تعبتنى يا فضيلة الإمام - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 11 أبريل 2021 10:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

تعبتنى يا فضيلة الإمام

نشر فى : الجمعة 27 يناير 2017 - 10:10 م | آخر تحديث : الجمعة 27 يناير 2017 - 10:10 م
هذه الكلمات وجهها الرئيس السيسى إلى فضيلة الإمام شيخ الأزهر “أحمد الطيب” فى الاحتفال بعيد الشرطة؛ حيث تحدث الرئيس فى خطابه عن إحصائيات الطلاق فى مصر وزيادة الأعداد فى السنين الأولى للزواج، وكان هناك حوار حول عدم الاعتداد بالطلاق الشفهى للرجل بل لابد من التوثيق لإعطاء فرصة للتريث فى مثل هذه الأمور، إلا أن الأزهر لم يتخذ أية إجراءات بهذا الشأن.

ما هى مشكلة مصر الرئيسية؟ الإجابة عندى هى صراع الدين والدولة (الدولة الدينية والدولة المدنية). والبداية فى العصر الحديث كانت مع الجندى الألبانى (المدني) الذى دعاه مشايخ الأزهر (رجال الدولة الدينية) لحكم مصر .. ماذا فعل؟ استقل عن الخلافة الإسلامية. أوقف العمل بالشريعة الإسلامية (الحدود- الذمة) وأسس لجيش وطنى - أول جيش وطنى فى المنطقة بدون مرتزقة. بدأ فى ترجمة القانون الفرنسي. لم يلغ التعليم الدينى محرجاً من شيوخ الأزهر الذين دعوه للحكم ويعضدونه؛ من هنا بدأت ازدواجية التعليم وكانت نقطة ضعف خطيرة ولم تزل حتى الآن. جاء “إسماعيل” واستمر فى طريق محمد على وقام بإلغاء البدلية (مبلغ من المال 20 جنيهاً للإعفاء من الخدمة العسكرية)، وتبنى الانفتاح على الغرب فأرسل المبعوثين من مصر إلى باريس، وفتح مصر للعلماء والخبرات الغربية التى عضدت التعليم المدنى بنشر المدارس بمناهج متقدمة وحسنت المستشفيات والمستوصفات لرفع الوعى الصحي. كما طلب الخديوى إسماعيل من قيادات الأزهر اجتهادات دينية ليصبح الإسلام معاصراً على نسق الإصلاح الدينى الغربى لكنهم تجاهلوا الدعوة. كما أتم ترجمة القانون الفرنسى وبدأ تطبيقه، ولكنه لم يجرؤ أيضاً كمحمد على على إلغاء التعليم الدينى واستمرت ازدواجية التعليم. أثار “محمد عبده” الإمام المستنير مع تلاميذه سؤالا فى منتهى الأهمية لماذا ينجح الغرب الكافر ويفشل الشرق المتدين؟ وكان هذا السؤال يشغل معظم المصريين حينذاك وجاء الجواب من تلاميذه أن انقسموا إلى اتجاهين: محمد رشيد رضا ومن بعده “حسن البنا” وكانت الإجابة لأننا ابتعدنا عن الشريعة والحل فى تأسيس الأمة الإسلامية، أما طه حسين وسعد زغلول وأحمد لطفى السيد فكانت إجابتهم لأننا لم نحذ حذو الغرب: العلمانية والديمقراطية والحرية.

●●●

جاء عبد الناصر وأراد تطوير الأزهر وأراد خلق رجل دين مستنير متعلم؛ فأسس جامعة الأزهر وبدلاً من أن يتخرج من الأزهر أطباء ومهندسون مستنيرون خَّرجت الجامعة أطباء ومهندسين متطرفين عكس الهدف الذى أنشأت من أجله. من بعده جاء أنور السادات عقد معاهدة مع إسرائيل من ناحية وشجع الجماعات الإسلامية من الناحية الأخرى ليقفوا ضد جماعات اليسار الذين خرجوا عليه عام 1977 بسبب الغلاء (مظاهرات الخبز)، وسلح طلبة الجامعات من الإسلاميين فأخرج العفريت من القمقم، وهو صاحب عبارة (أنا رئيس مسلم لدولة إسلامية) وصاحب المادة الدستورية (الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع)، وأراد الضحك على الجميع فاغتالوه، وكان مبارك موظفاً بدرجة رئيس جمهورية فلم يكن صاحب مشروع لكنه كان صاحب اتفاقيات ومساومات مع الإخوان.

فى ثورة 25 يناير قفز الإخوان على الثورة ووصلوا للحكم بتعضيد أمريكا والغرب لكنهم انهاروا خلال عام بسبب ثورة 30 يونيو المدنية بتعضيد الجيش، وانتُخب وزير الدفاع “عبد الفتاح السيسي” رئيساً للجمهورية، وتم اعتبار جماعة الإخوان جماعة إرهابية ثم كان الدستور والبرلمان ولعلك تلاحظ – عزيزى القارئ ـ أن معظم الأحداث تحركها تلك الصراعات بين الدولة الدينية والدولة المدنية فى لقاء مبكر بين الرئيس السيسى وفضيلة الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر، طالب الرئيس الشيخ بثورة دينية وأعتقد أنه كان يقصد ثورة على غرار ثورة الإصلاح الدينى التى انفجرت فى أوروبا منذ 500 عام، إلا أن شيخ الأزهر أحال الأمر إلى لجنة تحت عنوان “تجديد الخطاب الديني” وهو إفراغ دعوة الرئيس من مضمونها. هذا فى الوقت الذى يمكننا فيه القول أننا نعيش أزمة معقدة متشابكة اقتصادية – سياسية – أمنية – ثقافية – إنسانية. فنحن لدينا مشاكل مخيفة: قصور وتخلف خاصة فى مجال الصحة والتعليم – العدالة الاجتماعية (التفاوت الطبقى إلى درجة مرعبة). لم يحدث فى مصر هذا التفاوت من قبل فى تاريخها (سكان القصور وسكان القبور). لدينا أزمة عدالة وأزمة قضاء وأزمة ثقة فحيثما تلتفت هناك أزمة، هناك عجز فى المجمل، السياسة المصرية الراهنة ليست هى ما تستحقه مصر غداً. المستقبل فى أبسط الأحوال مجهول، فنحن فى فترة انتقالية لإعادة البناء وحارس هذه الفترة هو رئيس الجمهورية السيسى ومعه الجيش، لكن لابد وأن يحدث حوار مجتمعى واسع يشارك فيه جميع فئات الشعب. المشكلة أن مفهوم الحوار لدينا هو: واحد يطرح أشياء وآخر يتشاجر معه وثالث يعتقله أو يمنعه من الكلام ( إبراهيم عيسى – إسلام البحيرى ...إلخ) لذلك توقف الحوار الخلاق.

●●●

فنحن لا يوجد لدينا حوار حول رؤية حقيقية للمستقبل حوار مع أو ضد أشخاص. وهنا يكون السؤال “ما هى أساسيات بناء الدولة؟” الدولة: هى التقاء إرادات الشعب وطبقاته وعناصره حول خطة عمل أو رؤية واضحة للمستقبل؛ إذن المسألة إما تحقيق الدولة أو الفوضى. إن فكرة الدولة هى تعاقد بين طبقات المجتمع وبين الشعب من ناحية وحكامه من الناحية الأخرى، والدستور هو نص هذا التعاقد والسؤال (هل الدستور الحالى تعاقد)؟ كذلك لابد أن توجد الحرية لممارسة الديمقراطية وهى وسيلة ممارسة الحرية والهدف من ذلك تعزيز فرصة كل مواطن فى أخذ حقوقه مثل التعليم والصحة والأمان. إن تجربة مصر فى التنوير من أروع التجارب بدءاً من رفاعة الطهطاوى الذى استطاع أن يوظف قوة محمد على لخدمة البلد من خلال التنوير والبعثات، وهذه التجربة هى التى هزمت الحكم الدينى فى مصر ( 2012 – 2013 ). إذن “هل من ضرورة للإجماع العام؟” نعم مشروع قومى يجمع عليه الشعب المصرى فى العهد الملكي، فوزارة الوفد قدمت مشروعاً للمساواة الاجتماعية ( مشروع عبد الحميد عبد الحق يضمن حقوق التعليم والصحة وفرص العمل ....إلخ. كما أن مشروع عبد الناصر كان العدالة الاجتماعية والسد العالي، أما السادات مشروعه السلام، ومبارك كان “اللامشروع”.

ماذا فعلت ثورة 25 يناير، 30 يونيو للمواطن المصرى إذن؟ ساعدتا على إيقاظ الوعى للمواطن المصري، الكل يتحدث فى السياسة بفهم ويعبر بحرية عن مطالبه. لكن المشكلة التى أرصدها هنا هى أن المواطن المصرى يفكر بدون مرجعية، فالفرد إما يفكر فى إطار مرجعية الحداثة، أو يفكر فى إطار القانون، أو فى إطار الدين، أو حتى فى إطار كل ذلك؟ لكن أن يفكر دون مرجعية – وهو الحادث الآن – فهذا جهد ضائع فى الهواء وفوضى ضاربة وحرث فى البحر أى أننا نسير بدون بوصلة. فكيف لنا نخرج من هذا المأزق؟

لابد لنا من الاعتراف أن ما فات كان فشلاً لا يخلو من نجاح ونجاح لا يخلو من فشل، بمعنى أننا نجحنا فى التغيير وإعلان احتياجاتنا (عيش – حرية – كرامة إنسانية). كما ازداد وعى الشعب، لكننا فشلنا فى ترجمة ذلك إلى فعل واضح يسير إلى الأمام بسبب التخبط بين الدولة المدنية والدولة الدينية. وبعد الاعتراف علينا أن ندرك أن الضعف أخطر من الجهل. الضعف يؤدى إلى مشكلات كبرى وخطيرة فالضعف ينكر ما يراه ويدارى ما يخشى ظهوره ( الإخوان – التنظيمات الشبابية – البرادعى – أحمد شفيق... إلخ ) فيرتكب أشياء أخطر ألف مرة مما جرى من قبل ( التسريبات – حبس أصحاب التنوير ... إلخ )، بالتالى علينا التعامل حسب إرادتنا ومواردنا ومكانتنا.

لذا علينا أن نتحلى بالشجاعة فى فهم الحقيقة والفارق كبير جدا بين الحقيقة والواقع ولو أن الشعب سلم بالواقع سوف يفلس ( الاكتفاء بالأمن ). فالحقيقة أكبر من الأمن، لابد أن نمتلك قوة بشرية ونمتلك قدرات إبداعية نمتلك الأمل نمتلك الحاضر. فنحن الآن نتعلق بقشة فلنجعلها خشبة ثم نحولها إلى قارب نجاة فهل يمكننا ذلك؟ هل مازال الصراع بين الدولة الدينية والدولة المدنية قائماً؟ الإجابة نعم والدليل “تعبتنى يا فضيلة الإمام”.
إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات