«عيش.. حرية.. كرامة إنسانية» - أيمن الصياد - بوابة الشروق
السبت 6 يونيو 2020 12:43 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

«عيش.. حرية.. كرامة إنسانية»

نشر فى : الأحد 27 يناير 2019 - 6:00 ص | آخر تحديث : الأحد 27 يناير 2019 - 5:51 م

«فريدةٌ بين الثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية» هكذا يصفها دستور ٢٠١٤ الذي رقص الناس على أبواب لجانه، والذي يطالب البعض اليوم بالانقلاب عليه.

٢٥ يناير؛ الذي لا يدرك بعضنا؛ غافلا، أو (لغرض في نفسه) خطورة تشويهها عند ملايين من أبناء جيل جديد هو بحكم طبائع الأمور المالك لمستقبل هذا البلد.

ـــــــــــــــــــــــــ

عبارة عبقرية بسيطة، تلخص بحكمة المصريين الموغلة في القدم ملامح وطن خرجوا يومها يبحثون عنه

بغض النظر عن كل الحقائق المعروفة «أو الغائبة» في صناديق سوداء، أو في ضمائر «ووثائق» الذين عاشوا تفاصيل هذه الأيام الثمانية عشرة، والأعوام الثمانية التي تلتها.

وبغض النظر عن حقيقة أن كثيرا «ممن اقترب» لديه روايته التي لم يحن موعدها بعد.

وبغض النظر عن محاولات لم تتوقف لتشويه (أو محو) الذاكرة الجمعية لهذا الشعب. بما فيها شعارات وهتافات ورسوم «الجرافيتي» التي كانت تؤرخ لتلك الأيام المحفورة في وجدان كل من عاشها.

وبغض النظر عن «إخفاء قسري»، وصمت جبري عن كثير مما جرى، أو مما بدت ملامحه تتضح في الإجراءات «وفي لحن القول» بمرور الأيام والسنون.

تبقى الحقيقة التي لا خلاف حولها هي أن المصريين (على اختلاف مشاربهم، وعقائدهم، وفئاتهم، وانتماءاتهم الطبقية والاجتماعية)، والذين احتشدوا في الميدان أيامها لم يكونوا يطلبون غير حقهم المشروع في «العيش.. والحرية.. والكرامة الإنسانية» كما كان يقول هتافهم الأشهر.

***

«عيش.. حرية.. كرامة إنسانية» عبارة عبقرية بسيطة، تلخص بحكمة المصريين الموغلة في القدم ملامح وطن خرجوا يومها يبحثون عنه.

«وطنٌ» وصفنا ملامحه هنا مرارا وتكرارا، ولعلنا نشعر بكل الأسى عندما نضطر بعد كل هذه السنوات، وكل هذهالتضحيات إلى إعادة ما كتبناه، وإلى التأكيد على ما كان ينبغي ألا يحتاج إلى تأكيد (ناهيك عن تكرار) ولكن واجب «أصحاب القلم» أمام «أصحاب الوطن» أن لا نمل من التكرار والتذكير.

«عيش.. حرية.. كرامة إنسانية»، عنوان وطن خرج المصريون يبحثون عنه في مثل هذه الأيام من عام ٢٠١١

وطنٌ حلموا يومها (وما زالوا) بأن يكون وطنا للجميع، لا وطن حزب يقوم على شبكة مصالح، أو سلطة تتصور نفسها المالكة لمقدراته أو فئة تضع نفسها فوق الآخرين، أو جماعة مغلقة تحسب أنها وحدها «على الحق».

وطنٌ يدرك أصحابه، والقائمون عليه أن «السلطة المطلقة، مفسدة مطلقة». مهما تزينت تلك السلطة «المطلقة» بشعارات دينية أو وطنية. ومهما زين لها المنافقون أن المصلحة الوطنية، أو شرع الله يقتضي أن تصبح «القوة فوق العدل».

وطنُ لا يسمح بنظام يذكرنا بمقولة السادات الشهيرة «كله بالقانون» فنجد فيه سلطة لا تكتفي، عصفًا بخصومها بتجاوز القانون، بل تعمل هكذا على «تقنين التجاوزات».. فتكون النتيجة ليس فقط الإساءة للقانون ورجاله، بل العصف بفكرة «الدولة» ذاتها، والتي لن تكون «مستقرة» إلا إذا شعر الناس بأن هناك قاضيا وقانونا يطمئنون للاحتكام إليه. وإلا لجأ كل منهم لمحاولة أن يأخذ حقه «أو ما يتصور أنه حقه» بيديه.

وطن يعرف قيمة أن يكون «القضاء مستقلا»، فلا يسمح بنظام تتحكم فيه السلطة التنفيذية بالعدالة؛ إن بسيف المعز أو بذهبه. أو بدعوى «الصالح العام»، الذي لايعرفه، حسب النواميس المرعية إلا صاحب السلطة والنفوذوالقصر.

وطنٌ يحترم دستوره وجميع أبنائه، ويعدل بينهم، مهما اختلفت آراؤهم أو «معتقداتهم» أو حالتهم الاجتماعية أو الاقتصادية، ويعرف أن الفارق بين الديمقراطية والشمولية هو في إدراك أن حكم الأغلبية غير مطلق، بل مقيدٌ بحقوق الآخرين.

وطنٌ «يحترم دستوره» وجميع أبنائه، ويعدل بينهم، مهما اختلفت آراؤهم أو «معتقداتهم»؛ السياسية، أو الدينية

وطنٌ يحكمه الدستور الذي يقول بأن «المواطنون أمام الدولة والقانون سواء». ويحكمه القانون، لا «التحريات الأمنية» التي قد تخطئ أو تصيب.

وطنٌ لا يسمح بنظام يحرم شابا من وظيفة يستحقها «دون مسوغ قانوني»، أو لأنه قبطي أو شيعي، أو لمجرد أن  تقارير «أمنية» أشارت إلى أنه سلفي أو شيوعي أو بهائي أو شوهد بحوزته «كتب» لحسن البنا، أو ينتمي إلى طبقة اجتماعية «مكافحة».

وطنٌ لا يحاسب الناس على أفكارهم، أو معتقداتهم، أو انتماءاتهم، أو أصولهم العائلية.

وطن لا يسمح بنظام يقوم على «توريث» واقعى للمناصب والنفوذ. وينتحر فيه شاب متفوق بعد أن فشل في أن يأخذ حقه في أن يكون دبلوماسيا، لا لسبب إلا لأنه ابن لمزارع بسيط في دولة أنشأها ابن لساعي بريد اسمه جمال عبدالناصر.

وطنٌ مفتوحٌ حر، تتحقق حريته بحرية مواطنيه. لا مجال فيه لنظام يسمح بأن يحاسب هذا أو ذاك على رأي اعتنقه أو أبداه. ناهيك أن يختفي خلف القضبانوننساه.

وطنٌ لا يتباهى فيه وزير الداخلية (في شهادة رسمية أمام المحكمة) بأن رجاله «يتنصتون على المواطنين».

وطنٌ لا يُضطر فيه الناس إلى تجنب كثير من الحديث الهاتفي، حتى الشخصي مع عائلاتهم خشية أن يسمعها أو يقرأها العامة غدا «مستلة من سياقها» على هذه القناة أو تلك الصحيفة، كوسيلة رخيصة للتشوية.

وطنٌ يدرك القائمون عليه أن المعنى الحقيقي للأمن هو ألا يخاف الناس. وأن المعنى الحقيقي للوطن هو ذاك الذي يحتويك «بلا خوف»، فتشعر فيه بالانتماء

وطنٌ يدرك القائمون عليه أن المعنى الحقيقي للأمن هو ألا يخاف الناس. وأن المعنى الحقيقي للوطن هو ذاك الذي يحتويك «بلا خوف»، فتشعر فيه بالانتماء.

وطنٌ يقرأ القائمون عليه التاريخ، فيعرفون أن «الخائفين» من صدام لم يحموا العراق، والخائفين من Stasi لم يمنعوا سقوط الجدار، وأن الخوف من تشاوشيسكو «القائد العظيم، والعبقري الذي يعرف كل شيء» لم يحل دون نهايته البائسة المحتومة؛ ككل ديكتاتور.

وطنٌ يدرك مسؤولوه أن «لا دولة قوية دون معارضة قوية»، وأن ما جرى في ٢٥ يناير، لم يكن إلا بسبب «تجريف للحياة السياسية» (والتعبير للأستاذ هيكل) قام به بدأب نظام مبارك بالقضاء الممنهج على المعارضة، عنتا وقمعا وتدجينا.

وطنٌ لا تقوم ثقافته على «سلطان السلطة، ورهبة المرءوسين»، وهي ثنائية لا تدانيها في تعبيد الطريق نحو الفساد والدولة الفاشلة، غير الثنائية «المطلقة» للسمع والطاعة.

وطنٌ لا مجال فيه لثقافة تسمح لنظام بأن يستخدم الدين لإضفاء حصانة «مقدسة» على الحاكم أو السلطة، أو تسمح لجماعة بأن تستخدم الدين «استقواء» في مواجهة الخصوم السياسيين، كما لا مجال فيه لاستحضار الدين «الذي هو مقدس» إلى غير ساحاته؛ مزايدة أو تحريضا.

وطنٌ يعيش حاضره، ويدرك أن الزمان لم يعد زمان «أمير المؤمنين» الذي ينادي به البعض «مستبدا عادلا»، ولكنه لم يعد أيضا زمان «الزعيم الملهم»، أو «القائد الفذ»،، الذي يعرف وحده صالح البلاد والعباد، فيظن أنه صاحب الكلمة المطلقة في شئون الدنيا، وأحوال «الرعية».

***

«كاشفةٌ، لا منشئة»، كما يقول التعبير القانوني الشهير، كانت هكذا ثورة يناير، التي كشفت عورات نظام عشناه لعقود (تتجاوز سنوات مبارك بالمناسبة)، وهو «النظام» الذي طالب الناس يومها بإسقاطه، في شعار آخر كان ركيزة لمطالب الذين نزلوا إلى الشارع. وهو، بالمناسبة أيضا «النظام» الذي كانت طبيعته، «وثقافته» قد سمحت بخطر «التوريث» أن يقترب لدرجة كان من شأنها أن تقلق يومها دوائر نافذة في الحكم والسلطة.

وللتوضيح، (والتوضيح هنا واجبٌ ولازم) فالنظام الذي طالب الناس وقتها بإسقاطه، ليس «الدولة»، كما يحلو للبعض أن يقول، كما أنه ليس «نظام الحكم» كما يحلو للآخرين أن يضمنوه «عرائض الاتهام»، بل هو تعريفا: «منظومة العلاقات والقيم» الحاكمة والمسئولة عن تعثر مجتمع ودولةٍ أراد الجيل الجديد من أبنائها أن يضعها على الطريق إلى عصر جديد، ومستقبل تستحقه.

النظام الذي طالب الناس يومها بإسقاطه، بحثا عن «العيش، والحريّة، والكرامة» هو ذلك النظام الذي يقوم على شبكة مصالح مترابطة بين السلطة والمال وأصحاب القدرة على البطش الأمني، ويقوم على «توريث» فج للمناصب والنفوذ. وشراء حقيقي للذمم والضمائر.. والأرض.

النظام الذي لا يدرك أن الصمت وإن أراحه، فهو يترك أمراض السلطة الأوليجاركية «ثلاثية المفعول» تسري في هدوء مميت، فلا يفيق إلا وقد انهارت أساساته

النظام الذي لا يدرك أن الصمت وإن أراحه، فهو يترك أمراض السلطة الأوليجاركية «ثلاثية المفعول» تسري في هدوء مميت، فلا يفيق إلا وقد انهارت أساساته، فيسقط على من فيه؛ دولة فاشلة لا مكان لها في العصر الحديث.

هو النظام الذي وقفت ضده، لسنوات حركة «كفاية» النخبوية، و«٦ إبريل» الشبابية، و«٩ مارس» المطالبة باستقلال الجامعات والحريات الأكاديمية. فضلا عن «نادي القضاة» الذي ناضل لعقود مطالبا بقانون يوفر استقلالا «حقيقيا» للقضاء يضمن عدلا حقيقيا للمواطنين

النظام الذي خرج الناس يومها مطالبين بإسقاطه، هو ذلك الذي لا يريد أن يفهم أن لا عدو للفساد غير الشفافية، وأن الفساد، الذي يفقر الناس، ويهدم الدول لا يترعرع إلا في ظلام دولة أمنية قمعية، تروج فيها ثقافة أن «السلامة في الصمت»، وتلجأ فيها السلطة إلى أن «تضرب المربوط.. فتخاف السائبة» كما يقول المصريون في أمثالهم.

النظام الذي لا يحب ثقافة التفكير النقدي Critical Thinking (خوفا من أن يعلم الناس المعارضة)، فتكون النتيجة أن تشيع فيه بدلا من ذلك ثقافة السمع والطاعة والتلقين والاتباع؛ تُربة خصبة لثقافة مريضة تدفع هذا أو ذاك إلى أن يظن أن طريق الجنة يمر بتفجير يستهدف أبرياء.

النظام الذي طالب الناس وقتها بإسقاطه، هو ذلك الذي نبهنا يومها (وجهات نظر: فبراير ٢٠١١) إلى أنه سيستفيد حتما من حمق معاركنا الصغيرة ليعود. وهو النظام الذي كان بعض ما وصفناه به يومها أنه ذلك الذي يصبح فيه الخوف، ومن ثم «نفاق السلطة» أيا ما كانت هذه السلطة؛ الأداة الوحيدة للحفاظ على المكان.. أو للفوز بالمكانة. يتساوى في ذلك وزراء وخفراء، ورجال دين وسياسة وفكر.. ليبدو الأمر كله في نهاية المطاف «ثقافة شعب» أو بالأحرى «ثقافة حاكمة».

يومها أدرك المصريون الذين نزلوا إلى الميدان أن «إسقاط هذا النظام»؛ الموصوف عاليه هو السبيل الوحيد لبناء وطن يوفر لأبنائه حقهم المشروع في «العيش .. والحريّة .. والكرامة الإنسانية».

***

ما المشكلة في الإقرار بحقيقة أن هؤلاء من أولئك، وأولئك من هؤلاء. وأن الجميع مصريون. وأن «العيش، والحريّة، والكرامة» هي حق للجميع

يبقى أنني أحسب أن من جرائمنا الكبرى (وهناك من ارتكبها متعمدا للأسف) تلك المحاولة الحمقاء لتعميق الاستقطاب بين فئات المجتمع المختلفة. من ذلك مثلا، ما جرى افتعاله مما قد يبدو وكأنه «معركة» حول تعريف هذا اليوم «الخامس والعشرين من يناير». فكان أن رأينا ذلك الذي (لغرض في نفس يعقوب) يحاول أن يفصل (أو يصطنع تناقضا مغرضا) ما بين خروج الشباب المصري في يناير ٢٠١١ للدفاع عن «حرية المصريين وكرامتهم» وبين وقوف رجال الشرطة في الإسماعيلية في يناير ١٩٥٢ للدفاع عن الأمر ذاته.

لا أدري ما المشكلة في الإقرار (والافتخار) بحقيقة أن هؤلاء وأولئك؛ سواء في ميدان التحرير قبل ثماني سنوات، أو أمام مبنى محافظة الاسماعيلية قبل ٦٧ سنة كانوا يدافعون عن حق المصريين في «الحرية والكرامة».

لا أدري ما المشكلة في الإقرار بحقيقة أن هؤلاء من أولئك، وأولئك من هؤلاء. وأن الجميع مصريون. وأن «العيش، والحريّة، والكرامة» هي حق للجميع.

فقط، علينا جميعًا أن ندرك، وأن يدرك محتفلو القاعات الفخمة، ومدبجو مانشتات الصحف أن: لا كرامة لوطن، دون كرامة مواطنيه. وأن الفارق كبير بين الدفاع عن «حرية المصريين وكرامتهم»، وبين الانحياز المطلق «لسلطة استبدت وطغت».

كما أرجو أن يتذكر مزيفو التاريخ أن الذين خرجوا في يناير ٢٠١١ لم يكونوا يبحثون عن «دولة بلا شرطة أو أجهزة أمنية»، كما يروجون. هم كانوا فقط يبحثون عن وطن تعمل فيه الأجهزة الأمنية لصالح أمن الوطن (الذي هو للجميع)، والمواطن (الذي هو نحن «جميعا»)، وليس أمن الحاكم والسلطة؛ أيا من كان هذا الحاكم، وأيا ما كانت هذه السلطة.

***

وبعد..

فلا جديد فيما هو مسطور عاليه. كما لا جديد في القول بأننا «جميعا»، إن صحت النوايا نبحث عن هذا الوطن وذاك المستقبل. كما لا جديد في التذكير بأن هذا ما خرج الناس قبل ثمانية أعوام يبحثون عنه. أما السؤال عن «أين نحن الآن من كل ذلك؟»، فأحسب أن كلنا يعرف الإجابة. وقديما تعلمنا أن «الحقائق تكفي لتتحدث عن نفسها».

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

لمتابعة الكاتب:

twitter: @a_sayyad

Facebook: AymanAlSayyad.Page

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

روابط ذات صلة:

الشعب يريد: فهل حقا سقط النظام؟! (وجهات نظرفبراير ٢٠١١)

ــ عامان على الثورة: إشكالية المصطلح (الشروق - فبراير ٢٠١٣)

أيام البراءة الأولى (الشروق٢ فبراير ٢٠١٤)

ــ حدث في مثل هذا اليوم (الشروق - يناير ٢٠١٨)

في «قانون الثورة» .. وتاريخها (الشروق١٩ أبريل ٢٠١٥)

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الصور والرسوم:

١ـ أبناء الشهيد الشيخ عماد عفت

٢ـ مطالب التحرير

٣ـ دكتور أحمد حرارة الذي فقد كلتا عينيه بطلقات الأمن (تصوير: حسام الحملاوي)

٤ـ تقرير اللجنة «الرسمية» لتقصي الحقائٍق

 

أيمن الصياد  كاتب صحفى
التعليقات