«العابرة».. جيل يرفض الازدواجية! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 4 أبريل 2020 5:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

«العابرة».. جيل يرفض الازدواجية!

نشر فى : الخميس 27 فبراير 2020 - 8:50 م | آخر تحديث : الخميس 27 فبراير 2020 - 8:50 م

يواصل إبراهيم عبدالمجيد فى روايته «العابرة»؛ الصادرة عن منشورات المتوسط، تقديم الحاضر والآنى بأعلى درجات الجرأة والعبثية: حالة خاصة لفتاة تعانى من «الترانسجيندر»، أو الرغبة فى التحول من جنس النساء إلى جنس الذكور، ولكنه يوسع هذه الفكرة لكى يناقش الازدواجية فى المجتمع بأكمله، يكتسب مفهوم التحول معنى أشمل من تحول الجسد، ويصبح اختيار الهوية، وحرية القرار عنوانا على الحكاية بأكملها، وعنوانا على جيل البطلة أيضا، وكأن العبور ليس من هوية جنسية إلى أخرى، ولكنه عبور الاختيار والتحرر والتحقق، مهما كان الثمن.
تنقسم الرواية إلى قسمين؛ الأول ينتهى باستقرار لمياء، طالبة السنة الأولى فى قسم الفلسفة بكلية الآداب، على إجراء عملية التحول من أنثى إلى ذكر، بعد معاناة مع الأب والأم، واضطراب فى علاقاتها الجامعية والجنسية، وفى القسم الثانى تظهر بعد التحول باسم وشكل جديد، تصبح حمزة الذى يكمل فترة النقاهة بعد العملية، ويريد أن يقبله الآخرون على هيئته الجديدة، ولكنه سرعان ما يجد نفسه فى ورطة مزعجة.
لكن النص لا يناقش الهوية الجنسية الملتبسة فحسب، رغم أنها محور الرواية، ولكنه ينطلق منها إلى اكتشاف جيل يعاصر فترة ما بعد ثورة يناير 2011، إننا بالتحديد فى العام 2018، لمياء أو حمزة، وزملاء وزميلات الجامعة، يريدون التعبير أيضا عن هوية جديدة، وموطنهم الحقيقى هو بوستات الـ«فيسبوك»، ولكنهم يدفعون الثمن، مثلما ستدفع لمياء/ حمزة الثمن، ستسجن لمياء، ويسجن حمزة، ولكن بعد أن تنجح هى، وينجح هو، فى العبور من الازدواجية، إلى الحالة الجديدة.
هنا تكتسب الحالة الفردية ثراء غير محدود، خاصة أن معركة لمياء/ حمزة، ستدفع الباب أمام زملاء الدراسة الجامعية، وأمام إحسان، الفنان التشكيلى ورفيق وجار لمياء/ حمزة، إلى تجارب صعبة، تستلزم المواجهة والتمرد والتحدى، وكأن صوت الترانسجيندر، قد برهن على الحد الأقصى من رفض الازدواجية، وأعاد للآخرين أصواتهم المنسية، صارت الهوية الكامنة واضحة، سواء بعملية جراحية، أو بمواجهة شاقة ومكلفة.
«العابرة» إذن حكاية عن جيل، وليست فقط عن مجرد فتاة ملتبسة الهوية، والغرابة فى النص ليست فحسب فى خيالات وأحلام لمياء/ حمزة المتوحشة والعبثية،التى تذكرنا بلوحات كوابيس «جويا»، أو بلوحات الفنان «هيرونيموس بوش»، ولكنها فى تناقضات شخصيات حولها مثل أستاذتها الجامعية بادية (التى تسمى «بيداء» أحيانا فى القسم الثانى من الرواية، وهو خطأ مطبعى بالتأكيد)، والتى تخفى عن الجميع ميولها المثلية الجنسية، ومثل أم لمياء/ حمزة، التى درست الأدب الإنجليزى، ثم تركت عملها، وصارت من محاسيب السيدة زينب، الأم أيضا ستؤخر طويلا قبول فكرة التحول الجنسى لابنتها، رغم أنها تعرف كل المعلومات العلمية عن هذه المشكلة.
الغرابة أيضا فى امتزاج الخيال بالواقع، سواء فى شخصية سائق التاكسى الذى توقف عنده الزمن عند يوم مقتل السادات، أو فى شخصية رجل المقهى العجوز الذى ظهر ثم اختفى للأبد، أو حتى هذا الرجل الذى يعيش زمن الجاز الرخيص، أو فى الرجل ذى اللحية الذى يظهر لـ إحسان، يحدثه ثم يتلاشى.
يمكن القول إن ما تصفه الرواية يكشف عن واقع عبثى، وعن عبث واقعى، مثال ذلك توثيق حوادث القطارات المتكررة والعجيبة، والكاتب منحاز دوما لهذا الجيل، باعتباره يمثل المستقبل، ويساند حقه فى التعبير والاختيار، بل ويرى أن هذا الحق هو الذى يمنع التطرف، ويفرغ طاقة الإحباط وعدم التحقق.
من اللافت أيضا أن جيل الشباب كان أسرع فى استيعاب تحول لمياء من الذكورة إلى الأنوثة، وفى التعامل معها، والملاحظ كذلك أن محنة حمزة فى الجزء الثانى، قد غيرت الأب المحافظ أيضا، لقد كان عبورها عبورا للجميع، ولكنه عبور غير مكتمل، فالمشوار صعب، والطريق طويل.
من سجن الهوية داخل البدن، إلى سجن الجدران، تحاول رواية «العابرة» أن تشخص الأزمة، وأن تجعل الخيال الكابوسى عنوانا عليها، تجربة مهمة تشهد على زمنها، وتطرح أسئلتها عن الحرية والاختيار، ننتظر فى النهاية مصير حمزة الذى كان لمياء، بنفس الدرجة التى ننتظر بها اختيارات زملاء جيله، ومهما كانت النهايات، فإن المعاناة الحقيقية فى استمرار الهوية «ملتبسة»، وفى الاستسلام لذلك، الألم هنا مضاعف، والمتاهة أسوأ، ولكن الاختيار لا مفر منه، رغم مشكلاته كلها. هذه رواية عن رفض الازدواجية، وعن شجاعة مواجهة سجن البدن، وسجن الجدران.

التعليقات