«واحة الغروب».. أن تكسب معركة فتخسر نفسك! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 25 يناير 2020 6:43 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

«واحة الغروب».. أن تكسب معركة فتخسر نفسك!

نشر فى : الخميس 27 يوليه 2017 - 8:50 م | آخر تحديث : الخميس 27 يوليه 2017 - 8:50 م

على الرغم من ملاحظات كثيرة على مسلسل «واحة الغروب»، تتعلق بالكتابة بالدرجة الأولى، فإنه كان من أبرز وأهم الأعمال الرمضانية: تاهت الفكرة من المشاهد، ولم يفهم الكثيرون مغزى رحلة المأمور محمود عبدالظاهر، وشعر الكثيرون بالملل بسبب المطّ وقلة الأحداث، فلم يكملوا المشاهدة، ولكن العمل استعاد بعضًا من جاذبيته فى النصف الثانى منه.. كما أن عناصره الفنية بالذات فى الإخراج (كاملة أبوزكرى)، والتصوير (نانسى عبدالفتاح)، والموسيقى (تامر كروان)، والديكور والإشراف الفنى (فوزى العوامري)، والملابس (ريم العدل)، ظل هو الأفضل بين كل المسلسلات الرمضانية، من البداية حتى النهاية.
كانت المشكلة المحورية، فى رأيى، هى أن صناع المسلسل معجبون إلى درجة الولع بالرواية، وهو أمر طبيعى وضرورى، ولكن هذا الإعجاب جعلهم يرغبون فى نقلها بأدواتها وبإيقاعها وبمونولوجاتها إلى الشاشة، فلم يبذلوا الجهد الكافى لخلق معادل لسرد الرواية، فرأينا خطوطًا منفصلة لا تأتلف، بل لقد شاهدنا فى حلقتين فقط ممثلين فقط تقريبا يتبادلان الحوار هما كاثرين (منّة شلبى) وخالد النبوى (المأمور محمود عبدالظاهر)، كما ظلت المونولوجات بالفصحى للشخصيات، بعيدة عن التوظيف الجيد لها.
وبدا العمل يعانى بوضوح من فقر مزمن فى الأحداث، مع أن الرواية مليئة بها، وكان يمكن الإضافة إليها لتعميق بعض الخطوط، مثلما فعلت مريم نعوم (المشاركة فى كتابة المسلسل) فى إعدادها الذكى لرواية «ذات» للتليفزيون، وكان واضحًا للغاية أن الخطوط الأساسية تبدو منفردة رغم جمالها.
ثم كانت هناك مشكلة فى تحدث سكان سيوة باللهجة القاهرية، وهو اختيار سيئ ليس لأنه لمسة ضد واقعية السرد فحسب، وإنما لأن سكان الواحة لا يشعرون بالانتماء، ويعتبرون القادمين من القاهرة من الغزاة، واختلافهم فى اللغة واللهجة يكرس هذا المعنى، الذى يتسق مع إحدى أفكار الرواية المهمة، وهى صعوبة التواصل بين أشخاص من عوالم متباينة ثقافيا واجتماعيا ولغويا، كما رأينا فى علاقة محمود المضطربة بكاثرين، وعلاقة محمود المضطربة بسكان الواحة، لكل هذا الأسباب، لم يستوعب الكثيرون مغزى كل ما يرونه، كما لم يفهموا مغزى ما فعله محمود فى الحلقة الأخيرة، بعد أن أحرق القسم بدلا من المعبد الأثرى، وربما جاء التغيير حتى لا يعطى تدمير الأثر دلالة داعشية غير مقصودة.
هناك مفتاحان لرواية «واحة الغروب»: الأول بأن تنظر إليها باعتبارها رحلة بحث، والثانى بأن تنظر إليها كتجربة للاختيار، وفى كلتا الحالتين يستخدم بهاء طاهر أدواته بذكاء تحت ستار من السرد الشيق. مفردات مثل «العاصفة» و«الأطلال» و«السراب» و«الضرائب».. ستحمل معانى مزدوجة فى معركة محمود الداخلية مع نفسه، وفى معركة كاترين أيضا مع ذاتها.
من مفاتيح «واحة الغروب» الأساسية أيضًا أن الحرب فى داخل الإنسان، وليست فى خارجه، وإذا لم ينتصر فيها، سيعيش متألمًا ومؤلما لكل المحيطين به، الصراع داخل كاترين ومحمود والشيخ يحيى ومليكة، وكل واحد منهم يحاول أن يحل هذا الصراع بطريقته: كاثرين عادت للقاهرة، ومحمود تخلص من حياته، والشيخ يحيى هرب إلى العزلة، بينما دفعت مليكة حياتها ثمنًا لحريتها.
بهاء طاهر يقول لنا فى «واحة الغروب»: الصحراء بداخلكم، والواحة أيضًا، اختاروا كما تشاءون، ولكن تذكروا أن المعبد الذى لا يحمى صاحبه، ولا يحقق له الخلاص، ولا يعيد إليه إنسانيته وصدقه المفقود، يستحق حتمًا الهدم والتدمير.
فى كل الأحوال، فإن «واحة الغروب» المسلسل فتح آفاقًا كبيرة أمام المزيد من إعداد الروايات المصرية المهمة للدراما التليفزيونية، وهو أمر يجب أن يتواصل.

التعليقات