الأمريكى الأسود.. والانتخابات الأخيرة - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأربعاء 27 يناير 2021 10:35 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

الأمريكى الأسود.. والانتخابات الأخيرة

نشر فى : الجمعة 27 نوفمبر 2020 - 7:55 م | آخر تحديث : الجمعة 27 نوفمبر 2020 - 7:55 م

من المعروف تاريخيًا أن الأطفال السود كانوا يُخطفون من أهاليهم وأوطانهم ويُباعون لتجار الرقيق ــ وبعضهم كانوا من العرب ــ الذين يعبرون المحيط بهم فى سلاسل إلى نيويورك ويبيعونهم للأمريكان البيض. وظل هؤلاء عبيدًا حتى تم تحريرهم على يد الرئيس إبراهام لنكولن، الذى كان محاميًا قبل أن يُنتخب الرئيس رقم ١٦ للولايات المتحدة الأمريكية من ١٨٥ إلى ١٨٦٥م.
وقد شن حربًا على الولايات الجنوبية التى رفضت تحريرهم، وتم اغتياله فى ٥ إبريل ١٨٦٥م عقب انتخابه للدورة الرئاسية الثانية. وهكذا ظل السود يناضلون ليتساووا مع البيض كمواطنين أمريكيين، إلا أنهم لم يصبحوا مواطنين كاملى الأهلية.. فى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضى قُدمت اقتراحات لإعادة السود إلى إفريقيا، لكن لم تنجح هذه المحاولات فى مسعاها، ولم يتم تحريرهم كاملًا إلا فى ديسمبر ١٨٦٥م، حيث تم تحرير 4 ملايين من العبيد السود، ولم يتم اعتمادهم كمواطنين كاملى الأهلية حتى اغتيل مارتن لوثر كنج قائد ثورة المساواة صاحب الجملة الشهيرة I have a dream «عندى حلم» عام ١٩٦٨م. وهكذا أصبح السود مواطنين أمريكيين.
وكان مجيء أوباما كأول رئيس أسود عام ٢٠٠٤م ورحب به السود والبيض، لكن للأسف لم يساعد السود ــ كالعادة، فمعدل البطالة عند السود ارتفع فى عهده من ٧٫٤% إلى ١٠% وبين الشباب من ٢٠% إلى ٤٠%، وهكذا بدأت العنصرية الحديثة تجاه السود عام ٢٠٢٠م على يد ضباط شرطة.

***
وسوف تتساءل ــ عزيزى القارئ ــ لماذا هذه المقدمة التاريخية الطويلة عن سود أمريكا وما هى مناسبتها؟! الإجابة أنه بعد نجاح ترامب الأمريكى الأبيض الساكسونى فى الانتخابات عام 2016م، بدأت تظهر تساؤلات هل تدين الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، بثرواتها للعبيد السود الأفارقة؟ وهذا السؤال أخذ زخمًا شديدًا فى الأسابيع الأخيرة بسبب مسيرات الاحتجاج والتى بدأت فى يونيو ٢٠٢٠م. ولقد كان لحديث رجل الدين الأسود المشهور القس «جيس جاكسون» الناشط فى حقوق الإنسان فى أمريكا أمام الجمهور: «إن العبيد الأفارقة هم الذين بنوا أمريكا كوطن»!! وفى عام ٢٠١٦م ذكرت ميشيل أوباما سيدة أمريكا الأولى فى لقاء تلفزيونى كيف أنها كانت تستيقظ كل صباح فى البيت الأبيض، وتفكر فى أنه «بيت بناه العبيد»، فهل هذا الكلام صحيحًا؟ وهل هو مبنى على أساس بحث تاريخى أكاديمى صحيح؟! نحن نرى أن هناك ثلاث مشكلات فى هذا الخطاب، الأول هو إنه إذا تم بناء المجتمعات الأغنى والأعظم من قبل العبيد فلا ينبغى علينا اعتبار العبودية شرًا مطلقًا، بل يمكن القول إنها أفادت الإنسانية جمعاء فلماذا إذن نلعن العبودية ونرفضها؟، أما الإشكال الثانى إن هذه الجملة بتركيبتها هذه تفترض أن الغالبية العظمى من الناس الذين كانوا أحرارًا قد استفادوا من العبودية دون أن يبذلوا أى جهد وتركوا العبيد يفعلون كل شيء وهذا الطرح لا يمكن تصوره أو استيعابه وليس صحيحًا واقعيًا وتاريخيًا، أما المشكلة الثالثة والأخيرة أن هذا الفرض الذى تبناه صادق خان عمدة لندن الأسود، وميشيل أوباما لن يصمد أمام الحقائق التاريخية، فبالنسبة لمقولة ميشيل أوباما فالبيت الأبيض الذى عاشت فيه طيلة ثمانى سنوات قد أعيد بناؤه لأول مرة عام ١٩٠٢م واكتسب شكله الحالى بعد فترة طويلة من إلغاء الولايات المتحدة للعبودية عام ١٨٦٥م، ومنح الجنسية للعبيد السابقين عام ١٨٦٩م، وكان هناك بعض السود الذين عُرفوا وسط فئة عمال البناء باسم الأمريكان الأفارقة، لكنهم أبدا لم يكونوا عبيدًا. كذلك ليس من المعقول أو المقبول القول إن العبيد السود هم الذين بنوا أمريكا بمفردهم فأعدادهم لم تكن تؤهلهم لذلك فى ذلك الوقت، فضلًا عن أن السؤال ذاته عبثى، فالقول إن العبيد السود استطاعوا أن يسيطروا على قارة ضخمة كأمريكا ليحولوها إلى أكبر اقتصاد فى العالم غير منطقى وغير مقبول، خاصة أنه فى الحرب الأهلية كان تعداد العبيد السود ٣% من السكان الذين يتركزون فى الدول المالكة للعبيد. ولم يحقق الجزء الأسود نموًا سكانيًا كبيرًا إلا بعد نهاية الحرب الأهلية، واليوم يمثل السود ١٢% من السكان وغالبيتهم جاءوا من مناطق أخرى فى العالم، بما فى ذلك البحر الكاريبى، وبالتالى لا يوجد أصل للرقيق فى الولايات المتحدة، ومن بين الذين جاءوا من البحر الكاريبى باراك أوباما وكولن باول وسوزان رايس. لقد بنيت هذه القوة الاقتصادية الأمريكية استنادا إلى الموارد الطبيعية والإمدادات التى لا نهاية لها من العمال المهاجرين حتى حقبة السبعينيات وغالبيتهم من أوروبا.
لكن مفتاح النجاح الأمريكى الحقيقى كان العمل الحر الذى نشأ فى بداياته فى سياق فوضوى لكنه مع الوقت سمح للابتكار والمشاريع الضخمة التى ظهرت جميعها بعد إلغاء الرق. وقد لعب عمال النقل الصينيون الحقيقيون أشباه الرقيق دورًا كبيرًا فى بناء شبكة السكك الحديدية الأمريكية، فى فترات النمو الاقتصادى العظيم فى الولايات المتحدة الأمريكية ويعود ذلك جزئيًا إلى إعاقتهم من خلال استمرار التحيز العنصرى ونقص الفرص التعليمية أمامهم، ولذلك لم يكن بمقدورهم لعب دورهم الكامل فى بناء البلاد.
***
من هنا ومن خلال الخبرة الإنسانية فى استعباد الإنسان لأخيه الإنسان ومدى الصراع الذى أضاع وقتًا وجهدًا ومالًا فى أمر غير إنسانى أو أخلاقى، نجد أن نهاية العبودية أطلقت طاقات إنتاجية هائلة فى جميع أنحاء البلاد. وبالمقارنة بين الإنتاج المحلى أثناء سيادة سياسة الرق وبعد إلغائها وجد أن الناتج المحلى الإجمالى العالمى أثناء الرق تضاعف مرة واحدة كل ٦٦ عامًا، أما بعد إلغاء الرق فقد تضاعف الإنتاج المحلى الإجمالى العالمى كل ١٥ عاما، ولقد تم ذلك ليس فى الولايات المتحدة الأمريكية فقط بل تضاعف حجم الاقتصاد البريطانى ثلاث مرات، وكذلك حدث فى روسيا بعد نهاية العبودية، والهند تضاعف حجم إنتاجها خمس مرات خلال٦٠ عامًا، بعد إلغاء النظام الطبقى، أما مصر التى بدأت مع اليابان والهند وماليزيا بعد إلغاء النظام الطبقى فقد بددت طاقتها فى مغامرات عسكرية ومحاولات اتحاد مع الدول المجاورة خرجت منها خالية الوفاض.
لا شك أن العبودية شر أعاق التقدم الإنسانى أخلاقيًا ودينيًا واقتصاديًا وبالتالى أضر بالجميع، ومن الناحية التاريخية البحتة كان العبيد من البيض هم الأكثرية ولعلك ــ عزيزى القارئ ــ تتذكر الفيلم التاريخى العظيم سبارتكوس بطولة كيرك دوجلاس، وقد كان واضحًا أن السود من العبيد كانوا أقلية الأقلية فى الفيلم، الذى سرد جزءًا هامًا من تاريخ الإمبراطورية الرومانية، ونضال العبيد لأجل الحرية وقد انتهى بصلب زعيمهم على الصليب، فالمعاناة فى العبودية شملت كل الألوان من البشر بلا استثناء.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات