كورونا.. آخر أجراس الإنذار؟ - العالم يفكر - بوابة الشروق
الإثنين 13 يوليه 2020 1:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

كورونا.. آخر أجراس الإنذار؟

نشر فى : الثلاثاء 26 مايو 2020 - 10:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 26 مايو 2020 - 10:25 م

نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتبة رفيف رضا صيداوى... نعرض منه ما يلى:

يبدو أن ظهور فيروس كورونا ما هو إلا آخر جرس إنذار من بين تلك الأجراس التى أطلقتها كل الدعوات السابقة والراهنة، من فلسفية وسوسيولوجية وأنثروبولوجية وبيئية وغيرها، إلى ضرورة أنسنة العالَم، والتى لم تكُن قد لاقت إلى الآن آذانا صاغية، على الرغم من تنوُّع مَصادرها واتجاهاتها... إلى أن نُكِب العالَم بوباء كورونا أو Covidــ19، الذى قد يقود إلى تشكيل وعى عالَمى جديد ربما يكون ــ فى حال نجاحه ــ قد حقَق انتصار ثورة الطبيعة على ثورات البشر التى عرفها القرن الحادى والعشرون.
الكُتب والأبحاث، التى واكَبت التغييرات العالَمية التى أحدثتها العَولمة منذ تسعينيات القرن الفائت، ولاسيما التغييرات السلبية على الأصعدة كافة، توالت بالآلاف. عناوين مُتفرقة ومَفاهيم جديدة مثل «خيبات العَولمة»، و«اختلال العالَم» وبربريته وعُنفه وفوضاه، وكذلك حداثته «السائلة» أو «الفائضة» أو «الفائقة»... إلخ، أضحت صرخات مدوية ضد «عالَم الميوعة» بثالوثه غير المقدَس الذى يتألف، بحسب صاحب مفهوم «الميوعة» أو«السيولة» زيغمونت باومان، من أقانيم ثلاثة: اللايقين، فقدان الأمن، فقدان الأمان.
فيروس كورونا هو إذا وليد هذا العالَم الذى تحتدم فيه الحروب واستخدامات الأسلحة النووية والسامة والأزمات المالية والاصطفافات الطبقية، سواء داخل كل دولة من دول العالَم أم بين القارات والدول، بقدر ما تزداد فيه المَخاطِر البيئية بفعْل استنزاف الكوكب وتدمير المحيط الحيوى للأرض، وما يرافق هذه المظاهر كلها من تدهورٍ فى الظروف المعيشية للبشر المثبَت بمعدلات الفقر. لكن هذا الفيروس المُتناهى الصغر، والذى يبلغ حجم جينوماته بين 26 إلى 32 كيلو قاعدة، نجح فى شل العالَم وإزالة وهْم البشرية المُتناهى الكِبر بامتلاك القوة. ففيما نحن فى بدايات ثورة صناعية رابعة تتوزع تكنولوجياتها الناشئة بين مجالات الروبوتات، والذكاء الاصطناعى، وتكنولوجيا النانو، والتكنولوجيا الحيوية، وإنترنت الأشياء وغيرها، طفا البُعد الروحانى على سطح المُجتمعات العلمانية والدينية، المتقدمة والتقليدية، فى دلالةٍ على حجم القلق واليأس اللذَين أفضت إليهما ليبرالية متفلتة من أى معيارية أخلاقية، بعدما أسرفت فى تعظيم الذات الفردية.
أمام خطر الموت الذى يؤذن به الفيروس، مَحت ردود فعل شرائح عريضة من الناس عقودا من عقلانية الحداثة. أناس اليوم، كما أناس الأمس ردوا الأمر إلى الغضب الإلهى، فلجئوا إلى الخالِق، طالبين الرحمة والغفران، شأنهم فى ذلك شأن الأوروبيين حين داهمهم وباء الطاعون الدبلى (1347ــ 1350) المعروف بـ«الموت الأسود»، وأهلك نحو ثلث سكان القارة؛ أو حين داهمَ الجدرى العالَم فى القرنَين الخامس عشر والسابع عشر، أو الكوليرا (1817ــ 1823)، أو الإنفلونزا الإسبانية (1918ــ 1919) التى أصابت نحو 500 مليون شخص، وتسبَبت فى موت أكثر من 50 مليونا على مستوى العالَم... ولم تكُن هذه العودات بمعزل عن تلك المُحاكاة لِما وَرَدَ فى العهد القديم (التوراة) والإنجيل والقرآن حول العقاب أو الآخرة أو يوم القيامة ونهاية الزمان، بعد أن يكون الفساد قد استحكم بالمُجتمعات، فتغدو نهاية العالَم عِقابا إلهيا مدويا؛ حيث وَرَدَ، فى العهد القديم، على سبيل المثال لا الحصر: «فَهوَذَا يَأْتِى اليَومُ المُتَقِدُ كَالتَنُورِ، وَكُلُ الْمُستَكبِرِينَ وَكُلُ فَاعِلِى الشَرِ يَكُونُونَ قَشا، وَيُحرِقُهُمُ الْيَومُ الآتِى، قَالَ رَبُ الجُنُودِ، فَلاَ يُبْقِى لَهُمْ أَصْلا وَلاَ فَرْعا» (ملاخى 1:4)، فيما وردت علامات اليوم الآخر فى العهد الجديد: «وَلِلوَقْتِ بَعْدَ ضِيقِ تِلكَ الأَيَامِ تُظْلِمُ الشَمسُ، وَالقَمَرُ لاَ يُعطِى ضَوْءَهُ، وَالنُجُومُ تَسقُطُ مِنَ السَمَاءِ، وَقُوَاتُ السَمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ» (متى 24: 29)؛ أما عن الإيذان بفناء العالَم الدنيوى، فقد جاء فى القرآن: «يَسأَلُ أَيَانَ يَومُ القِيَامَةِ. فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ. وَخَسَفَ الْقَمَرُ. وَجُمِعَ الشَمسُ وَالقَمَرُ. يَقُولُ الإِنسَانُ يَومَئِذٍ أَيْنَ المَفَرُ» (القيامة :5ــ10).

من أسطورة التفوُّق إلى الحياة كأسطورة
لئن دَلَّ هذا التماثُل العابر للأزمنة والمُجتمعات والثقافات بين ردودِ فعل البشر على النكبات على شىء، فإنما هو يدل على ديمومة الروحى والإيمانى واندراجه فى أصل حضارة الإنسان، على الرغم من كل ما امتلكه إنسان الحداثة وما بعدها من قوة وحرية ومَعرفة، وتفوُق وسيطرة، سواء على سائر الكائنات الحية أم على الطبيعة عموما. فهذا الإنسان المتفوِق أو السوبرمان النيتشوى الذى قاده تطوره إلى «أسْطَرَة التكنولوجيا» فى هذا المجتمع الرقمى الحديث المحكوم بالتكنولوجيا، والذى أفضت حداثته إلى إعلان «موت الموت»، «واستبعاد أفقه وإزاحته بمهارة من الحياة اليومية» (بحسب الفيلسوف الرومانى الأصل Mario Ionuț Maroșan فى مقالة له على موقع upــmagazine نُشرت فى (2020/3/16)، ما لبث أن لامَسَ ضآلته، ولاسيما مع نيوليبرالية وحشية تُمعِن فى تجريده من كينونته، وفى اختزاله إلى مجرد آلة استهلاكية، تتحدَد قيمته بقوانين السوق، وذلك فى سياق «عملية تصنيع الإنسان القابل للرمى» على حد تعبير الشاعر والكاتب السياسى الفرنسى إيمى سيزر. هذه السوق التى شدَد Mario Ionuț Maroșan على مسألة إخضاعها الموت نفسه لقوانينها، أى كنشاطٍ إنتاجى يحتل حصته فيها، وذلك باتباع نموذج العرض والطلب، والامتثال للمُنافَسة التجارية.
وبقدر ما عبَر فيروس كورونا عن انتفاضة الطبيعة ضد انتهاكات الإنسان لها، واستكباره عليها، هذا الانتهاك الذى عبَر عنه مُصطلح «عِلم الأوبئة المتغير»، الذى اجترحه عالِم الأوبئة المصرى عبدالرحمن عمران لوصف عصرنا بكونه «عصر تحلُل وأمراض من صنع الإنسان»، فتحَ الفيروسُ جردةَ حسابٍ ومُساءلةٍ لكل اليقينيات التى أرستها الليبرالية المتفلتة من أى ضوابط؛ إذ إن الجانب الروحانى للإنسان، ببُعديه الإيمانى أو غير الإيمانى، شىء، والاستسلام للمنطق الغَيبى شىء آخر. وواقع الفوضى والاختلالات من كل نوع الذى أفضت إليه هذه الليبرالية التى «لم تعُد تخاف شيئا» على حد تعبير الباحث الفرنسى فرنسوا كوسيه، يُحتم علينا وضع الإصبع على الجرح، وتعيين مَكامن المرض؛ ومن هنا جملة المُراجعات والأسئلة من كل نَوع التى لا يتوقف تداولُها فى السياسة كما فى الاقتصاد أو الفلسفة وغيرها من الحقول المعرفية.
***
فى السياسة، جاء الفيروس ليُظهِر هشاشة المُجتمعات المتحضرة والغنية، ولاسيما فى الولايات المتحدة، لجهة احتواء الأزمة على المستويَين الصحى والاجتماعى، كاشِفا بذلك الغطاء عن الوعود الفارغة للديمقراطية الليبرالية وحاثا على مُساءلتها. وفى الاقتصاد، سمح الفيروس بمُعاينة زيف الوعود بالرفاه كشعار أساس لليبراليةِ الاقتصادية، ولاسيما أن هذه الليبرالية بملامحها الراهنة زادت الاصطفافات الطبقية، سواء فى أمريكا والدول الغربية أم فى دول العالَم الأخرى، أو بين الدول نفسها، ناهيك باشتداد التنافس كقيمة متحكمة بسلوكيات الأفراد والجماعات والدول فى ظل اقتصاد سوقٍ مفتوح وبلا ضوابط. لا بل إن النشاط الاقتصادى الراهن لم يُساعد فى تقارب الشعوب بقدر ما أظهر أنه تتمة للنشاط الاقتصادى للإمبريالية ومؤسساتها الاقتصادية العملاقة التى شكلت «فرصة سانحة لانتشار مُسببات الأمراض، وخلق بيئة وبائية مُلائمة لها، وذلك تحت شِعار «تنمية» المُجتمعات التى استعمرتها». وتطول لائحة المُساءلات لتشملَ القضايا الأخلاقية والقيَمية والثقافية والأيكولوجية... إلخ، لكن القاسم المُشترَك الذى تتقاطع عنده هذه المُساءلات كلها يتمثل فى إعادتها الطبيعة إلى المركز الذى تستحقه من الاهتمام والعناية، والتساؤل عما إذا كان فيروس كورونا تعبيرا عن ثورة الطبيعة على الإنسان، وعما إذا كانت هذه الثورة هى التى ستُحرِره من غطرسته وتُعلِمه ما لم يعلمه إياه العِلم. فهل يتجه العالَم إلى إعادة إحياء حركة إنسانية أكثر تجذرا وعملانية تَستكمِل تلك التى شهدها القرن العشرون فى النصف الأول منه بعد مُعاناته من ويلات الحربَيْن الأولى والثانية، وما ترتب عن ذلك من دعوات إلى التعاوُن وضروراته والسِلم وخيراته على البشرية جمعاء؟ وماذا عن دعواتٍ كتلك التى نادى بها مثلا أمثال وزير الخارجية الفرنسى الأسبق هوبير فيدرين حول إمكانية الانتقال من «الجغراسيا» إلى «الجغكولوجيا» لئلا يضيع كوكب الأرض منا وتضيع الكائنات الحية منه، وتحديدا البشر، والتى لا تزال غير موضوعة على محمل الجد؟
وهل إن ثورة الطبيعة ستُعلِمنا أن الاجتماع البشرى، كغريزة طبيعية قائمة بالفطرة لدى الإنسان، مشروطٌ ببقاء الأرض وبقابليتها للحياة والنمو، ولاسيما بعدما باعَد فيروس كورونا بين الناس فارِضا عليهم الوحدة والعزلة، وحَرَمَهم حرارة الاتحاد ودفء التواصُل إلا بأشكاله الافتراضية؟
وهل إن ثورة الطبيعة ستُعلمنا أن مُواجَهة الموت كحقيقة لا مفر منها، شأن الولادة، لا تكون بنكرانه أو نَفيه، بل بتقبله بوصفه شرطا إنسانيا نداويه بما نضفيه على حيواتنا من معانٍ إنسانية وبما نصوغ من مَعارف تغتنى بها الإنسانية؟
لقد اخترتُ إنهاء مقالتى بمقطعٍ من رواية «الطاعون» (1947) لألبير كامو، نظرا إلى وجه الشبه الذى يربط هذه الرواية الخالدة بأوضاعنا الحالية، والمُتمثِل بالوباء والموت. يسأل الراوى فى رواية الطاعون ماذا ربح الدكتور ريو (وهو شخصية رئيسة فى الرواية) بعدما خسر صديقه تارو، ويجيب قائلا: «لقد ربح فقط أنه عرف الطاعون وأنه يتذكره، أنه عرف الصداقة وأنه يتذكرها وأنه عرف الحنان وأنه لا بد أن يتذكره يوما. إن كل ما يستطيع الإنسان أن يربحه فى معركة الطاعون والحياة هو المَعرفة والتذكر». فهل تُساعدنا هاتان السمتان الإنسانيتان على إعادة تشكيل وعينا واستعادة إنسانيتنا؟

النص الأصلى
https://bit.ly/2WYTEFI

التعليقات