خداع الفائض فى ميزان المدفوعات - مدحت نافع - بوابة الشروق
الأحد 11 أبريل 2021 3:30 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

خداع الفائض فى ميزان المدفوعات

نشر فى : الإثنين 26 يونيو 2017 - 9:20 م | آخر تحديث : الإثنين 26 يونيو 2017 - 9:20 م
مازلت أذكر تلك المحاضرة الهامة بعد أن مر عليها عقدان من الزمن! يدخل أستاذ الاقتصاد الجليل، فيفحص تلامذته بعينين ثاقبتين، ثم تعلو وجهه ابتسامة مشفقة على هؤلاء السذّج الذين تغسل عقولهم آلة الإعلام، فيصعقنا بعبارة مازلت أذكرها كأنها بالأمس: هل تحسبون فائض ميزان المدفوعات الذى تعلن عنه الحكومة كل حين هو خير لكم؟ بل هو شر لكم، إذا ما كان الفائض بفعل القروض وزيادة المديونية.. كانت تلك هى المرة الأولى التى نبصر فيها نحن الصغار تفاصيل ميزان المدفوعات، فندرك أن جانبا من هذا الميزان هو محض تدفقات من الخارج صحيح، لكنها تدفقات تعكس التزاما مستقبليا على الدولة، وهذا الالتزام مستحق للسداد بواسطة هذا الجيل أو الأجيال التالية.
كانت آلة الإعلام فى عهد غابر لا تنفك تذكر ما نحققه من فوائض فى ميزان المدفوعات، ولا تهتم بالعجز الكبير فى ميزان التجارة، والذى يعكس الفرق بين صادرات الدولة السلعية ووارداتها، أو العجز فى ميزان المعاملات الجارية والذى يشمل ما تصدره الدولة وتستورده من خدمات مثل خدمات السياحة والملاحة والخدمات المالية وغيرها.. المعاملات الرأسمالية إذن كانت تتسبب فى تحقيق الفائض نظرا لتدفّق القروض والمساعدات عبرها، بل وحتى الاستثمارات الأجنبية التى تتدفّق عبرها هى التزام على الدولة، وعادة ما ينشأ عنه عجز جديد فى ميزان التجارة، خاصة إذا اعتمد هذا الاستثمار الأجنبى المباشر على مواد مستوردة، وخلق حاجات جديدة لدى المواطنين نشأ عنها مزيد من الاستيراد السلعى والخدمى.

***
تذكرّت تلك المحاضرة وأنا أستمع إلى بيانات رسمية تزف إلينا خبر تحقيق ميزان المدفوعات المصرى فائضا كليا بلغ 11 مليار دولار خلال الفترة من يوليو 2016 إلى مارس 2017 (منها 9 مليارات بعد قرار التعويم). البيان الصادر عن البنك المركزى يزف بشرى للشعب لأن ميزان معاملات الاقتصاد المصرى مع العالم الخارجى (ميزان المدفوعات) قد تحوّل من العجز إلى الفائض بالمقارنة بذات الفترة من العام المالى السابق. لكن عين المتخصص الذى يبحث فى التفاصيل تأبى أن يمر هذا البيان دون تمحيص.
البيان يوضّح التحسّن فى موازين التجارة والمعاملات الجارية بالفعل، لكن التحسّن النسبى والذى تعكسه معدلات تراجع فى العجز تبدو كبيرة، لا تمثّل إلا مساهمة ضئيلة من قيمة الفائض المذكور. كذلك يمكن بعد فحص ميزانى التجارة والخدمات كل على حدة أن نكتشف أن التحسن الذى أبرزه البيان باعتباره إنجازا لقرار التعويم، يعود فى جانبه الأكبر إلى زيادة فى الإيرادات السياحية بلغت 128,3% خلال الفترة يناير/مارس 2017، وبالتأكيد هذه الفترة من العام السابق كانت تخيّم عليها أحداث أمنية سيئة للغاية هبطت بعائدات السياحة إلى مستويات غير مسبوقة.
البيان يذكر أن ميزان المعاملات التجارية قد حقق تراجعا فى العجز بلغ 12,4% خلال الفترة يوليو/مارس و 37,7% خلال الفترة يناير/مارس (فى إشارة واضحة إلى تميّز الفترة التالية لقرار التعويم). لكن التراجع الأكبر للعجز يعود إلى الطفرة الكبيرة فى عائدات السياحة، والتى لا يمكن أن نعزيها إلى قرار التعويم وحده بعيدا عن السياق الأمنى وقرارات وقف حظر الرحلات الجوية إلى شرم الشيخ من قبل العديد من الدول وشركات الخطوط الجوية فى أعقاب حادث الطائرة المنكوبة فى أكتوبر 2015.
دليلنا على محدودية أثر تحرير سعر الصرف على ميزان المعاملات الجارية، الأثر المتواضع على ميزان التجارة والذى حقق عجزا يبلغ 9.2 مليار دولار بدلا من 10 مليارات خلال الفترة من يناير إلى مارس من العام السابق! التحسّن الذى لا يزيد على 8.1% ولا يقارن أبدا بحجم التراجع فى قيمة العملة الوطنية، ويتضمّن فى جانب منه انخفاضا فى الواردات السلعية مشفوعا بقرارات إدارية وقيود جمركية ورسوم إغراق.. نتج عنها أزمات نقص سلعى فى الأسواق تحوّلت بسرعة إلى موجات تضخمية متتالية بمعدّلات شبه يومية تنذر بتضخم منفلت.
فائض ميزان الخدمات تراجع خلال الفترة يوليو/مارس 2016/2017 مقارنة بنفس الفترة من العام السابق أيضا بفعل تراجع الإيرادات السياحية. تراجعت أيضا متحصلات قناة السويس بنحو 200 مليون دولار!، وبلغ عجز ميزان دخل الاستثمار 3.2 مليار دولار كنتيجة أساسية لتحويل أرباح الشركات الأجنبية العاملة فى مصر، بينما لم تكن متحصلات مصر من الاستثمار من الخارج بأكثر من 305.3 مليون دولار!. وربما كانت تحويلات العاملين المصريين فى الخارج (والتى ارتفعت بنسبة 10,9% طوال الفترة وبنسبة 13,8% منذ قرار التعويم) أبرز البنود التى تأثّرت إيجابا وبشكل مباشر بتخفيف القيود على السحب والإيداع والتحويل للنقد الأجنبى، تلك القيود التى أضعفت الثقة فى تعامل النظام المصرفى مع الصرف الأجنبى وفتحت أبوابا خلفية لتحويلات العاملين خارج هذا النظام. وعلى أية حال فالزيادة المذكورة والتى تمثّل 10.9% لا تزيد قيمتها على 450 مليون دولار!.
***
من أين إذن أتى الفائض الكبير فى ميزان المدفوعات؟ هل من الاستثمار الأجنبى المباشر؟ الإجابة من البيان أيضًا وليس من ديباجته، فالاستثمار الأجنبى المباشر ارتفع خلال الفترة المذكورة بنحو 12,1% بما لا يزيد على 1.2 مليار دولار، وبالتأكيد معظم الزيادة تعود إلى استثمارات فى قطاع البترول (صافى التدفق الداخل من قطاع البترول 1.8 مليار دولار خلال الفترة المذكورة)، أى استثمارات أجنبية فى استخراج مواد خام ناضبة غير متجددة، والجانب المصدّر من إنتاجها يتم تصديره فى صورته الخام، وبدون قيمة مضافة تعود على الاقتصاد المصرى بالنفع.
مع هذا يظل رقم الـ11 مليار الذى تصدّر البيان وكان مادة خصبة لصحافة الولع بالأرقام الكبيرة لغزا للباحث عن الحقيقة، إلى أن تقع عيناه على تلك الأرقام الكبيرة التى توارت بين سطور التقرير، والتى منها صافى تدفّق استثمارات أجنبية «غير مباشرة» واردة إلى مصر تقدّر خلال الفترة موضوع التقرير بنحو 7,8 مليار دولار!..هل استثمارات الحافظة تلك تمثّل مشتريات الأجانب فى أسهم الشركات المصرية أو حتى سنداتها؟! كلا إنها تمثّل فى معظمها شراء الأجانب فى أذون الخزانة المصرية بصافى مشتريات بلغ 4,3 مليار دولار، فضلا عن سندات مصرية فى الخارج بلغت قيمة إصداراتها 3,9 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى مارس 2017 فقط. ومن المعلوم أن متوسط أسعار الفائدة على أذون الخزانة المصرية بالعملتين المحلية والأمريكية مرتفع للغاية بما يبرر إقبال المستثمرين على تغطية العطاءات. فإذا كانت الفائدة على أذون الخزانة بالعملة المحلية قد تجاوزت أسعارها 20% فى بعض العطاءات الأخيرة، فهذا يعكس خللا واضحا فى تسعير تلك المنتجات المالية، والتى يفترض أن تستخدم كأساس للمنتجات المالية الأخرى بعد إضافة هامش المخاطر المناسب لكل منها. وإذا كانت أذون الخزانة تطرح فى السوق المحلية بعملات أجنبية بلغت أسعار فائدتها فى المتوسط 3.5% (عطاء مايو الماضى) فهذا يقارن بأذون خزانة أمريكية تمنح عائدا أقل من 1% وأقرب إلى الصفر معظم الفترات (بعد مرور أزمة 2008)، ناهيك عن دولة مثل اليابان تحوّلت فيها الفائدة لتصبح سالبة.
المستثمر الأجنبى «الرشيد» لن يتردد إذن فى تحمّل قدر من المخاطرة للحصول على فائدة بالدولار الأمريكى تقترب من 3 أضعاف ما يمكن أن يحصل عليه فى الولايات المتحدة، وسوف يقبل على أذون خزانة بالعملة المحلية (خاصة بعد التعويم) ليستفيد مرتين، مرة من انخفاض قيمة العملة المحلية أمام عملة دولته، ومرة من أسعار الفائدة المرتفعة والتى قصد بها امتصاص التضخم الناتج عن التعويم. الأمر بالنسبة لسندات الخزانة الدولارية لا يختلف عن هذا، علما بأن العائد على تلك السندات قد بلغ 8% فى إحدى الشرائح ثم يباهى المسئول بتغطية العطائات أكثر من مرة، دون التفات إلى عبء الديون التى بلغت 3,6 تريليون جنيه بما يصل إلى 107% من الناتج المحلى الإجمالى وبمعدلات نمو مقلقة للغاية للدين بشقيه المحلى والخارجى، وخاصة الدين العام الخارجى.
القروض والتسهيلات طويلة ومتوسطة الأجل سجّلت أيضا صافى استخدام بلغ 5,1 مليار دولار مقابل نحو 504 ملايين دولار فى الفترة المقارنة! فلا شك أن الأحد عشر مليارا المتدفقة من العالم الخارجى لا تعدو أن تكون قروضا وتسهيلات وشراء الأجانب لأوراق دين مصرية، وتلك الأخيرة إذا صح وصفها علميا بأنها تمثل استثمارا غير مباشر، فعمليا هى ديون لا يتم إعادة توظيفها فى مشروعات تغطى عائدها، بل فى الغالب تستخدم لزيادة الاحتياطى من النقد الأجنبى لسداد الالتزامات! أى هى مديونية جديدة لسداد مديونية قائمة.
الشرح يطول فى مسألة خداع البيانات، لكن استهلاك البيانات الصحفية لتحويل صورة سلبية إلى إنجاز هو أمر لا أظنه فى صالح مصدر البيان ولا فى مصلحة شعب يراد له أن يحصل على حقه من المعرفة!.

 

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات