جلسة حوار رغم الكورونا - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأربعاء 30 سبتمبر 2020 11:36 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

تنصح الأهلي بالتعاقد مع؟


جلسة حوار رغم الكورونا

نشر فى : الجمعة 26 يونيو 2020 - 7:30 م | آخر تحديث : الجمعة 24 يوليه 2020 - 10:00 م

بينما يعيش الإنسان حياته على الأرض بين مؤمن بالله وآخر منكر لوجوده وبين شعوب يُطلق عليها متدينة وأخرى ليست كذلك وثالثة بين بين، وبينما وعاظ البلاد المتدينة فى المساجد والكنائس والمعابد يلهبون المشاعر بأن الإيمان بالله هو الطريق الوحيد للأمان عند الإنسان، فالنجاح والفشل بيد الله وهو يعتنى بالمؤمنين به، وعليهم ألا يخشوا من مرض أو فقر أو ضيق من أى نوع، وأنه فى حالة إذا مرض المؤمن فهو ابتلاء من الله، لكن المطمئن أن هناك رجالًا من المؤمنين بالله لديهم قدرة ربانية ومواهب إلهية وروحية يقدرون من خلالها شفاء المرضى بإذن الله، وبينما الوعاظ من جميع الأديان يجلجلون معلنين للمتعبدين أنهم يستمتعون دون غيرهم من غير المؤمنين بعناية إلهية خاصة، إذا بكورونا يجتاح البشر من كل الأجناس والأعراق والأديان والغريب فى الأمر أن الإصابات طالت المؤمنين بل وبعض القيادات ورجال الدين، والأنكى أنها طالت الذين يدَّعون القدرة على شفاء الأمراض. من هُنا أثير الكثير من الأسئلة بهذا الشأن من أهمها: لماذا الكورونا هنا والآن؟ ولماذا فى هذا العصر بالذات؟ وإذا كان الله موجودًا وفاعلًا لماذا ترك الذين يتبعونه ضحية لهذا الكوفيد القاتل؟ وتُرى ما هى الطريقة المثلى التى نتبعها فى تواصلنا مع إلهنا إذا كان معظم الضحايا من المؤمنين؟! وبينما أتأمل فى هذا الموقف الصعب فوجئت بعدد لا بأس به من الشباب يطلبون الجلوس معى للحوار، وأرسلوا عدة أسئلة صعبة، وهى ما وضعت معظمها فى صدر مقالى هذا.
***
بدأت حديثى معهم بأن دعونا نتفق أن المشكلة ليست بالطبع فى الله، لكنها فى مفهومنا نحن عن الله وفى الطرق التى يستخدمها الإنسان للوصول إليه ولنبدأ بنظرية أو طريق «الإيمان المثالى» والذى ينادى به بعض المفكرين والفقهاء واللاهوتيين وبعض رجال الدين وهو الخطاب الذى يعمل على إنتاج الإنسان المثالى، وبالتالى المجتمع المثالى، والإنسانية المثالية (تحقيق الكمال الإنسانى)، وهذه المدرسة تحاول إقناع الإنسان أنه يستطيع أن يصل إلى سماء الكمال الإنسانى ببحثه عن الحقيقة المطلقة فالدين الحقيقى هو: العدالة الكاملة والسلام الشامل والدين المثالى والمذهب الأمثل... إلخ وهذه المحاولة بدأت من قبل ظهور الأديان مع حركة الفلاسفة، وتجسدت فى كتاب «المدينة الفاضلة» لأفلاطون، أو الدولة المثالية، والتى تحاول أمريكا الآن تحقيقها بمنظومة نهاية التاريخ: الديمقراطية ــ الرأسمالية ــ المسيحية... إلخ، وهى بالتوازى مع الدولة الإسلامية فى العالم الإسلامى التى تطبق شرع الله وحدوده، وفى اليهودية دولة إسرائيل.
لكن هناك مدرسة أخرى عكس الأولى اتجهت منحى آخر يقول: إن الوجود عبء نهايته العدم، فلماذا لا نتخلص من هذا العبء وهى ما أطلق عليها النزعة العدمية لرفض الحضارة الإنسانية الساقطة، وعدم التمتع بها على أساس أن العالم يتجه للفناء، فلنسرع به إلى مصيره المحتوم وقد عبَّرت هذه الحركة عن ذاتها داخل الأديان من خلال التقشف فى المسيحية، والتصوف فى الإسلام، والعدمية فى الفلسفة لكن ظهر طريقٌ ثالثٌ عكس هذين الطريقين هو طريق الاستمتاع بالحياة، فالإنسان هو سيد الخليقة، والدين الحقيقى هو الحضارة الحديثة والتقنية والتكنولوجيا، هذا مع النزعة الإنسانية البحتة، أى الحرية الكاملة للفرد بلا عوائق أو حدود، فليعبدالإنسان من وما يشاء، يعبدالشيطان أو الطبيعة أو الإنسان أو أى شىء آخر ليصل إلى المعرفة الكاملة، لكنهم وجدوا أن هذا الطريق بكل حداثته وغناه وروعته يفتقد إلى المعنى، وقد وجدوا فى نهاية ذلك الطريق التلوث البيئى والذرى والأخلاقى والصراع والمثلية الجنسية... إلخ
***
من هنا جاءت مدرسة الهروب إلى اللاوعى، فعندما لم يجد الإنسان مهربًا من ذاته أو من وجوده قرر أن يهرب إلى اللاوعى أى يستبعد الله من وعيه أى ينكر وجود خالق. وهنا علينا أن نلاحظ أن هذه المحاولات للهرب من الذات قام بها المصلحون والأنبياء والقديسون والملاحدة... إلخ لكن كُل بطريقته. هنا توقف الإنسان أمام فشل الطرق التى توارثها وتخيل أنها سوف تصل به إلى تعايش مع إله كامل صالح، لكنها لم تصل به لشىء من ذلك، فقرر أن يتجاهل كل النظريات الفلسفية والدينية المعروفة، وأن يتواصل فرديًا فى علاقة شخصية مع الله الحكيم الذى يقهر الرعب بحكمته، الله الجميل الذى نراه فى عيون الأطفال ولوحات الفنانين وإبداع الموسيقيين، الله نبع الحب والخير والجمال، فقد قالوا له وهو طفل صغير: إذا آمنت بالله وأقمت معه علاقة سوف تتغير حياتك وسوف يعتنى الله بك وبمستقبلك، ويملؤك حكمة، وجميع مشكلاتك مع والديك وأولادك وزوجتك وأصدقائك وكل من تتعامل معهم سوف تُحل، فإلهُنا كلى الحكمة والقوة والجمال، اطمئن ولا تخف، وإذ به يصطدم بإيمانه البسيط بكوارث على المستوى الشخصى والعام، موت مفاجئ، حوادث طرق انتجت إعاقات، حروب لا ناقة له فيها ولا جمل أفقرته، ورأى بعينيه قديسين وأولياء يصنعون معجزات ماتوا معذبين بالسرطان أو فى حوادث مروعة أو بالكورونا، وفى حيرته هذه سمع أن آخرين قاموا بحل المعضلة بإعلانهم أن إلههم هو إله القضاء والقدر، هو يَعرفُنا من قبل أن نُولد، يعرف تفاصيل حياتنا، مكتوب عنده أيامنا وأعمارنا وحياتنا من قبل ولادتنا، وكل إنسان فرد له دور واضح ومحدد فى خطة الله لا يستطيع تجنبها، لذلك فالفشل والمرض والزلازل والكورونا «كُلُ من عند الله» الذى صنع كل شىء بدقة وقوة وهكذا استسلم الإنسان للقضاء والقدر، ورأى الله فى فشله وفقره وغبائه وإدمانه وضياعه فهذا هو قدره الذى لا مهرب منه.
قلت: عظيم لكن كل هذه المنظومة التى تعايش بها الإنسان مستسلمًا لما ظن أنه قدره اصطدمت بالإبداع الإنسانى غير المتوقع، اصطدمت بحرية الإنسان وإرادته وعقله، وهو ما خلقه الله فى الإنسان لاستخدامهم وليس لهم وظيفة أخرى، فالحرية والإرادة والعقل هى التى ساعدت الإنسان ألا يكون مجرد آلة فى يد آخرين، وباستخدامهم تحرر الإنسان من العبودية لأخيه الإنسان وصار إنسانًا آخر حرًا، وتحرر من الاستعمار وتحررت المرأة من العبودية للرجل وحكمت أقطارًا وما زالت وحطم الإنسان محدوديته فى الزمان والمكان من خلال السيارة والطائرة ومركبات الفضاء، وهكذا يمكننا أن نرصد أنه عندما حاول الإنسان التعايش مع الله فى الجانب الجمالى والأخلاقى اصطدم بنقائص الحياة وآلامها، وعندما حاول التعايش مع إله القضاء والقدر اصطدم بحرية وإبداع الإنسان، حينئذ أدرك أن الله مع الحرية والإبداع والجمال وأنه جميل يحب الجمال.
***
فى النهاية وصلنا إلى أنه علينا أن نتيقن من وجود الله وحضوره المستمر بغير انقطاع فى العالم الذى نعيش فيه، وحضور الله يتحدانا كبشر بل ويتحدى كل إنسان منا فى كل لحظة من لحظات حياته، فالله لا يمكن اختصاره فى حدود الأخلاقيات، أو الجمال الإنسانى، أو المعجزات أو القضاء والقدر أو العدالة... إلخ، الله هو كل ذلك وفوق كل ذلك بل أوسع وأرحب من كل ذلك، لذلك من المستحيل أن يُلم الإنسان بكل أبعاد الله، وهكذا لابد وأن تتسم علاقتنا بالله الحى بما يُدعى بـ«التوتر الخلاق» ذلك الذى يجعل الإنسان دائمًا مفتوح العينين، مبهورًا بما يقوم به إلهه حيث يجده فى مكان لا يتوقعه، وينبهر بتحركه غير المتوقع من أى بشر، وبإبداع إلهى، ذلك لأن الإنسان إذا تصور الله فى إطار معين أو محدد أو تصوره من خلال إدراك عقله وخياله المحدودين فلن يكون هذا هو الله المُعَّرف به فى الكتب المقدسة بأنه غير المحدود وغير المحدد، الذى بلا بداية ولا نهاية، إنه الكامل بل الكمال ذاته الذى يفوق كل تخيل للعقل البشرى، فكل ما ندركه عن الله هو كل ما هو حق كل ما هو جليل كل ما هو خير كل ما هو جميل، لذلك لا علاقة لله بظلم الإنسان لأخيه الإنسان ولا بظلم الرجل للمرأة ولا ظلم الحاكم للمحكوم ولا ظلم القوى للضعيف ولا ظلم الذكى للغبى لأنه هو العادل وهو العدل وهو الحقيقة وهو الحق وهو المحبة وهو الحب لذلك علينا أن ندرك أن التقدم من صنع الإنسان وذكائه وحريته وطموحه وكذلك التخلف من عمل يدىّ الإنسان وغبائه، فلا يحق أن يلوم الله أو بشرا عليه. من هنا نستطيع أن نُجيب وبسهولة عن سؤال البرية لهذا العصر: لماذا كوفيد19؟ هل هو من صنع الله أم من قذارة الإنسان سواء كانت قذارة فكرية وعلمية أو قذارة بيئية حاضنة؟!

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات