المعرفة والبشر مصدرا الثروة بمفهومها الحديث - مدحت نافع - بوابة الشروق
الجمعة 6 أغسطس 2021 12:59 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد الأداء المتميز.. هل يحقق منتخب اليد المصري ميدالية أوليمبية في طوكيو؟

المعرفة والبشر مصدرا الثروة بمفهومها الحديث

نشر فى : الإثنين 27 نوفمبر 2017 - 9:50 م | آخر تحديث : الإثنين 27 نوفمبر 2017 - 9:50 م
وفقا للتعريف الحديث للثروة يلخص البنك الدولى عناصر الثروة فى كل من: «رأس المال المنتَج، والموارد الطبيعية، وقيمة المهارات والقدرات البشرية للدولة» وهو مفهوم جديد للثروة يضع فى الاعتبار فكرة التنمية المستدامة والحد من استنزاف الموارد الطبيعية، ولكنه فى الوقت ذاته يقر بأهمية المهارات البشرية باعتبارها مكونا أساسيا لثروة الأمم. ولما كان تكوين تلك المهارات فضلا عن صقلها يكون بالتعليم والتدريب فإن دور المعلومات يبدو واضحا فى تكوين ثروة الأمم من حيث القيمة الكامنة.

أما على مستوى السعر السوقى لتلك العناصر، فإن المعلومات الخاصة بكل من رأس المال المنتج والموارد الطبيعية هى التى تعطى لها سعرا فى الأسواق المحلية والعالمية. على سبيل المثال جودة المواد البترولية فى الدولة، واستقرار النظام السياسى الذى يسهل من استيراد مورد ما من دولة دون أخرى، فيرتفع بذلك ثمن الاستيراد لذلك المورد من هذه الدولة على وجه الخصوص. أما التكوين المعرفى والمهارات البشرية فإن سعرها لا يتأثر فقط بطول فترات الدراسة schooling بما تشتمل عليه من جودة فى المعرفة واكتساب حقيقى للمهارات، ولكن يتأثر أيضا بالإشارات المعلوماتية signaling التى يرسلها الدارس إلى رب العمل لكى يحصل على أجر مرتفع. وإذا كان هذا الأجر هو العائد على رأس المال البشرى، وإذا كان الحصول عليه يمكن أن يأتى من دولة أخرى من خلال تصدير الأيدى العاملة الماهرة، فإنه يتضح الدور الحاكم للمعلومات فى تسعير ثروات الأمم. بل إن الاستثمار فى المعلومات التى يحصل من خلالها الفرد معرفة بظروف السوق، ومستويات الأجور يعد أحد أهم أنواع الاستثمار فى رأس المال البشرى.

وتعتبر الموارد البشرية من المقاييس الأساسية التى تقاس بها ثروة الأمم، باعتبار أن هذه الموارد على رأس المكونات الرأسمالية والأصول المؤثرة فى الوضع الاقتصادى والاجتماعى للدول، حيث أصبح العنصر البشرى ودرجة كفاءته هو العامل الحاسم لتحقيق التقدم.
وقد أكد علماء الاقتصاد ــ منذ وقت طويل ــ أهمية تنمية الموارد البشرية فى تحقيق النمو الاقتصادى، حيث ذكر «آدم سميث» فى كتابه الشهير «ثروة الأمم» أن جميع القدرات المكتسبة والنافعة لدى سائر أعضاء المجتمع تعتبر ركنا أساسيا فى مفهوم رأس المال الثابت، علما بأن اكتساب القدرة فى أثناء التعلم يكلف نفقات مالية، ومع ذلك تعد هذه المواهب جزءا مهما من ثروة الفرد، التى تشكل بدورها جانبا رئيسا من ثروة المجتمع الذى ينتمى إليه ذلك الفرد.

كما أكد الاقتصادى الكبير«ألفريد مارشال» على أهمية الاستثمار فى رأس المال البشرى باعتباره استثمارا وطنيا. فى رأيه أن أعلى أنواع رأس المال قيمة هو رأس المال الذى يستثمر فى الإنسان، إذ عن طريق الإنسان تتقدم الأمم. والاقتصاد ذاته ذو قيمة محدودة إن لم يستغل فى سبيل التقدم، وذلك عن طريق القوى البشرية التى تحول الثروات من مجرد كميات نوعية، إلى طاقات تكنولوجية متنوعة تحقق التقدم والتنمية، لأن الإنسان هو الذى يحقق التنمية وهو المستهدف منها.

***

وفى دراسة عن تأثير التعليم وتنمية القوى البشرية بشكل عام فى النمو الاقتصادى قسم العالمان «هاربسون»، و«مايرز» بلاد العالم إلى أربعة مستويات من النمو الاقتصادى تأثرا بدرجة التعليم هى: 

البلاد الأقل تقدما: وهى البلاد التى تعانى من ضعف الوعى بالتعليم، ومحدودية إمكانات المدارس، وانتشار ظاهرة التسرب، وارتفاع الفاقد فى التعليم، وانخفاض معدلات القيد فى المدارس (40% من الفئة العمرية 6 ــ 12 سنة فى المرحلة الابتدائية، 3 % من الفئة العمرية 12 ــ 18 سنة فى المرحلة الثانوية)، وأغلب دول هذه الفئة لا يوجد بها جامعات والقليل منها به معاهد عليا.

البلاد المتقدمة جزئيا: وهى البلاد التى بدأت فى طريق التقدم وقطعت فيه شوطا معقولا. ويتميز التعليم فيها بالتطور السريع من حيث الكم على حساب نوعية التعليم. وتعانى هذه الفئة من البلاد من ارتفاع نسبة التسرب والفاقد من التعليم، خاصة التعليم الابتدائى على الرغم من عنايتها به، وانخفاض نسبة المقيدين بالمرحلة الثانوية، ونقص أعداد المدرسين، كما أنه يوجد بها جامعات إلا أن اهتمامها موجه إلى التعليم النظرى.

البلاد شبه المتقدمة: وهى البلاد التى قطعت شوطا متوسطا فى طريق التقدم. ويتميز التعليم فيها بأنه إلزامى لمدة 6 سنوات، وترتفع معدلات القيد بها لتصل إلى نحو 80 %، ومشكلات التسرب والفاقد من التعليم أقل حدة من الفئتين السابقتين، والتعليم الثانوى متنوع ويميل إلى الاتجاه الأكاديمى بهدف الإعداد للتعليم الجامعى الذى يتميز فى هذه البلاد بالتميز النسبى، إلا أن الجامعات تعانى من ازدحام الطلاب وضعف الإمكانات المادية ونقص أعداد أعضاء هيئات التدريس.

البلاد المتقدمة: وهى البلاد التى قطعت شوطا طويلا فى طريق التقدم، وحققت مستوى اقتصاديا متطورا خاصة فى مجال الصناعة، وتزدهر بها حركة الاكتشافات العلمية، ولديها رصيد من الكفاءات البشرية والقوى العاملة المؤهلة والمدربة. ويتميز التعليم فيها بارتفاع معدلات القيد فى جميع مراحله، وارتفاع مستوى التعليم الجامعى، والاهتمام بالكليات العلمية بدرجة تفوق الكليات النظرية مع الاهتمام بالبحث العلمى والاكتشاف والاختراع.

لن أصنف لك مصر فى تلك المجموعات عزيزى القارئ لكن بالتأكيد لن تجدها فى المجموعة الرابعة. 

***

الأمثلة على تأثير الاستثمار البشرى فى تحقيق التقدم والنمو الاقتصادى والاجتماعى متعددة، فنجد دولا مثل الصين واليابان وسنغافورة وغيرها من دول شرق وجنوب شرق آسيا قد حققت معدلات عالية للنمو الاقتصادى، واستطاعت أن تتخطى حاجز التخلف وتتبوأ مكانة متقدمة بين دول العالم ارتكازا على ما لديها من موارد بشرية، حرصت على تأهيلها وتنمية مهاراتها وقدراتها. كما أن ما يشهده العالم الآن من تطور علمى كبير خاصة فى تكنولوجيا المعلومات المرتبطة باستخدامات الحاسب الآلى والاتصالات والإلكترونيات يرجع الفضل فيه إلى من تم تأهيلهم من أصحاب القدرات والمهارات عالية المستوى.

وإذا كان لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات دور كبير فى عملية التنمية، فإنه من الصعب قياس تأثير المعلومات على أى مستوى سواء كان وطنيا أو تنظيميا أو فرديا؛ إذ يمر العالم الآن بنقطة تحول سببها التقلبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المستمرة من جهة، وثورة المعلومات والتقنيات والاتصالات من جهة أخرى. فالخطط الحكومية هى إعلانات عن نوايا لاتخاذ إجراءات فى قطاعات الاقتصاد، كما تتوقف قدرة الحكومات على تطوير الخطط والمناهج الفعالة على تفسير المعلومات المتعلقة بالحالة المالية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للبلد.

وإذا كانت بنية المعلومات فى دولة ما تسمح بالحصول على المعلومات من مختلف القطاعات بهدف صنع القرار السليم، فإن مثل هذه البنية التحتية تتطلب توافر معلومات راسخة لتأمين إطار عمل من أجل تنمية نظم وخدمات المعلومات والاتصالات لتحقيق التنمية المستدامة.

وتؤثر قضايا سياسة المعلومات على كل المستويات العاملة فى المجتمع، الحكومية والمشتركة والتنظيمية والفردية. وثمة نقاش دولى مستمر حول الطرق التى تستطيع بها الدول النامية الاستفادة من ثورة المعلومات، وبعض هذه البلدان بدأت تدرك فوائد اقتصاد المعلومات. وما من شك فى أن النخبة فى أى مجتمع هى الأكثر وصولا وارتباطا بتسهيلات المعلومات. 

وعلى الرغم من وجود دعاية حول المعلومات وتكنولوجيات المعلومات والاتصالات والإنترنت، فالقليل من المنظمات الدولية ومعاهد البحوث ووكالات المساعدة قد ركزت عليها. ومن الصعوبة بمكان قياس تأثير المعلومات على التنمية محليا وتنظيميا وفرديا. فقد دعمت مؤسسات البلدان النامية تطور بنيتها التحتية المعلوماتية لعدة عقود، وشمل هذا الدعم إنشاء خدمات المعلومات على كل المستويات، بالإضافة إلى تسهيل الوصول إلى مصادر المعلومات فى العالم، والتعليم وتدريب المتخصصين ومستخدمى المعلومات، وخلق خطط ومناهج المعلومات التى تعد مصدرا أساسيا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. 

***

لكن الأثر المرتقب تحققه من التطور المعلوماتى يصعب إثباته أو قياسه. فإذا قامت وكالة تنمية ما بتمويل مشروع رأسمالى ــ مثل شق طريق عام ــ فإنها تتخذ إجراءات دراسة جدوى وتقييم كامل لهذا الاستثمار، وهذا يتضمن حساب النفقة والفائدة وتقييم نسبة الفائدة العائدة على رأس المال المستثمر. وحتى بالنسبة للمشروعات التأهيلية مثل برامج تدريب النساء الريفيات، فمن الممكن حساب العائد والتكلفة لها. وإذا كان من الصعب التحقق من أن هذه الأموال تستخدم بشكل فعال دون هذه التقييمات، فإنه أيضا يصعب قياس تأثير المعلومات على التنمية، لأنها عادة ما تؤتى ثمارها بصورة غير مباشرة. فطالب الجامعة الذى يستخدم خدمات المكتبة يمكن أن يستفيد منها لبقية حياته، ولكنه من المستحيل حساب الفوائد التى تنتج عن الاستثمار فى مكتبة الجامعة، وقد تم العمل على تطوير الطرق التى تمكن من معرفة تأثير المعلومات بخاصة من قبل مركز البحوث والتنمية الدولية، إلا أن امتلاك التقنيات التى تمكن من الوصول إلى هذه المعرفة المطلوبة من قبل صانعى القرار، لايزال أمرا بعيد المنال.

وإذ يتعين النظر إلى تأثير المعلومات على أهداف وأغراض القرارات والأفعال، والتأهيل الفكرى لفئات محددة من السكان فيما يتعلق بمشكلاتهم الخطيرة، فإنه يمكن رصد خمسة مظاهر لتنمية ثروات المجتمع يمكن أن تشارك فيها المعلومات بشكل فعال وهى: التنمية الديمقراطية والاجتماعية، التنمية الثقافية، البحث والتعليم، التنمية الاقتصادية الجزئية (مثل المساعدة على الإبداع وتطوير المنتجات)، التنمية الاقتصادية الكلية.

المعلومات هى جوهر المنظومة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لأى دولة، والبشر هم عماد تلك المنظومة فهم الذين يتطورون بالمعلومات وتراكمها المعرفى، ويستخدمون تلك المعارف فى تطوير مختلف عناصر بيئتهم المحيطة.

 

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات