطماطم وتأوه متلذذا .
***
عندما يختلط الأخذ بالعطاء ينشأ مزيج إنساني بديع ليس يقاس بتساوي كفتّي الميزان، لكنه يقاس بما يتحقق من إشباع لكلا الطرفين، وكم أن زيارة الشهر تشبعه. طوى صاحبنا صفحة تدوينته الجديدة "عَشَرَة بلدي" ، ووجد رائحة الخبز الطازج تتسلل إلى أنفه وتثير شهيته وما كان بالغرفة خبز ولا يحزنون، هل هي رائحة الخبز التي استنشقها أم هي رائحة قريبته ؟ ليست لقريبته رائحة منفصلة عن رائحة الخبز. نظر إلى تاريخ اليوم فوجده يوما عاديا لا خصوصية له فاليوم هو أول ثلاثاء في الشهر، لكن هل يوجد ما يمنع من أن يكسر صاحبنا الروتين الشهري ويزور قريبته اليوم.. بل الآن ؟ لا يظن أن هناك ما يمنع فخير البر عاجله كما يقولون، وفوق ذلك فهو يشتاق إلى كليهما.. الخبز وهي .. هل قال هي؟ نعم قال هي، اندفعت الدماء حارة إلى وجهه، وارتعشت الستائر الترجال أمامه وقد تلقت نفحة جديدة من الهواء البارد، تسمّرت قطرات العرق فوق جبهته، وأغلب الظن أنه كان يحتاج ما يرطب مشاعره!

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات