حراس الشرفات الخشبية - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 16 مايو 2021 1:19 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


حراس الشرفات الخشبية

نشر فى : السبت 27 يوليه 2019 - 8:15 م | آخر تحديث : السبت 27 يوليه 2019 - 8:15 م

مدينة أنزل الله عليها السكينة، ربما لاتزال تعيش ببركة الحجاج والعمال الذين أثروا تاريخها. القصير هي أقدم مدن البحر الأحمر، منها بدأت الملكة حتشبسوت رحلتها الاستكشافية إلى بلاد بنط، وظلت طويلا ممرا للقوافل التجارية ومعبرا مهما إلى طرق الحج البرية القديمة. لم يكن طريق الحج عبر قفط- القصير إلى مكة المكرمة مقصورا على خدمة حجاج مصر في ذهابهم وعودتهم فقط، بل كان يخدم الحجاج القادمين من المغرب العربي والأندلس وغرب إفريقيا. ولهذا أقيمت الاستراحات وأماكن الحجر الصحي وحفرت الآبار وشيدت الأبراج والحصون لخدمة المسافرين الذين يركبون النيل ليصلوا إلى مدينة قفط أو قوص جنوب مصر، ومنها يتخذون الطريق البري إلى مدينة القصير أو إلى عيذاب (في مثلث حلايب وشلاتين)، حيث الميناء الذي يستقله الحجاج لركوب البحر ومنه إلى الحجاز.
طابع الجزء القديم من مدينة القصير يصارع من أجل البقاء، لكن لايزال يكسبها دفءً مفقودا في أماكن أخرى لا معالم لها. سكانها خليط غريب من الأجناس والأعراق، فبخلاف من ينتمون لقبائل العبابدة المنتشرة في المنطقة، تقابل أحد أصحاب البيوت التقليدية ذات الواجهات الخشبية والأروقة التي تختلف عن المشربيات وتقترب من طراز الحي العربي بالإسماعيلية، فيروي أن جده من حضرموت في اليمن وجدته من إزمير في تركيا، مروا من هنا للحج فاستقروا وعاش أولادهم وأولاد أولادهم. تحتار في لهجته السلسة التي تحمل شيئا من هذا التاريخ الشخصي، وتميزها عن لكنة أهل الصعيد الذين جاء معظمهم من محافظة قنا، بما أن القصير هي أقرب نقطة بين الصعيد والبحر الأحمر، لذا سميت بهذا الاسم. تجري على ألسنة كل من تقابل، سواء الذين ولدوا هنا أو الذين استقروا طواعية في القصير قبل سنوات، جملة تلخص الهدوء ورواق المكان: "كل واحد في حاله". ثم تتبعها غالبا جملة أخرى تدل على إحساس بالهجران، قد تتعلق هذه الجملة بشكوى من سوء مياه التحلية وتخزين مياه الشرب العذبة التي تأتيهم من الصعيد أو اضطرارهم لشرائها، أو قد تأخذ صورة ترحيب حار ورغبة في سرد تاريخ كل ركن وكأنك وقعت على دليل سياحي خاص بك، فخور بأن يعرفك بأصل وفصل كل طوبة، حتى لو ضاعت منه بعض التواريخ والأسماء. ينقل ذلك شعوره إليك بضرورة أن تملأ عينيك بكل لمحة وتفصيلة، لأنك قد لا تراها في الزيارة القادمة، وكأنهم يستشعرون بدورهم كيف يتم تطوير الأماكن القديمة في بلادنا بطمس ملامحها وتضييع طابعها الخاص. يعرفون بالفطرة أننا لا نفهم روح الأماكن، ولا نشعر بما يقوله لنا الحجر الذي يكاد ينطق.
***
تسير قليلا باتجاه البحر، فتظن أن ذلك هو ميناء حتشبسوت، حين يصحح أحدهم المعلومة بأسف: ميناء حتشبسوت كان في موضع أكبر وأقدم المنتجعات السياحية هناك، وتقريبا لم يعد له أثرا. بعدها بخطوات تجد نفسك أمام مسجد الشيخ الفران الذي يرجع تاريخ مئذنته إلى العام 1704م. لا نعلم سوى القليل عن الشيخ المبجل الذي أتى من السعودية، وهو مدفون فيها، لكنه صار بركة البحارة والزوار حين أقام في القصير. الزوار الذين كانوا دون بد يمرون بالكارنيتنة أو مركز الحجر الصحي الذي تمتد أسواره باتجاه المدينة وقسم الشرطة القديم الذي تم التخلي عنه قبل حوالي خمس سنوات، وترك لمصيره المجهول. تتمنى السكن في مبنى القسم الأبيض البديع، بشرفاته الخشبية التي تطل على البحر مباشرة، فكان أحد رموز الدولة التي تستقبل الزائرين. في الدور الأرضي حجرات الحجز وحوش فسيح تزينه الأشجار التي امتدت إليها يد الزمن، تشهد على قصص جنود تناثروا كرمل الصحراء وبحارة كانت لهم صولات وجولات. لا ندري لماذا هجر المبنى وهو في حالة جيدة ويجب قطعا الاستفادة منه، دون طمس معالمه كما يحدث حاليا مع المبنى الحجري المجاور الخاص بمصنع الثلج الذي اشتهر بين الصيادين، ويتم هدمه لتحويله إلى مسرح خرساني، بدلا من الإفادة من المبنى القديم الجميل لاستقبال العروض والأنشطة الفنية، كما يحدث في كثير من الدول التي تعرف الاستفادة بمبانيها الأثرية.
وعندما يأتي دور زيارة القلعة وأبراجها، نصعد الدرج الحجري لنكتشف الحصن الذي وظف منذ بناه العثمانيون عام 1571م. لمراقبة ميناء القصير والساحل المحيط به، بسبب موقعه المرتفع. من هنا انطلق جيش محمد علي لمحاربة الوهابية، وقبلها تصارعت السفن الإنجليزية والفرنسية، وبقيت بعض مدافع هؤلاء لتعرض حاليا إلى جوار مجسم لقوارب صيد الأسماك واللؤلؤ التقليدية التي اشتهرت بها القصير وتسمى "القطيرة"، لكنها اندثرت، مثلما مصنع الفوسفات الذي ذاع صيته منذ إنشائه سنة 1912 على يد الإيطاليين حتى توقف نشاطه في 1995، وهدمت شركة النصر للتعدين في الألفية الثانية التلفريك الخاص بنقل الفوسفات الذي كان يعد من أهم الملامح التاريخية لمدينة القصير.
***
حياة كاملة تقاسمها الطليان القادمون من مدينة أجوردو الإيطالية التي تضم حتى الآن أحد أهم المعاهد المتخصصة في التعدين: مبنى الإدارة الذي يحتوي على حيوانات وطيور محنطة، مستشفى، مدرسة، كنيسة، صالة للسينما، هناجر عمال، بيوت من دور واحد تعلوها حمرة جبال الفوسفات أحيانا، استراحة كبار الزوار التي نزل بها الملك فؤاد ومن بعده ابنه فاروق... كأننا في متحف مفتوح. لكن مع الأسف هذا المتحف قد يسير إلى زوال. وبالفعل حاول أهل القصير قبل شهور التصدي لمحاولة بيع المصنع ومقتنياته بالمزاد العلني، على خلفية النزاع الدائر بين شركة التعدين والمحافظة، ونجحوا في دفاعهم عن تراث مدينتهم، فلدى الكثيرون منهم صورا بالأبيض والأسود لهذا التاريخ المهدد دون سبب مفهوم، سوى رغبة البعض في الإفادة من الموقع والأرض لإقامة مارينا يخوت أو أحد المشاريع السياحية الكفيلة بأن تمحو ما تبقى من آثار تروي الكثير والكثير. زيارة ممتعة لا يجب أن نحرم منها بل يجب العمل على إدراجها ضمن الأماكن الأثرية، فلنترك المدينة لحالها، ونطورها بما يتفق مع طبيعتها وتاريخها، لنظل نتجول في شوارع تحمل أسماء جمال عبد الناصر أو باندونج في إشارة لحركة عدم الانحياز التي نشأت عام 1955، ونتجول بين أرجاء صرح صناعي تعرض للتأميم في مطلع الستينات، ثم ظل يعمل بكفاءة لسنوات.
شرفة خشبية متهالكة تقودنا إلى أخرى، وشارع إلى حارة، ومنه إلى درج حجري، وحارس يجلس على مقعد وحيد عند الأفق، ومن حوله الخلاء. يحرس روح المكان ويندد بمن يريدون تغييره إلى شيء لا يعرفه.

التعليقات