الإدارة العامة المصرية بعد كورونا - محمد علاء عبد المنعم - بوابة الشروق
الخميس 3 ديسمبر 2020 7:27 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد فرض غرامة فورية على عدم ارتداء الكمامات بوسائل النقل العام؟

الإدارة العامة المصرية بعد كورونا

نشر فى : الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 - 8:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 - 8:10 م

شهد تعريف الجهاز الإدارى للدولة وعلاقته بالسلطة السياسية العديد من التحولات. فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ظهرت الدعوة إلى فصل السياسة عن الإدارة، بحيث تصبح الإدارة العامة حقلا خالصا للتكنوقراط، الذين يتولون مهمة تنفيذ السياسات العامة التى تقرها الحكومة بصرف النظر عن الحزب الحاكم.
وبعدها بنصف قرن تقريبا، أى فى خمسينيات القرن العشرين، أدركت العديد من الدول أهمية الدور السياسى الذى تقوم به المؤسسات العامة بما فيها المصالح والهيئات الحكومية. ومن هنا برز الاهتمام بإخضاع الجهاز الإدارى للدولة للمساءلة العامة، وخرجت قوانين الشفافية ومدونات السلوك الوظيفى كتعبير عن ارتباط ما يقوم به الموظف العام بحقوق المواطنة.
وفى ثمانينات القرن العشرين، أدى صعود الأحزاب اليمينية فى الولايات المتحدة وأوروبا إلى تزايد الهجوم على البيروقراطية باعتبارها المسئول الأول عن تعطيل خطط التنمية، وهو ما عبر عنه الرئيس الأمريكى الأسبق رونالد ريجان بمقولته الشهيرة «إن الحكومة ليست هى الحل لمشاكلنا، الحكومة هى سبب مشاكلنا». وذلك فى إشارة إلى رفض تضخم الجهاز الإدارى والثقافة البيروقراطية الرافضة للتغيير. ومن ثم الاتجاه إلى الخصخصة وتقليل القيود المفروضة على القطاع الخاص.
وفى التسعينيات جاءت حكومة الرئيس الأمريكى بيل كلينتون ببرنامج «إعادة اختراع الحكومة» من خلال اعتماد أساليب القطاع الخاص والتوسع فى عمليات الخصخصة وإسناد العديد من الخدمات الحكومية، مثل بناء وإدارة السجون والصناعات العسكرية، إلى القطاع الخاص.
وفى المقابل، حذر سياسيون وأكاديميون من التعارض بين هذا التوجه وقيم المواطنة، بما فى ذلك حق المواطن فى المعرفة وأهمية اتباع الإجراءات القانونية حتى وإن أدى هذا إلى انخفاض الكفاءة. وعلى سبيل المثال، فإن قوانين الإفصاح sunshine laws قد تتعارض مع سرعة إنجاز الأعمال، ولكنها تعبر عن قيم أساسية فى العمل الحكومى لارتباطها بحقوق المواطنة.
وجاء مفهوم «الحوكمة» كنتيجة لهذه التجاذبات الفكرية، وهو تعبير عن تعدد الفاعلين فى المجال العام، بحيث لا يقتصر على الحكومة وجهازها الإدارى فحسب، بل أصبح المجال العام يضم فاعلين مؤثرين من القطاعين الخاص والمدنى، ومن المهم إدارة العلاقات بينهم بما يضمن الشفافية والمساءلة.
ثم جاءت جائحة كورونا لتعيد الدولة إلى بؤرة الاهتمام، ليس فقط باعتبارها طرف ضمن منظومة حوكمة الشأن العام، ولكن بوصفها الفاعل الرئيسى فى تنظيم وضبط الشأن العام. ويكفى أن نتأمل التخبط الذى وسم تعامل الإدارة الأمريكية مع أزمة كورونا فى بداياتها، والذى جاء فى جانب منه نتيجة لتعقد المنظومة الصحية بسبب تعدد المتعاقدين من القطاعين الخاص والأهلى.
وفى مصر، واكبت جهود الإصلاح الإدارى، فى بعض جوانبها، التطورات العالمية. حيث شهدت فترة السبعينيات ثم التسعينيات إصلاحات اقتصادية قامت على تقليص الدور المباشر للدولة فى تقديم السلع والخدمات العامة، مع إفساح دور أكبر للقطاع الخاص، وتقليص حجم القطاع العام، والسعى لبناء قدرات الموظفين الحكوميين.
وجاءت جائحة كورونا لتؤكد محورية دور الدولة لضبط وتوجيه التعاون مع الأطراف الفاعلة من القطاعين العام والخاص، والإمساك بزمام الأمور عند الضرورة، وذلك فى إطار من الشفافية وحرية تبادل المعلومات.
ومن هنا تولت الحكومة زمام الأمور لمواجهة أزمة كورونا. وتشكلت لجنة إدارة الأزمة التى سعت لجمع وتنقيح وتحليل قواعد البيانات لمساعدة المتضررين، ومنهم العمالة غير المنتظمة، وتولت الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبى عمليات شراء جميع المستلزمات الطبية منعا للمضاربة، وذلك مع الإبقاء على قنوات التواصل المجتمعى والتعاون مع القطاعين الخاص والأهلى.
بقى أن تحدد الحكومة المصرية كيفية الاستفادة من هذه الأزمة، وكيفية المضى قدما فى عصر أثبتت فيه التجربة أهمية المزج بين الفكر الإدارى الذى وضع بيروقراطية الدولة فى مركز الأحداث، مع الأفكار التى تلته فيما يتعلق بتغيير أنماط عمل الحكومة، وحوكمة الشأن العام من خلال منظومة متكاملة تسمح للقطاع العام والخاص والأهلى بالعمل فى إطار من الشفافية والمساءلة.

محمد علاء عبد المنعم عضو هيئة التدريس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة
التعليقات