روسيا ومصر وتحديات صنع السياسة الخارجية بعد انتهاء الحرب الباردة - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الإثنين 4 يوليه 2022 4:58 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

روسيا ومصر وتحديات صنع السياسة الخارجية بعد انتهاء الحرب الباردة

نشر فى : الأحد 27 فبراير 2022 - 8:40 م | آخر تحديث : الإثنين 28 فبراير 2022 - 1:32 م

طرح انتهاء الحرب الباردة ومع انهيار الاتحاد السوفيتى وسقوط حلف وارسو تحديات كبرى أمام صناع السياسة الخارجية فى كافة أنحاء العالم، فقد تميزت فترة الحرب الباردة بوجود مناطق نفوذ معترف بها، وتوزيع للقوة على مستوى العالم وبقواعد للاشتباك موضع احترام من كافة أطراف النظام الدولى وفى مقدمتها كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى اللذين قادا كلا فى معسكره الكتلتين الرئيسيتين فى نظام دولى ثنائى القطبية.

ضمن ذلك للاتحاد السوفيتى مكانة معتبرة على قمة النظام الدولى كان من الصعب تجاهلها فى أى حوار حول قضايا الأمن والسلام العالمى. وساد وضع مشابه فى الشرق الأوسط. نظام التحالفات الرسمى ومواضع القواعد العسكرية رسمت مناطق النفوذ الغربية وتركت الدول الأخرى مسرحا للتنافس بين المعسكرين، ولكن مع احترام قواعد الاشتباك التى تحول دون أن يؤدى هذا التنافس إلى صراع مسلح بين قطبى النظام الدولى، وهو ما أكدته بوضوح مواقف كل منهما إبان العدوان الثلاثى على مصر وأثناء حرب أكتوبر 1973. وقفت الولايات المتحدة فى الأولى ضد كل من بريطانيا وفرنسا خشية أن يؤدى عدوانهما الذى شاركت فيه إسرائيل إلى تدخل عسكرى سوفيتى، ومارس القطبان ضغوطهما على كل من إسرائيل وسوريا ومصر لوقف العمليات العسكرية بعد ثلاثة أسابيع من بدء حرب أكتوبر، والتى وصل التوتر أثناءها بين هذين القطبين حدا دعا ريتشارد نيكسون رئيس الولايات المتحدة فى ذلك الوقت لوضع الولايات المتحدة فى وضع الاستعداد لحرب نووية مع الاتحاد السوفيتى. وكان توزيع القوة بين دول الشرق الأوسط حتى بداية سبعينيات القرن الماضى يضمن لمصر مكانة متميزة فى حدود الإقليم. كان اقتصادها هو الأكبر بين الدول العربية، وجيشها من الأقوى على صعيد الإقليم، وسمح النظام ثنائى القطبية لها بهامش واسع للحركة جعلها بالفعل القائد بين الدول العربية وطرفا فاعلا على مستوى العالم الثالث وخصوصا فى حركة عدم الانحياز.

سمات الوضع العالمى الجديد
تغيرت كل هذه الأوضاع بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط النظام ثنائى القطبية. لم يعد للاتحاد الروسى مناطق نفوذ معترف بها تسمح لقواته بالتدخل لوقف أى تحد لقيادته من جانب عناصر منشقة على الحزب الشيوعى الحاكم كما كان الحال فى المجر فى نوفمبر 1956 أو فى تشيكوسلوفاكيا فى أغسطس 1968. فى الحالتين لم يتجاوز رد فعل دول حلف الأطلنطى إصدار بيانات مستنكرة. وعلى العكس من الوعد الذى يقول الروس أن جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكى قطعه على نفسه فى مواجهة الرئيس الروسى ميكائيل جوربانشوف فى فبراير 1990 بعد سقوط حائط برلين بأن تحقيق الوحدة الألمانية والبقاء فى ألمانيا الموحدة لن يعقبه توسع حلف الأطلنطى فى شرق أوروبا. العكس تماما هو الذى جرى، فقد انضمت كل الدول الأعضاء السابقة فى حلف وارسو إلى حلف الأطلنطى، ومعظمها انضم خلال تولى فلاديمير بوتين رئاسة روسيا، وتشمل هذه الدول أربعا تقع على حدود روسيا وهى بولندا ودول البلطيق الثلاث: ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا. التى كانت انضمت إلى الحلف خلال رئاسة يلتسين. ورفضت الولايات المتحدة فكرة انضمام روسيا إلى حلف الأطلنطى، مما غذى شكوك الروس فى أن توسع الحلف سيكون تهديدا محتملا لأمنهم القومى. كما تدهور وضع الاتحاد الروسى فى توزيع القوة الشاملة على المستوى العالمى، فمكانته متواضعة فيه مقارنة بقوى صاعدة فى مقدمتها الصين التى توشك أن تتربع على قمة هذا الاقتصاد باعتبارها صاحبة أكبر حجم للناتج المحلى الإجمالى، كما أن دولا أخرى كبيرة وصغيرة تتفوق على روسيا تكنولوجيا، ولكن بقى لروسيا ترسانتها العسكرية الثانية على مستوى العالم، وصناعات عسكرية تتنافس مع الصناعات العسكرية للدول الغربية، وحجم إنتاجها الكبير من المواد الأولية ومصادر الطاقة، وخاصة النفط والغاز الطبيعى. ومع ذلك استمرت قواعد الاشتباك الموروثة عن فترة الحرب الباردة قائمة، فيجب تجنب الاشتباك العسكرى المباشر مع الولايات المتحدة وحلفائها حتى لو اقتضى الأمر التواجد والنشاط العسكريين فى نفس الدولة، كما تشهد على ذلك الترتيبات المتفق عليها بين القيادات العسكرية الروسية والأمريكية والإسرائيلية فى سوريا.
جرت تطورات مماثلة على صعيد إقليم الشرق الأوسط، تخلخلت مناطق النفوذ السابقة. أصبحت كلها مجالا للتنافس بين القوى الكبرى فى النظام الدولى، ولم تعد أى دولة حكرا على واحدة فقط من تلك القوى بما فى ذلك إسرائيل التى أصبحت تملك علاقات وثيقة مع كل من روسيا والصين إلى الحد الذى سبّب قلقا للإدارات الأمريكية، ونفس الأمر بالنسبة لدول الخليج وتركيا التى ما تزال تحافظ على عضويتها بحلف الأطلنطى، ولكنها تقبل على شراء واستخدام نظم دفاعية روسية تتعارض مع النظم الدفاعية التى يقرها الحلف. لم تعد مصر صاحبة أكبر اقتصاد بين الدول العربية إذ تتفوق عليها السعودية، وأصبحت دول أخرى فى الشرق الأوسط تملك أسلحة كالسلاح النووى أو الصواريخ بعيدة المدى أو الأقمار الصناعية المصنعة محليا، كما تحولت مصر من دولة تقرض الدول الأخرى فى الوطن العربى إلى دولة تعتمد على ما تحصل عليه من معونات واستثمارات من تلك الدول. ونتيجة لذلك كله لم تعد مصر هى صاحبة المبادرة فيما يخص شئون الإقليم، وفقدت القدرة على تشكيل البيئة الإقليمية، حتى فى الدول والمناطق على حدودها سواء فى غزة أو السودان أو ليبيا.

استخدام القوة المسلحة وسيلة كسب النفوذ فى وضع عالمى مضطرب
اهتدت القيادة الروسية أخيرا إلى ما قد يمكنها من استعادة مكانتها على قمة النظام الدولى، ولكن الأمر الأهم هو مواجهة التهديد لأمنها القومى والذى تراه فى توسع حلف الأطلنطى إلى دول كانت تشكل، باستثناء دول البلطيق، جمهوريات فى الاتحاد السوفيتى السابق، وهو نفس ما انتهت إليه قيادات إقليمية فى الشرق الأوسط. كلها أدركت أن هذا الوضع الدولى الجديد، أيا كانت تسميته، هو وضع لا تنطبق عليه أى قواعد، ومن ثم سعت كل منها إلى استغلال ما تملكه من عناصر قوة فى فرض إرادتها وتشكيل البيئة المجاورة لها على النحو الذى يحقق أمنها حتى لو اقتضى ذلك استخدام القوة، وبالتحدى الصريح لقواعد القانون الدولى بما فى ذلك المبادئ التى كرّسها ميثاق الأمم المتحدة الذى يعترف بالتساوى فى السيادة لكل الدول، ويحظر استخدام القوة المسلحة فى العلاقات الدولية إلا عندما يكون ذلك دفاعا عن النفس وردا على عدوان مسلح.
وهكذا صاغ الرئيس بوتين ما يتصور أنه مبررات كافية تمنح تدخله العسكرى فى أوكرانيا شرعية. دعاوى انضمام أوكرانيا إلى حلف الأطلنطى ستجعل قوات الحلف مرة أخرى على حدود روسيا، وهو ما يهدد أمنها القومى طالما أن الولايات المتحدة قائدة الحلف تنظر إلى روسيا على أنها خصم. هذه هى حجته الأقوى بالمقارنة بحجج أخرى لا تستقيم مع الواقع مثل القول أن أوكرانيا يحكمها النازيون الجدد أو أن أوكرانيا هى صنيعة الثورة البلشفية وزعيمها لينين، وكأن شعب أوكرانيا ليست له لغته أو ثقافته الخاصتان حتى ولو كانتا قريبتين من اللغة والثقافة الروسية باعتبار الأصول السلافية المشتركة، وكما لو أن شعب أوكرانيا ليس من حقه التمتع بتقرير المصير. يدرك بوتين أن حلف الأطلنطى والولايات المتحدة لن يرسلا قوات إلى أوكرانيا لمقاومة غزوها، وهو موقن أن قواعد الاشتباك بعد نهاية الحرب الباردة كما كان الحال قبلها تستبعد المواجهات المباشرة بين القوى الكبرى فى العالم. سنده الأساسى هو التفوق العسكرى الروسى الكاسح على أى إمكانيات للمقاومة يمكن أن يعبئها الأوكرانيون.
وصلت القوى الإقليمية الكبرى فى الشرق الأوسط إلى نفس الاستنتاج، وهو أن الوضع الدولى الراهن لا ينطوى على أى ترتيبات مؤسسية تقف عقبة أمام التدخل المسلح فى دول أخرى، ومن ثم لا تتردد أى منها: إسرائيل أو إيران أو تركيا أو المملكة العربية السعودية فى استخدام القوة المسلحة خارج حدودها دعما لما تعتبره أمنها، ولكن كلا منها جندت إلى جانب القوة المسلحة أدوات القوة الأخرى. إسرائيل تتباهى بتفوقها التكنولوجى، وقدرتها على التأثير على صانع القرار الأمريكى، وإيران تعتمد على ما تتصور أنه تأييد تلقائى من الشيعة فى الوطن العربى، فضلا عن عقيدتها السياسية المعادية للاستعمار والمتقنعة وراء شعارات دينية، وتركيا تعول على التأييد الذى تلقاه من منظمات الإسلام السياسى السنية والتى ترى فيها تحت حكم حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان نموذجا مبكرا لنظام إسلامى، والمملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج الأخرى مثل دولة الإمارات وقطر تستخدمان سلاح المال وأذرعا إعلامية فى كسب النفوذ فى الوطن العربى وخارجه فضلا عن تمويل فصائل مسلحة فى بلاد عربية وغير عربية. وتتردد الحكومة المصرية فى اللجوء إلى القوة المسلحة عموما فى علاقاتها الخارجية، ويرسى رئيسها سياستها الخارجية على أساس الالتزام بالأخلاق. هذا ما فعلته فى تسوية قضية تيران وصنافير مع المملكة العربية السعودية، وما يبدو أنها تتمسك به فى السعى إلى تسوية سلمية لقضية السد الإثيوبى.

هل يكون استخدام القوة المسلحة مجديا على المدى البعيد؟
ولا شك أن كل هذه القوى سواء على قمة النظام الدولى مثل روسيا أو القوى الإقليمية فى الشرق الأوسط نجحت على المدى القصير فى تحقيق بعض المكاسب، توسع الاتحاد الروسى فى جورجيا وإقليم القرم وصارت فى أقاليم الاتحاد السوفيتى السابق حكومات تعتمد على دعمه العسكرى فى أذربيجيان وكازاخستان وطاجيكستان وبيلاروس، تتباهى الحكومة الإيرانية بأنها تملك صنع القرار فى بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء ونفوذا واسعا فى غزة، وتتدفق القوات المسلحة التركية والميليشيات المؤيدة لها إلى العراق وسوريا وليبيا، كما لا يأمن الحوثيون فى اليمن من غارات الطائرات السعودية، ونجحت إسرائيل فى أن تكسب علاقات متعددة الجوانب مع سبع من الحكومات العربية على المستوى الرسمى وحكومات أخرى بصورة غير رسمية.

ولكن ما الذى يضمن على المدى البعيد استقرار هذه الأوضاع؟

فاستخدام القوة وحدها لا يكفل بقاء حكومات أو أوضاع لا تستند إلى الرضاء الشعبى. هذا هو الدرس الذى تعلمه كل من الاتحاد السوفيتى السابق والولايات المتحدة فى أفغانستان، ويلقى أنصار الحكومة الإيرانية صعوبات فى فرض إرادتهم على الشعب العراقى، ولا يبدو أن هناك أفقا لحل سياسى فى اليمن فى المستقبل القريب.

ومع ذلك لا يبدو أمام كل هذه الحكومات أن هناك بديلا آخر يستبعد استخدام القوة تحقيقا لأهداف سياساتها الخارجية فى وضع دولى تحكمه شريعة الغاب.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات