محطة الأحلام المستحيلة! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 5:50 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


محطة الأحلام المستحيلة!

نشر فى : الخميس 27 سبتمبر 2018 - 10:05 م | آخر تحديث : الخميس 27 سبتمبر 2018 - 10:05 م

عندما شاهدتُ النسخة المرممة من فيلم «باب الحديد» فى سينما زاوية فى افتتاح مهرجان أفلام شاهين المرممة، لم أكن قد رأيت الفيلم كاملًا منذ سنوات طويلة، ومع ذلك تذكرتُ مشاهد وتتابعات بأحجام لقطاتها، ولم أفتقد ذرة إعجاب بالفيلم، وكأنى أكتشفه للمرة للأولى، وهذه الدلائل من مقاييسى لتصنيف الأعمال العظيمة.
السيناريو الذى كتبه عبدالحى أديب مدهش فعلًا، معقد نسبيًّا بالقياس إلى تلك الفترة، ومع ذلك فهو متماسك ومتقن الصنع جدًا، هناك ثلاثة خطوط تسير معًا، ثم تتقاطع، وصولًا إلى ذروة مؤثرة وقوية للغاية:
الأول؛ هو قلب الفيلم ومحوره، علاقة حب قناوى الذى يصل إلى درجة الهوس بهنومة.
الثانى؛ معركة أبو سريع فى سبيل حماية حقوق الشيالين وحمايتهم من استغلال المعلمين الكبار.
الثالث؛ الجو العام فى المحطة بكل شخصياته وتناقضاته، التى تتسق مع تناقضات قناوى وهنومة، وصراعات أبو سريع والمعلمين.
لأول وهلة تبدو الخطوط متوازية، ولكن حرفة الكتابة، تُقيم جسورًا بين الدوائر الثلاث: أبو سريع يدخل معركة ترويض قناوى؛ لأنه يراه منذ البداية مُضطربًا، وصراع أبو زيد والمعلمين، يصنع أزمة عندما يحاولون اتهامة بقتل هنومة، فيدفع ذلك الاتهام إلى الذروة، والمحطة بشخصياتها وتناقضاتها هى بطل الحكاية كلها، ودائرتها الأوسع، فهى التى تجرى على مسرحها مأساة قناوى، وصراعات أبو سريع، والشخصيات والمواقف وظفت بذكاء لتحقق هدفين:
رسم الجو العام الذى يعزز فكرة التناقضات، وإلقاء الضوء على حالة قناوى، بالذات من خلال شخصية الفتاة الصغيرة التى تودّع حبيبها، وكأنها تنويعة على مأساة قناوى فى الحب المستحيل، ومن خلال شخصية عم مدبولى، الذى يقدم قناوى، ثم يقوده إلى المستشفى.
ويتحقق تقاطع خط المحطة وشخصياتها كاملا فى مشهد النهاية، عندما تتفرج المحطة وشخصياتها على جنون قناوى، بينما كانت قد تفرجت على بؤسه فى المشهد الأول، وبين المشهدين رحلة الحلم المجهض والمستحيل، مجتمع يحاول أن يتشكل، وسط مقاومة عنيفة وهائلة.
هذه كتابة على أعلى درجات الاحتراف، بأى لغة، وفى مستوى أى سينما ناضجة فى العالم، من النادر أن نجد سيناريو يطلق خيال مشاهده ولا يحدده، نحن مثلًا لا نعرف الكثير عن قناوى قبل وصوله إلى محطة مصر، المعلومات تتلخص فى أنه صعيدى شريد، وهناك عبارة عارضة يقولها لهنومة عند نافورة رمسيس، حيث يحلم بإنجاب أطفال منها، لا يتعرضون للقسوة من أهلهم، هل تراه تعذب فى طفولته من أبيه أو أسرته أو حتى من زوجة أبيه؟
يترك السيناريو لنا مساحة واسعة، تمتلئ بتعبيرات وجه شاهين المتلونة، قناوى نفسه لا يتحدث كثيرًا، هو أقرب إلى الخُرس، الشخصية المكبوتة والعنيفة تعبر عن نفسها فى محطة مصر، هنومة تبدو مثل النداهة التى استدرجت قناوى، وفضحت كل ما يحمله من عذاب، ومن معاناة بسبب الآخر، سواء بسبب الإهانة
(عرّوجة المجنون)، أو بسبب اللذة المستحيلة (الصور العارية).
كل مشهد مشدود إلى الذى يليه، ويؤدى فى نفس الوقت إلى المشهد التالى، لا نفقد أبدًا حضور الذات الفردية ممثلة فى قناوى، ولا نفتقد أيضا حضور الآخر، ولا المكان بكل صخبه وتناقضاته، فكأن قناوى جزءٌ من لوحة حافلة بالتناقضات، وكأنه يتفرج على تناقضات المدينة، مثلما ستتفرج هى على مأساته، أما الحصاد فهو مروّع:
لم يتم قتل هنومة، ولكننا نراها منهارة، تقدمت مسألة النقابة خطوة، ولكن الصراع لا ينبئ بنهاية، أنقذوا صديقة هنومة، ولكنها ستعود للجرى أمام الملاحقة الأمنية، ثم إن الفتاة الصغيرة ستودع حبيبها بالنظرات، فيا له من باب لا ينفتح على سعادة، ويا لها من محطة للأحلام المحبطة.
قناوى ليس أول نقيض للبطل فى تاريخ السينما، سبقته نماذج كثيرة فى أفلام ناجحة، فريد شوقى مثلا كمجرم فى «حميدو»، و«جعلونى مجرما»، ولكن قناوى ليس مجرمًا عاديًا، إنه حالة نفسية معقدة، شخصية مضطربة تنتهى إلى اللوثة العقلية.
«باب الحديد» دراما نفسية صادمة من زوايا متعددة، إنه يطرق باب العقد الجنسية، وعقد النقص، وأزمة المهمشين فى المدينة، وكلها أمور لا تريح الجمهور، يضاف إلى ذلك أنه الفيلم الذى يُضرب فيه ملك الترسو، بينما توقع الجمهور أن يضرب الجميع كالمعتاد، أما هذا الأعرج المضطرب، نصف الأخرس، فهو يزعج الناس مرتين: مرة بهيئته، ومرة لأنه يذكرهم بقاع وهامش المدينة، بينما كانت السينما وقتها تجعلهم فوق سماء المدينة.

التعليقات