شروخ العقل المصرى - محمد عصمت - بوابة الشروق
السبت 10 أبريل 2021 5:39 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

شروخ العقل المصرى

نشر فى : الثلاثاء 26 أغسطس 2014 - 8:50 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 26 أغسطس 2014 - 9:57 ص

وكأنهم مصابون بحالة شيزوفرينيا مزمنة، يوجه الغالبية العظمى من الليبراليين والاشتراكيين انتقادات لاذعة للتيارت الإسلامية، بأنهم غير ديمقراطيين يرفعون سلاح التكفير ضد معارضيهم، لا تشغلهم قضايا الفقر والحريات ولا العدل الاجتماعى، وعقولهم منغلقة عن معطيات العصر وقضاياه وتحدياته، وانهم ــ باختصار ــ سبب كل بلاوينا وأساس تخلفنا وإنحطاطنا الفكرى والسياسى..!

وقد تكون كل هذه الاتهامات صحيحة، لكن مكمن هذه «الشيزوفرينيا» السالفة الذكر، ينبع من أن كلا من الليبراليين والاشتراكيين ارتكبوا الكثير من الأخطاء والخطايا مثل الإخوان وحلفائهم.

الكثير من الآباء المؤسسين للتيار الليبرالى فى القرن التاسع عشر فى مصر، ساهموا فى تكريس التبعية للغرب، ــ كما تقول دراسة للدكتورة أمينة رشيد الأستاذة بآداب القاهرة، وذلك من خلال انبهارهم الأعمى بـ «الأسطورة الفرنسية»، ورؤيتهم القاصرة للديمقراطية الأوروبية، فرفاعة الطهطاوى كان مبهورا بالحرية فى فرنسا، ولكنه عندما عاد لمصر، كانت كل اسهاماته قاصرة على بناء مدارس حديثة، انهارت كلها بعد تكاتف أوروبا ضد محمد علي، دون أن يقدم الطهطاوى مشروعا ثقافيا تحرريا كان بالضرورة سيصطدم مع رغبة الوالى بالانفراد بالسلطة دون شريك..أما على مبارك، فكان يؤمن بالتحديث ــ وخاصة العمرانى منه ــ عن طريق سلطة قوية، على حساب الحريات العامة التى تفتح أبواب الفوضى فى رأيه.. كما كان هؤلاء الليبراليون يواجهون طموحات محمد على الامبراطورية، والذى أضاع على مصر فرصة بناء طبقة رأسمالية، كما يقول المفكر سمير أمين فى كتابه «أزمة المجتمع العربى»، وذلك لاحتياج محمد على لبناء جيش قوى للخروج من هيمنة الدولة العثمانية، حيث حرم الطبقة الوسطى المصرية الصاعدة آنذاك من تراكم الثروة وقمع تطورها الطبيعى نحو التصنيع، وانفرد هو بهذه الثروة، فى نفس الوقت الذى تؤكد فيه الدكتورة نيللى حنا فى كتابها « ثقافة الطبقة الوسطى فى مصر العثمانية «أن مصر ــ كانت تشهد نشاطا ثقافيا ورواجا تجاريا وازدهارا للحرف المختلفة، على عكس ما هو شائع بين مؤرخى هذه الفترة التى سبقت ظهور محمد على!

أما معظم الأحزاب الاشتراكية والشيوعية فى مصر، فكانت ترفع شعارات الحرية والعدل الاجتماعى فى نفس الوقت الذى كانت تدافع فيه عن سياسات ستالين القمعية فى الاتحاد السوفييتى، لبنائه دولة بوليسية تعادى الحريات.

قد يرى البعض عذرا للتيارات الليبرالية والاشتراكية فى عدم اعترافها بأخطائها أو قراءة تاريخها بشكل نقدى، ربما بسبب الملاحقات الأمنية والمناخ القمعى الذى كان يحيط بها، لكنها الآن وبعد ثورة يناير وسقوط حاجز الخوف، وانهيار سلطة الدولة الأبوية، لا تزال غير قادرة على المشاركة الحقيقية فى بناء نظام سياسى ديمقراطى جديد، ولا تطرح مبادرات جديدة لتخليص العقل السياسى المصرى من هذه التشوهات البنيوية التى لحقت به !

بدون ديمقراطيين مخلصين لن نحظى فى مصر بديمقراطية حقيقية، وبدون أن تنتبه جماهير هذين التيارين لهذه الحقيقة، ستظل مافيا الإخوان تبث سمومها بين المصريين، وتسيطر على عقول البسطاء منهم، ليس لقوة هذه المافيا ولكن لضعف القوى الليبرالية والاشتراكية بل حتى التيارات الإسلامية المستنيرة، المفترض أنها تحمل مشاعل التقدم والنهضة!

محمد عصمت كاتب صحفي