كيف يحكم المواطن البسيط على الحكام؟! - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الجمعة 10 أبريل 2020 8:28 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

كيف يحكم المواطن البسيط على الحكام؟!

نشر فى : الخميس 27 فبراير 2020 - 8:50 م | آخر تحديث : الخميس 27 فبراير 2020 - 8:50 م

كيف حكم المصريون خاصة البسطاء منهم على حسنى مبارك؟!.
كلامى التالى ليس نتيجة بحث أو استطلاع على أسس علمية صارمة، ولكن أتحدث عن انطباعات عامة مبنية على ملاحظات واقعية قدر الإمكان.
غالبية المصريين البسطاء يحكمون على المسئولين من واقع مستوى معيشتهم، بل وأحيانا يحكمون بمبدأ «اليوم بيومه». ولا يمكننا أن نلوم الناس على هذه الطريقة، فربما كانت الأكثر صحة، لأن هدف غالبية الناس من أى حاكم أن تكون معيشتهم أحسن وغدهم أفضل حالا من أمسهم.
أتذكر أن سائقى التاكسيات فى القاهرة، كانوا غاضبين جدا من ثورة ٢٥ يناير لسبب وحيد، وهو أنها قللت من عملهم، خصوصا فى منطقة وسط البلد بسبب الاعتصامات المتكررة وإغلاق الشوارع والميادين.. لكن وبعد سنوات قليلة بدأ البعض يرى أنه فى أيام مبارك كان العمل كثيرا والعائد أفضل.
هل يمكن الاعتداد بهذه الإجابات، واعتبارها نهائية؟!
المؤكد أن الإجابة هى لا، فالأمور معقدة ومتشابكة، لكن نحن نتحدث الآن عن رأى المواطنين العاديين غير المنشغلين بالكلام الكبير والمؤشرات الكلية ومصطلحات مثل العجز والتضخم والفائض الأولى ومعدلات النمو والمؤشرات التنافسية.
أعجبنى ما كتبه الأستاذ محمد عبدالباسط عيد على صفحته أمس، حينما قال: «الناس عمليون، ويعيشون الحياة يوما بيوم، ولا وقت لديهم لتصفية الحسابات نيابة عن الله، فقد أوكلوا المهمة كاملة لربهم واستراحوا».
ما يشغل المواطن البسيط هو أن يجد فرصة عمل لائقة، تدر عليه دخلا معقولا، يلبى متطلبات حياته الأساسية، وأن يجد تعليما وعلاجا مجانيا حقيقيا، وخدمات معقولة، وإذا استطاع أى نظام أو حكومة أو رئيس أن يوفر له ذلك، فسوف يؤيدهم بقوة والعكس صحيح.
غالبية المصريين ثاروا على مبارك فى ٢٥ يناير ٢٠١١، لأنهم افتقدوا كل ذلك. لم يكن التعليم على ما يرام وكذلك الصحة والخدمات الأساسية، ثم إن الفساد كان منتشرا ومتغلغلا، وحدث تزاوج رهيب بين السلطة ورأس المال، أفقد الملايين الأمل فى المستقبل.
هل معنى ذلك أن الصورة كانت سلبية تماما؟! ليس ذلك ما أقصده. كانت هناك إيجابيات فى العديد من المجالات، وكانت هناك نسبة نمو تتجاوز الـ ٨٪ سنويا. ورغم ذلك ثار الناس على مبارك لأنهم «لم يشعروا بثمار النمو تتساقط عليهم»، كما كان يبشرهم مسئولو النظام وقتها؟!.
جزء من المصريين كانت أحوالهم الاقتصادية معقولة أو جيدة ولكنهم ثاروا على مبارك لأنهم كرهوا الفساد المتغلغل والظلم وغياب سيادة القانون.
وجزء من المصريين مثل جماعة الإخوان ثاروا رغم أن مبارك خدمهم بأفضل ما يكون وجعلهم يتغلغلون فى المجتمع، وحصلوا على خمس مقاعد البرلمان، ورغم ذلك، كانوا يريدون السلطة ولا شىء غيرها، ثم الانتقام من كل المجتمع!.
وجزء من المصريين مثل غالبية الطبقة الوسطى كانوا يريدون الحياة الكريمة، التى لم تكن متوافرة فى العديد من المجالات، وهكذا حلموا بدولة جديدة مختلفة توفر لهم التعليم الجيد، حتى يضمنوا حياة مختلفة لأولادهم وأحفادهم تقوم على «العيش والحرية والعدالة الاجتماعية».
لكن المواطنين العاديين لا يفكرون إلا فى لحظتهم الراهنة. وبالتالى، وحينما حدث ما حدث بعد ٢٥ يناير، وتراجعت أحوالهم الاقتصادية لأسباب كثيرة، بدأ بعضهم ينظر إلى ما قبل الثورة باعتباره أفضل كثيرا.
السؤال: لماذا يفعلون ذلك وغالبيتهم تظاهروا فى ميدان التحرير وهللوا حينما تنحى مبارك؟!.
لأنهم خسروا ببساطة ما كانوا يملكونه حتى لو كان قليلا.
إذا جادلت أحدهم وقلت له إنه كان استقرارا هشا والتعليم كان سيئا، والاحتكارات على أشدها، وعلاقتنا مع أمريكا وإسرائيل كما هى الآن، يقولون: واحنا مالنا؟!
وإذا قلت لهم إن الدولة كانت تشترى ولاء الناس بالدعم، وأن هذا الدعم ديون مؤجلة عليهم أو على أبنائهم وأحفادهم يردون أيضا: «أحيينى اليوم وأمتنى غدا».
ولو قلت لهم إن نظام مبارك، لو بدأ برنامج الإصلاح الاقتصادى خصوصا دعم الوقود بنسب بسيطة سنويا، ما وصلنا إلى «الثمن المؤلم» الذى ندفعه الآن. يقولون لك: «نحن لا نفهم فى هذا الكلام، كل ما نريده هو الحياة الكريمة».
والرد الأخير طبيعى ومنطقى ولا يمكن أن نلوم أى مواطن يقوله، وبالتالى فمهمة أى حكومة أن تعمل على توفير ذلك، وإذا لم تستطع فعليها أن تترك مقاعدها لمن يستطيع، المواطن ليس مطلوبا منه أن يكون آدم سميث أو ماركس أو ايرهارد ومحمد العريان فى الاقتصاد، لكى يفهم اللوغاريتمات، هو يريد أن ياكل ويشرب ويعيش بصورة كريمة، وتلك هى مهمة الحكومات!!.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي