مباريات الردح المباشر - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 16 مايو 2021 2:42 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


مباريات الردح المباشر

نشر فى : الأحد 26 يوليه 2015 - 9:15 ص | آخر تحديث : الأحد 26 يوليه 2015 - 9:15 ص
مقدم برامج يردح لزميل له على شاشة قناة تليفزيونية، ورئيس نادٍ يوبخ الجمهور على الملأ، وصحفيون يصفون حساباتهم مع كتاب ومحللين سياسيين بالطريقة نفسها لمجرد اختلاف فى الرأى أو التوجه، وبالتالى تحولت مصر والعالم العربى إلى ساحة واسعة للردح، كما لو أن البعض قرر أن يجعل البعض الآخر فرجة للناس كالبضاعة المعروضة فى الشادر الكبير لمن يرغب فى الشراء ومن يكتفى بالمشاهدة.

لم يعد فرش الملاية يتخذ الشكل الفلكلورى خفيف الظل نفسه الذى عرفناه من خلال أفلام الأبيض والأسود، لكن تظل «الغجرية ست جاراتها» كما يقولون، فالصوت العالى وسلاطة اللسان والتبجح على الخلق صنفت دائما ضمن وسائل الردع الفعالة داخل مجتمعنا، وقواعد ممارسة الردح لم تتغير كثيرا فهى تعتمد على مكسب تحطيم الآخر والانتصار عليه و«مرمطة» كيانه، حتى ينكسر وينسحب خجلا أو خوفا. لكن لم يعد الأمر مقصورا على فئة أو طبقة بعينها، ولم تعد الكلمات الشهيرة التى كانت ترد فى وصلات الردح القديمة هى المعتمدة، فلا يأتى ذكر «ياادلعدى» والتى تعنى «يا ألد أعدائى» ولا ننادى على «عمر» كما دأب المصريون منذ العصر الفاطمى، إذ روى أن خطباء الفاطميين كانوا يبغضون شخص سيدنا عمر بن الخطاب ويسخرون منه على المنابر منددين ببعض مواقفه، قائلين«وأين كنت أنت يا عمر؟»، وهم يمطون كلمة «يا عمر» حتى أخذها عنهم الشعبيون واستخدموها فى الردح.

***

فرش الملاية كان يعنى التفرغ للمواجهة والمقارعة، ونحن نشهد حاليا أيضا من يتفرغون للردح حتى بعد أن اختفت الملاية التقليدية وحلت محلها العباية السوداء المتأثرة بالزى الخليجى. ونشهد أيضا من لا يملكون مواهب فى الردح فيستأجرون من يقوم عنهم بالمهمة، وهو ما ليس بجديد، فهناك جرائد ومواقع وفضائيات تردح بالريموت كنترول وفقا لمزاج صاحب العمل ورأس المال. حتى الأنظمة تستأجر «الرداحين» وتختارهم بعناية لتنال من بعض الأشخاص وتشوه صورتهم أو تشيطنهم، ويكتسب «الرداح» شهرة وسلطة، والغوغاء والعامة يرددون وراءه كالقطيع. لذا تظهر معارك وهمية من وقت لآخر، ننجرف إلى ملاسنات إعلامية، ويحتقن المشهد تدريجيا.. وأحيانا يخمد الحريق فجأة بسبب شىء ما حدث فى الكواليس لا يعرفه العامة الذين يبدأون بمتابعة المعارك ثم يلتهون بأخرى أكثر جرأة أو تشويقا. يتحولون إلى «شرابة خرج» أى شراشيب القماش المعلقة على كيس الزاد، فوق الدابة، ويظهر الخواء السياسى أكثر فأكثر على السطح. لأن التنابز بالألقاب والشتائم هى غالبا مجرد غطاء للخواء السياسى أو قد تنم أيضا على صراع للأيديولوجيات، فنحن لا نناقش الأفكار والاختلافات بينها، بل نريد لفكر ــ إذ وجد حقيقة ــ أن ينتصر على الآخر، نردح لممثلى هذا التيار أو ذاك كى ندفعهم إلى الانسحاب والتوارى عن الأنظار دون أى تبادل للمعلومات والقيم والأفكار، دون تفاعل.

***

خواء سياسي؟ صراع أيديولوجي؟ تكسير عظام ولو بالكلام؟ مهما كان الأمر، أنت من تحول «الغجرية إلى ست جاراتها»، أنت من تعطى الحق لصاحب الصوت العالى دون وجه حق، أنت من تخشى زميل أو زميلة العمل لسلاطة لسانهما ولاتقاء شرهما فتعطيهما سلطة، أنت من تسمح بالأسلوب الارتزاقى. قاطع أصحاب المدح والردح، فهم أضعف بكثير من صوتهم العالى وبيوتهم من زجاج لا تحتمل طوبة واحدة.
التعليقات