حكايات صلاح عيسى! - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
السبت 30 مايو 2020 2:30 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

حكايات صلاح عيسى!

نشر فى : الجمعة 27 مارس 2020 - 9:50 م | آخر تحديث : الجمعة 27 مارس 2020 - 9:50 م

ــ1ــ
أنتمى إلى الجيل الذى عشق التاريخ وأولع بكل ما هو تاريخى بسبب كتابات أحمد بهاء الدين، ومحمد حسنين هيكل، وصلاح عيسى. ولو شئنا تحديدًا أدق لقلنا بسبب ثلاثة كتب بعينها؛ «أيام لها تاريخ» لأحمد بهاء الدين، و«زيارة جديدة للتاريخ» لمحمد حسنين هيكل (من وجهة نظرى أجمل وأمتع ما كتب هيكل)، وأخيرًا «حكايات من دفتر الوطن» للراحل الكبير صلاح عيسى.
وقد أحسنت دار الكرمة بتيسيرها طبعة جديدة أنيقة من «حكايات من دفتر الوطن» و«هوامش المقريزى»؛ وكلاهما من أشهر كتب صلاح عيسى، وأكثرها ذيوعا وانتشارا وطلبا.
ــ2ــ
من لم يسمع صلاح عيسى، وهو منطلق الحديث متصل الحكى، فاته الكثير من المعرفة والثقافة والنظر والرؤية.
يحكى لك الحكاية بطريقته المخصوصة المشهورة عنه، وبحة صوته المميزة، وتدفقه المذهل فى الحوار، وانتقالاته السلسة من فكرة لفكرة وموضوع لموضوع، كان رحمه الله متحدثا بارعا مثلما كان كاتبا مجيدا. أحد القلائل الذين رُزقوا مهارة الحديث المفصل المطول المتصل فى أى موضوع؛ أفكاره مرتبة دائمًا، ومعلوماته حاضرة وذكرياته لا تنتهى؛ وقدرته على تأطير أى موضوع وتحديد سياق له مهارة تستحق النظر والدراسة والتأمل؛ كان فعلا كما وصفه كاتبنا الكبير علاء الديب «ظاهرة تتميز بالحدة والأمانة والإصرار على صياغة موقف متكامل للمثقف من السلطة ومن المجتمع».
ــ3ــ
كان من حظى أننى التقيته وحاورته أكثر من مرة، وفى أكثر من مناسبة. أعتز كثيرًا بالحوارات التى أجريتها معه (حوارات مطولة؛ نشرت فى حينها، عن الثقافة والمثقفين والسلطة والتاريخ والحداثة، وعنه هو شخصيا، وتجربته فى الصحافة والعمل النقابى، وكان آخر حوار أجريته معه بمناسبة صدور العدد الألفى من جريدة التحرير 2013).
وما زلتُ عند ظنى بأن هذه الحوارات تمثل، من وجهة نظرى، شهادات تاريخية، بل وثائق غاية فى الأهمية فى السياقين السياسى والاجتماعى اللذين كانت تمر بهما مصر منذ 2011 وحتى رحيله عنا قبل عامين، لقيمة من أجريت معه، وخبراته وتجاربه الإنسانية والصحفية الكبيرة أولًا، وثانيا كانت ملاحظاته وتحليلاته دائمًا محل تقدير واحترام (حتى لو اختلفت معها)؛ لأنها تحمل وجهة نظر متماسكة، ولها سند من التاريخ أو الواقع أو كليهما معا.
ــ4ــ
وصلاح عيسى من أهم المؤرخين المصريين «من غير الأكاديميين»، المنضوين تحت لواء مدرسة التاريخ الاجتماعى، وله فى هذا المضمار من الكتب والدراسات ما يشهد بأنه من القلائل الذين ثابروا وفتشوا ونقبوا عن تفاصيل ووقائع وأحداث وشخصيات من التاريخ المصرى الحديث والمعاصر، ليخرج لنا سلسلة كتبه الشهيرة بعنوان جامع «حكايات من دفتر الوطن»؛ وهى لا غنى عنها للقارئ المعاصر، المتخصص، وغير المتخصص على السواء، منها كتابه الضخم عن «الثورة العرابية»، و«رجال ريا وسكينة»، و«مثقفون وعسكر»، و«رجال مرج دابق»، و«البرنسيسة والأفندى»، و«تباريح جريح»، و«شخصيات لها العجب».. وغيرها، بالإضافة إلى كتاباته فى الشأن السياسى، ومتابعاته التى لم تكن تخلو أبدا من «مشاغبات»..
ــ5ــ
وهذه المجموعة البديعة من الحكايات التى أطلق عليها «هوامش المقريزى» لم أقرأها من قبل؛ وإن كنت قرأت الكثير من كتب صلاح عيسى ومقالاته واستمتعت بها وما زلت أنظر بإكبار وتقدير إلى كل ما خطه صلاح عيسى بجرأته المحببة وأسلوبه الذى لا يُبارى؛ رحمه الله كان من القلائل الذين استوقفتنى طريقة صياغتهم لمعارفهم الإنسانية والصحفية والتاريخية..
بالتأكيد كان صاحب أسلوب حقيقى وقدرة فذة على النبش والتنقيب فى كتب التواريخ والحوليات، والغوص ببراعة لا تُبارى فيما أسميه «الأرشيف الحى للمصريين»؛ من قلب السجلات الرسمية، ومحاضر الشرطة، وتقارير المسح الاجتماعى صاغ صلاح عيسى «حكايات من دفتر الوطن»، ودوَّن «هوامش المقريزى» وأضاء مساحاتٍ من التاريخ الاجتماعى والثقافى والسياسى للمصريين غاية فى القيمة والجمال معًا!
حتى الرمق الأخير، كان فى جعبة صلاح عيسى الكثير ليرويه من «حكايات من دفتر الوطن»، ومن «حكايات من مصر» منها ما تم فصولا، ومنها ما كان يستعد لكى يتخلق شاهدًا على العصر، ومؤرخًا لوطن يجاهد للتخلص من أسر ثقافة متكلسة إلى أخرى مغايرة؛ لكن ورغم ذلك كان يرى دائما أنها مهما تأخرت لكنها آتية بلا ريب، ومعها إعلان الخروج من النفق ومواجهة الأنوار...
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته...

التعليقات