خيال على الهامش - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 12:13 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


خيال على الهامش

نشر فى : الخميس 26 سبتمبر 2019 - 10:05 م | آخر تحديث : الخميس 26 سبتمبر 2019 - 10:05 م

قرأت خبرا عن نبش قبر طفل لاجئ فكان هذا الخيال.
***
في داخل مخيم لإيواء اللاجئين انتحى جانبا طفلان دون السادسة، أحدهما تشي ملامحه بأن جذوره أوروبية، بشرته بيضاء يتناثر فوقها نمش كثير بلون حبوب القهوة.. عيناه ملونتان بخضرة العشب.. وشعره الأشعث حمرته صارخة كأنها نار. والآخر ملامحه قوقازية، بشرته تميل للاصفرار.. عيناه مشدودتان كأنهما سهمان على وشك الانطلاق.. وشعره أسود كما الليل. الطفلان هما ثمرة لعلاقة عابرة بين رجل وامرأة، فعلى هذه الأرض تحاربت كل الأجناس ومورست كل أشكال النخاسة صراحةً أو تحت مسمى الزواج. هما لا يدريان بالضبط ما شدّ أحدهما للآخر، كيمياء العلاقات البشرية سر لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، ولعلهما حتى أخوان.. أخوان؟؟ نعم ولم لا، فلربما تزوج أبوهما مثنى وثلاث ورباع وقطف من كل بستان زهرة. المحاربون على شاكلة أهل الطفلين شدّوا الرحال من بلدانهم وجاءوا لينتقموا من طغاة بلدانهم في صورة طغاة آخرين أسهل قنصاً وأدنى هدفاً، وفيما هم يحاربون ويقتِلون ويُمثّلون فإنهم لا ينسون نصيبهم من متع الحياة الدنيا أبدا. ودّ الطفلان لو يبث أحدهما هواجسه للآخر لكن لغة الكلام تعطلت فلكلٍ لسان مختلف، عموما هذه العقبة هي الأهون فغداً يتقنان لغة البلد الذي نُصِب فيه المخيم أكان هذا المخيم تركياً أو عربياً أو أوروبياً، غداً يكون بوسعهما التفاهم. رغم قسوة الحياة المخلوطة بالغبار والإهانة والمجهول فإن حياة المخيم أحّب إليهما من سواها، وهما بالتأكيد أفضل حالا من أطفال آخرين معروفة بلدانهم لكن أبوابها موصدة أمامهم. أن لا تعرف أصلك ومن أين بلد جئت أو جاء ذووك خير ألف مرة من أن تعرف مصدرك وتشعر بالنكران، إحساسك بالغربة يكون أقل لأنك لا تشعر بالانتماء إلى أي مكان، الانتماء؟ ما أغرب وقع هذه الكلمة على آذان أطفال الحروب.
***
يُخرج الطفل القوقازي تمرة من جيب بنطلونه الجينز ويناولها لصديقه فيأخذها ممتناً، لا يحتاج التعبير عن مشاعر الامتنان أكثر من هزة رأس، هز الصديق رأسه شاكرا وابتسم على قدر ما طاوعته شفتاه على الابتسام، وإنها كانت عنيدة. في ذاكرة كل منهما ذكرى أيام لا تُنسى، خيضت أمامهما حرب حقيقية لا بل حروب أُرغِما على معايشة وقائعها الكريهة إرغاما.. سالت على مرأى منهما دماء بعضها يخصهما والبعض الآخر لا، فمتى يتوصلان إلى لغة يتبادلان فيها الذكريات المؤلمة؟ سيحدث هذا التفاهم يوما.. سيحدث حتما. فوق المخيم تمر طائرة بسرعة البرق فيهرولان بدون تنسيق مسبق ومعهما كثير من الأطفال أكبر منهما وأصغر كي لا تفوتهم اللقطة العادية/المثيرة . لا يحفل المسؤولون بتحذير الصغار من أن المخيم قد يكون هو نفسه هدفا للطائرة، لم تعد المخيمات محصّنة من القصف ولا عاد الأطفال في مأمن، عموما هم في غنى عن التوجيه فخبرتهم بمصادر الخطر، باسم الله ما شاء الله، تفوق عمر أكبرهم سنا بكثير، يعرفون متى يختبئون ومتى يظهرون، متى ينهضون ومتى ينبطحون، ولا بأس إن سقط منهم واحد أو آحاد فلكل حرب ضرائبها. صارت قلوبهم جميعا كالحجر أو أشّد قسوة .
***
هذا الجيل قادم إلينا إذن بمرارته وقساوته وسخطه على الكل، جيل لا يتعلق بأحد ولا يرتبط بأحد لأن أحدا لم يتعلق به ولا ارتبط. يتسرب إلى المخيم خبر الطفل اللاجئ الذي أُخرِج جثمانه من القبر في دولة اللجوء لأن رفات أمثاله لا يصح أن تختلط برفات أبناء الوطن، يا الله! حتى في باطن الأرض يوجد تمييز بين الناس فتتفوق رفات على رفات ويتواصل اللجوء من قاع إلى قاع، هل هذا معقول؟ ودّ الطفلان لو ردّا على هذا السؤال فوقفت اللغة حاجزا بينهما للمرة الكم لا يدريان، لكن المرارة مثلها في ذلك مثل الامتنان لا تحتاج إلى كلمات تعبر عنها. سكب الخبر اللعين مرارة العلقم في جوفيهما دفعة واحدة فتقززا كما لو كانا توأما ملتصقا بجهاز هضمي واحد. شعورهما الدفين بأنهما أخوان يكبر أكثر فأكثر، لكن بافتراض صحة هذا الإحساس وأنهما بالفعل أخوان ففيم يفيد ذلك؟ لا شيء.. لا شيء بالمرة.
***
دفع الطفل القوقازي رأسه إلي الوراء وراح يستجمع ملامح أمه، يبتسم.. أخيرا يبتسم، لقد كان هو الوحيد المسموح له بأن يرى وجهها وشعرها ومفاتنها، أما العالم الخارجي فكانت تصده عنها طبقات سوداء من القماش فوق طبقات، وعندما كان يطول بهما الوجود وسط الأغراب ويحّن إلى ملامحها المخفية كان يقترب منها ويقترب، يرفع القماش الأسود عن وجهها ويدخل ليراها، أحيانا كانت تزجره لكن غضبها عليه لم يكن يدوم. مممم.. هو يعلم أن والده قُتِل في حرب الكل ضد الكل لكن أين عساها ذهبت أمه؟ قُتِلَت بدورها أو أصيبت أو هربت أو تزوجت، ودّ لو أنها كانت معه كما أن أطفالا آخرين بالمخيم تعيش معهم أمهاتهم، كان يظن أنه رجل لا يبكي لكن عندما سالت دموعه تبيّن أن الرجل يبكي..
***
ترى ماذا سيصنع بِنَا هؤلاء الأطفال وماذا سنصنع بهم؟ ذرات من الغضب والانكسار واللاانتماء والعنف تتجمع وتكبر وتصنع منهم قنابل موقوتة في مجتمعاتنا، أما المجتمعات التي جاء منها أحد الأبوين أو كلاهما فإنها لا تريدهم أبدا، إن أطفال الحروب هم البضائع الوحيدة المجانية فهي تُصّدر بلا مقابل. انتبه الطفل القوقازي على زميله يلكزه ويشير له أن قم فقام، كان قمر ١٤ قد أرسل نوره إلى داخل المخيم وشق طريقه دون استئذان، أصبح المكان أليفا ولطيفا ومؤنسا كما يحدث في مثل هذا التوقيت من الشهر، وأصبح فيه ما يُغري بالسهر واللعب والحياة. سارا على ضوء القمر بحذر كما لو كانا يمشيان على الصراط، اصطدم الطفل ذو الملامح الأوروبية بأجساد النيام فسقط وسقط معه صاحبه !

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات