«قواعد العشق الـ40».. الرومى يتحدّى التعصب - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الخميس 21 نوفمبر 2019 10:25 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

«قواعد العشق الـ40».. الرومى يتحدّى التعصب

نشر فى : الخميس 27 أبريل 2017 - 9:15 م | آخر تحديث : الخميس 27 أبريل 2017 - 9:15 م

سعدتُ كثيرا بتقديم المسرح الحديث لمسرحية مأخوذة عن رواية إليف شافاق الشهيرة «قواعد العشق الأربعون»، والتى سردت فيها رحلة روحية هائلة، تجعلك تعيد تعريف الأشياء، وتحريض لذيذ على أن تكتشف كنزا بداخلنا اسمه القلب، مفتاحه العشق، وحدوده السماء.
جاء العرض المسرحى بعنوان «قواعد العشق الـ40»، إعداد مسرحى وإشراف على الكتابة رشا عبدالمنعم، وإخراج عادل حسان، شاهدته على مسرح السلام وسط جمهور كبير، وكان انطباعى العام جيدا، ولكن سعادتى الأكبر كانت لأن هذا الاختيار يعكس وعيا ونضجا.
مسرحية عن المتصوف العظيم جلال الدين الرومى ليست مسرحية عن الماضى، ولكنها مسرحية حاضرة بانتصارها (مثل رواية شافاق) للتسامح والتنوع، وبتذكيرنا بالجهاد الأعظم، وهو جهاد النفس، وتهذيب الروح، وذلك فى زمن الفتنة والتجارة بالدين، وفى عصر يذبح فيه الناس ويتم تفجيرهم باسم الدفاع عن الله، وفى زمن الفتاوى العجيبة عن رضاع الكبير، ودخول الحمام بالقدم اليمنى، وفى فترة انحطاط فكرى مؤلمة جعلت من الحمقى والنصابين والجهلاء أوصياء على الإسلام، اختطفوه وصدقوا أنفسهم.
جاء استدعاء تجربة جلال الدين الرومى ذكيا ومؤثرا؛ لأن أساسها المحبة لا الكراهية، الداخل لا الخارج، القلب لا ثرثرة اللسان، والوصول الروحى جنة، لا يطمح بعدها الإنسان إلى شىء، فلا هو يعبد خالقه لأنه يخاف من النار، ولا هو يعبده طمعا فى الحور العين، ولكنه يعبده لأنه يحبه، الحب لا الكراهية طريق معرفة الله، وكلها أفكار تضرب التعصب والإرهاب باسم الدين فى مقتل.
اختلف الإعداد المسرحى عن الرواية التى هى فى حقيقتها قصتان متداخلتان: إحداهما عن اللقاء الذى غيّر حياة جلال الدين الرومى فى القرن الثالث عشر، عندما قابل الدرويش المتجول، والعاشق الحكيم شمس التبريزى، والثانية هى قصة اللقاء الذى سيغيّر حياة سيدة أمريكية تدعى إيلا، عندما تلتقى فى القرن الحادى والعشرين روائيا متصوفا ومصورا يدعى عزيز زاهارا.
ترسم إليف خطا واصلا بين القرنين، وبين شخوصها: عزيز يكتب رواية عن الرومى وشمس التبريزى، يرسلها إلى وكالة أمريكية تعمل فيها إيلا، تكتشف إيلا كلا من الرومى وشمس وعزيز معا، تغيّر جلال الرومى عندما وجد شمس، قرينه والمرآة التى شاهد فيها روحه، لم يعد الرومى مجرد فقيه، أصبح شاعرا، تعلم الرقصة السماوية، المعراج الحركى الذى يجسد خفة الروح وانطلاقها، صار ترجمانا للحب والعشق الإلهى.
ظلت إيلا تعيش حياة فارغة حتى قرأت رواية عزيز، ثم تواصلت معه عبر البريد الإلكترونى، وقابلته قرب نهاية الرحلة، الزوجة التقليدية التى صمتت على خيانات زوجها الطبيب الناجح، والتى تتدخل فى حياة أبنائها، وتقضى وقتها فى الطهى، وتنكر وجود الحب والعشق، ستسمع أخيرا صوت قلبها، ستطلب الطلاق، لكى تسهر على رعاية عزيز فى أيامه الأخيرة، يلتقى القرن الحادى والعشرون بالقرن الثالث عشر، عندما يذهب عزيز وإيلا فى النهاية إلى قونية، موطن الرومى وحكايته مع شمس التبريزى.
يتخذ بناء الرواية شكلا دائريا متعدد الطبقات مثل ثوب الدرويش الثمل بالدوران والصعود، وإذ تتداخل حكاية الرومى وشمس، مع قصة إيلا وعزيز، تتعدد الأصوات فى تناغم بديع، ويمتزج الذاتى بالموضوعى، وتبدأ الرحلة من الأرض الصلبة إلى الماء المتغير وصولا إلى الريح التى تتحدّى والنار التى تحطم، وفى الجزء الأخير نصل إلى الفراغ، يقتل الحاقدون شمس التبريزى، ويموت الرومى، ويدفن عزيز فى قونية، الموت ليس نهاية عند المتصوفة، ولكنه زفاف للروح، وفناء فى المعشوق بعد طول جهاد ومشقة.
وعلى مدى صفحات الرحلة، تتناثر قواعد العشق الأربعون على لسان الدرويش/ المرآة شمس التبريزى، أربعون حكمة ترسم خرائط القلب، وتعيد اكتشاف تلك الطاقة العاشقة المختبئة، يصل توظيف هذه القواعد فى خدمة البناء الروائى، وفى الكشف عن معنى التصوف، إلى مستويات رفيعة حقا، فلا تفقد أبدا متعة الحكى المشوق، ولا معنى الحكمة الخالدة.
تضيف الرواية نجاحات متعددة، ذلك أنها تكشف عن دراسة عميقة لمعنى التصوف، بل إنها تقدم المعنى الحقيقى للأديان كلها بوصفها وسائل وليست غايات، تستهدف فى النهاية عشق الخالق والعودة إليه، وكأننا أشعة هاربة تعود إلى شمسها، تنتهز إليف شافاق الفرصة لكى تسقط الصراعات فى عصر الرومى على قضايا العصر الحديث، ما زالت الأرواح تنتظر«شمسا» يخلصها من الفراغ الروحى الذى لم يملؤه النجاح أو الشهرة أو الثروة، وما زال المتعصبون يطمسون القلوب والأفئدة مع أنها أقرب طرق الوصول إلى خالقها.
المسرحية اكتفت بحكاية الرومى وشمس التبريزى، فافتقدنا الخط المعاصر الذى يدعم الفكرة ويقويها، ولكن معنى الرحلة كلها كان واضحا، سواء عبر المعاناة الروحية للرومى، أو نتيجة الصراع بين الحياة اليومية الخشنة، والمعانى الصوفية العميقة، وددت لو كان الحوار أقل وأكثر شاعرية وشفافية، بدلا من أن يكون شارحا وإخباريا، ولولا تلك الأغنيات البديعة التى قدمها المنشد سمير عزمى، من ألحان د. محمد حسنى، ومن أشعار عمر بن الفارض، سلطان العاشقين، لكان هذا العيب واضحا.
هناك جهد الكبير للمخرج عادل حسان فى تحريك ممثليه عبر طبقات الديكور المميز (مصطفى حامد)، وعلى اتساع خشبة المسرح، والإيحاء الذكى بالانتقال عبر الزمان والمكان، والاستخدام الدرامى الجيد لإضاءة إبراهيم الفرن.
ربما كانت الكتابة التى اشتركت فيها ياسمين إمام، وكذلك خيرى الفخرانى، فى حاجة إلى كثير من التكثيف، وإلى الدخول من دون مقدمات طويلة إلى الأهم، وإلى الإعتماد على الدراما وحدها بدون عبارات مفسرة، كتلك العبارة التى سمعناها بعد إغلاق الستار، عن التأكيد بأن اختفاء شمس، لن يمنع الناس من البحث عن شموس أخرى للهداية، ملاحظة أخرى هى أن مشهد النهاية، الذى يتضمن الرقصة العظيمة وقتل شمس معا، كان أقل بكثير من أهميته، إنه خلاصة الرحلة، وجائزتها الروحية الباهرة، ولكنه مر مرورا عاديا، وباثنين فقط من راقصى المولوية العربية!
بطولة المسرحية كانت لممثلين وممثلات من الموهوبين حقا، وددت فقط لو أدّى بهاء ثروت، وهو مشخصاتى ممتاز، وله حضور فائق، دور الدرويش شمس التبريزى بعمق أكثر، بانفعال داخلى بكل كلمة، مثلما فعل فى مشهد مواجهته للشيخ الذى يكرهه، شمس هو المرآة التى يرى فيها الرومى روحه، وليس مجرد رجل يلقى تعاليمه بصوت محايد كمدرس فى مدرسة.
لا تقلل هذه الملاحظات أبدا من جهد القائمين على العرض، لكم أن تفخروا بأنك تقاومون الكراهية بالفن، ولكن أن تسعدوا بمهنتكم العظيمة كفنانين ينشرون الجمال والمحبة، ويمنحون الناس الأمل، أغادر المسرح وفى سمعى أغنية جميلة يختتم بها العرض من أشعار عمر بن الفارض تقول:
«زدنى بفرطِ الحبِّ فيكَ تحيُّرا / وارحمْ حشى بلظى هواكَ تسعَّرا»
وترن فى أذنى إحدى قواعد العشق الرومية الكبرى:
«يوجد مكان واحد فقط تستطيع أن تبحث فيه عن الله، وهو قلب عاشق حقيقى».
شكرا للمسرح الحديث، لفنانيه، ولمديره أشرف طلبة.

التعليقات