خواطر المئوية الأولى لوزارة الخارجية - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الإثنين 4 يوليه 2022 4:46 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

خواطر المئوية الأولى لوزارة الخارجية

نشر فى : الأحد 27 مارس 2022 - 8:05 م | آخر تحديث : الأحد 27 مارس 2022 - 8:05 م
كنت أتمنى أن يكون الاحتفال بمئوية وزارة الخارجية منذ أسبوعين مناسبة لنقاش متعمق حول التحديات التى تواجهها فى وضع جديد عليها، بالنسبة لموقع مصر على خريطة السياسة العربية، أو فى خضم التحولات الجارية على صعيد النظام العالمى. طبعا نشرت بعض الصحف مقالات تشيد بما أنجزته الوزارة. الاحتفال والابتهاج مشروعان ومستحقان مع مرور مائة عام على تحول نظارة الخارجية إلى وزارة تواكبا مع انتقال مصر من محمية إلى دولة مستقلة، حتى ولو كانت هناك قيود على هذا الاستقلال تمثلت فى التحفظات الأربع فى إعلان ٢٨ فبراير ١٩٢٢ الذى كان مقدمة التغير فى مركز مصر الدولى، والذى اكتمل على مراحل بعد ذلك بإبرام معاهدة ١٩٣٦ التى سميت بمعاهدة الشرف والاستقلال ثم بجلاء القوات البريطانية عن مصر فى يونيو ١٩٥٦ بعد قرابة عامين من توقيع اتفاقية جلاء هذه القوات فى أكتوبر ١٩٥٤. الاحتفال بوزارة الخارجية هو احتفال بمؤسسة هى واجهة مصر أمام العالم الخارجى، وهى التى تولت الدفاع عن مصالح مصر فى المحافل الدولية، وهى التى تحافظ على معايير المهنية فى اختيار من يعملون فى بعثاتها ومن يديرون أمورها، وهى التى عرف العالم كله كفاءتهم عندما تولى اثنان من رجالها أرفع المناصب العالمية مثل الدكتور بطرس بطرس غالى وزير الدولة للشئون الخارجية الذى أصبح أمينا عاما للأمم المتحدة، وإن كان قد جاء إلى الخارجية من مقاعد أساتذة جامعة القاهرة، والدكتور محمد البرادعى الذى أدار الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد أن خدم سنوات فى بعثتى مصر بنيويورك وجنيف. وغيرهما آخرون ربما أقل شهرة. ومع ذلك فلن يكتمل الاحتفال بوزارة الخارجية إلا بتذكيرها بأن عليها أن تجد طريقة للتكيف مع أوضاع جديدة تواجهها على الصعيد الوطنى، وفى الوطن العربى والشرق الأوسط عموما، وعلى مستوى العالم. وهذا هو موضوع هذا المقال.

لم تعد وزارة الخارجية المؤسسة الوحيدة المشتغلة بسياسة مصر الخارجية

ربما كان العصر الذهبى لوزارة الخارجية هو العقود الخمسة الأولى فى حياتها، فى ظل كل من العهد الملكى، وطوال فترة حكم الرئيس جمال عبدالناصر، فقد كانت هى المؤسسة الوحيدة التى تتولى تنفيذ سياسة مصر الخارجية، تقدم المشورة لرئيس الوزراء فى العهد الملكى، ولرئيس الدولة فى العهد الجمهورى، وهى التى تضطلع بترجمة سياسة مصر الخارجية إلى مواقف واتصالات مع الحكومات الأجنبية، وكان هناك توحد بين شخص رئيس الوزراء أو رئيس الدولة وقيادات وزارة الخارجية. بل لقد جمع رئيس الوزراء فى مصر فى العهد الملكى أحيانا وفى أوقاته العصيبة بين المنصبين. اشترك من تولوا هذين المنصبين ــ الرئيس والوزير ــ فى السعى لتحقيق استقلال مصر فى العهد الملكى، وكانت توجهات جمال عبدالناصر محل إيمان وحماس من عملوا فى وزارة الخارجية طوال عقدى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى. لم يخل الأمر من بعض تحفظات همس بها البعض فى عهد عبدالناصر، ولكن يمكن القول، وعن معرفة بكثير ممن تولوا مناصب هامة فى تلك الفترة، كان التأييد لهذه السياسات حارا وصادقا، كان الإخلاص فى التعبير عنها ملموسا فى المنظمات والمؤتمرات الدولية والإقليمية، وخصوصا أن هذه المواقف جعلت من مصر قائدة للأمة العربية وواحدة من القوى الرئيسية فى حركة عدم الانحياز وفى تجمعات الدول حديثة الاستقلال والتى سميت فى تلك الفترة بالعالم الثالث. طبعا شاركت أجهزة أخرى فى الدولة، وخصوصا بعض الاجهزة الامنية فى جمع المعلومات وفى تنفيذ بعض الأنشطة التى كانت تقتضى السرية، ولكن كانت وزارة الخارجية هى المؤسسة الحكومية الوحيدة التى تتولى التواصل مع العالم الخارجى باسم مصر، طبعا بالاستعانة بالوزارات الأخرى فى القضايا الفنية التى تقتضى ذلك.
تغير ذلك الأمر تدريجيا مع مجىء الرئيس السادات، واستمر بعده. ظهر الخلاف بين الرئيس السادات ووزيرين توليا وزارة الخارجية عندما أعلن أولا عن رغبته فى زيارة إسرائيل، وهو ما أدى إلى استقالة المرحوم إسماعيل فهمى فى نوفمبر ١٩٧٧، ولحقه المرحوم محمد إبراهيم كامل الذى أعقب فهمى فى الوزارة، فاستقال بدوره فى سبتمبر ١٩٧٨، احتجاجا على منهج السادات فى مفاوضات كامب دافيد مع إسرائيل. وفى التمهيد لزيارة القدس اختار الرئيس السادات المرحوم السفير حسن التهامى الذى كان من بين الضباط الأحرار، وهو الذى التقى بموشى ديان فى المغرب بدون علم وزير الخارجية استعدادا لهذه الزيارة، كما نشب الخلاف بين الرئيس السادات وفريق وزارة الخارجية الذى صحبه فى مفاوضات كامب دافيد فى صيف ١٩٧٨، وكانت حجة الرئيس السادات أن كبار المسئولين فى وزارة الخارجية مشغولون بالتفاصيل الفنية الصغيرة بينما هو يضع الاعتبارات الاستراتيجية نصب عينه، وتحول الأمر فى عهد الرئيس حسنى مبارك إلى أن أصبح يعهد إلى بعض وزرائه بإدارة العلاقات مع دول معينة بعيدا عن وزير الخارجية، فدول الخليج تولاها المرحوم عاطف عبيد، والعلاقات مع ليبيا القذافى تولاها صفوت الشريف، والعلاقات مع إسرائيل تولاها مكتب الرئيس. وقد بدأ دور بعض الاجهزة الامنية ــ ليس فقط فى تنفيذ السياسة الخارجية لمصر ولكن فى رسمها كذلك ــ يتصاعد فى عهد الرئيس مبارك.
طبعا وزارة الخارجية لا تصنع السياسة الخارجية لمصر، فالذى يرسم خطوطها العريضة هو رئيس الدولة، وهذا وضع لا تنفرد فيه مصر عن باقى دول العالم، فهذا هو السائد فى الدول الكبرى والصغرى، المتقدمة منها والأقل تقدما. بايدن وبوريس جونسون وماكرون هم الذين يحددون التوجهات الكبرى لبلادهم، كما هو الحال بالنسبة لفلاديمير بوتين وشى شين بنج، وعندما يختلف وزير الخارجية مع رئيس الدولة، فإنه يفقد منصبه، ولكن العلاقة بين رئيس الدولة أو الحكومة ووزارة الخارجية فى بلده يسودها عادة التوافق، ومن ثم تصبح هذه الوزارة قادرة على ترجمة سياسات الدولة والتعبير عنها على أفضل وجه. ولكن وزارة الخارجية تصبح فى وضع صعب عندما تتفاجأ بمبادرات أو مواقف لرئيس الدولة لم يوضحها لكبار العاملين فيها أو علموا عنها من الصحف، مثلهم مثل سائر المواطنين.

لم يعد العالم العربى ولا الشرق الأوسط ما كانا عليه فى العصر الذهبى لوزارة الخارجية

لم يكن غريبا أن يكون لمصر دور قائد فى الوطن العربى منذ الأربعينيات بحكم أنها كانت من أوائل الدول العربية التى حصلت على الاستقلال، وبحكم وزنها الاقتصادى والثقافى وكذلك بشجاعة قادتها فى التعبير عما بدا أنه مطالب عربية عامة فى التحرر من السيطرة الأجنبية، ومن تعميق الروابط بين الدول العربية، ولكن بدأ هذا الوضع فى التغير منذ سبعينيات القرن الماضى، فقد انفردت مصر بعقد صلح مع إسرائيل، وهو ما اعترضت عليه معظم الحكومات العربية فى ذلك الوقت، وهو ما باعد مصر عن قيادة الدول العربية التى قررت فى ذلك الوقت مقاطعة الحكومة المصرية، ثم مكنت الطفرة فى أسعار النفط عددا من الدول العربية أن تنهض باقتصاداتها وأن تقطع على طريق التحديث شوطا بعيدا، وأن تملك من الموارد المالية ومن العلاقات مع دول العالم ما مكنها من أن تصبح فاعلا مؤثرا على الصعيد الإقليمى بل والعالمى بالنسبة لبعضها، ومع الصعوبات التى واجهها الاقتصاد المصرى والتشابك بينه واقتصادات هذه الدول أصبحت الحكومة المصرية تولى اهتماما كبيرا للحفاظ على علاقات ودية مع هذه الدول، حتى وإن بدا أن بعض مواقفها تسبب لها حرجا، ولذلك انتقلت المبادرة فى صنع السياسات الإقليمية إلى دول مثل الإمارات والمملكة العربية السعودية وقطر، وكان على الحكومة المصرية أن تتكيف معها.
واقترن ذلك أيضا بتصاعد الدور الإقليمى للدول غير العربية فى الشرق الأوسط بسبب نمو قدرات هذه الدول الاقتصادية والعلمية والعسكرية، وأصبحت هذه الدول، كلها تدخل فى تحالفات مع دول عربية على نحو لا يتوافق مع مصالح مصر الوطنية والقومية، وهكذا أصبح على السياسة الخارجية المصرية، ووزارة الخارجية هى أهم مؤسساتها وظيفيا، أن تواجه هذه التطورات فى الموازين الإقليمية لها ولدول مثل إسرائيل وتركيا وإيران، وهكذا انتهى العهد الذى كانت مصر هى الزعيم الذى لا ينازع فى الوطن العربى، بل ويملك التأثير بل والمواجهة الناجحة للدول غير العربية فيه، وهو ما يخلق أوضاعا غير مريحة للخارجية المصرية، ولكن عليها أن تتعايش معها.

كيف ندير علاقاتنا بالقوى الكبرى؟

وأخيرا لم تعد إقامة علاقات متوازنة مع القوى الكبرى أمرا سهلا عندما تدخل هذه القوى فى صراع لا يعلم أحد متى ينتهى، وعندما تسعى هذه القوى إلى اكتساب تأييد الدول التى ليست طرفا فى صراعاتها بل ويمكن أن تعاقب هذه الدول بقطع المعونات عنها إن كانت تتلقى معونات، أو بعدم تأييدها فى المنظمات المالية الدولية التى قد تلجأ إليها أو بممارسة ضغوط عليها فى مجالات شتى لن تجد صعوبة فى استغلالها بحكم التشابكات العديدة بين دول العالم بحكم العلاقات غير المتكافئة بين المراكز والأطراف فى النظام العالمى. كان الأمر سهلا عندما كانت هذه القوى الكبرى تتواصل فيما بينها، ولكنه أصبح شائكا عندما عاد شبح الحرب الباردة من جديد، وعندما لا يستبعد أحد أن تنقلب هذه الحرب الباردة إلى مواجهة أكثر سخونة مثلما نشهد فى الوقت الحاضر فى المواجهة بين الاتحاد الروسى ودول حلف الأطلنطى حول أوكرانيا.

تمنياتنا لوزارة الخارجية وهى تبدأ مئويتها الثانية

هذه هى بعض الأفكار التى كنت أود أن تكون موضوعا للنقاش فى عصف فكرى يليق بوزارتنا العتيدة، والتى أملك نحوها الكثير من الود فقد ربطتنى علاقات صداقة مع بعض أقطابها البارزين، وكثرة من طلابى السابقين هم من بين دبلوماسييها النابهين، كما استضافتنى فى عديد من المناسبات فى مصر وخارجها. وأملى هو أن تساعد مصر وزارة الخارجية، ليس بالضرورة أن تمدها بمزيد من الأموال، ولكن بأن تقطع أشواطا طويلة على طريق التنمية الحقيقية، فتملك مصر من الموارد العلمية والاقتصادية والبشرية ما تنافس فيه القوى الإقليمية الصاعدة، وأن يبدع الخيال المصرى رسم دور لسياسة مصر الخارجية يجعلها المعبر الأمين عن تطلعات شعوب الوطن العربى والشرق الأوسط إلى الكرامة والسلام القائم على العدل.
مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات