على طريق مصطفى الفقى - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 12:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


على طريق مصطفى الفقى

نشر فى : الخميس 26 أبريل 2018 - 9:20 م | آخر تحديث : الخميس 26 أبريل 2018 - 9:20 م

مساء يوم الأحد الماضى استضافت مكتبة القاهرة الكبرى بالزمالك ندوة لمناقشة الكتب الثلاثة التى أصدرها الدكتور مصطفى الفقى عن الدار المصرية ــ اللبنانية حول عدد من الشخصيات التى التقاها على مدار مشوار حياته العامرة.هذه الكتب الثلاثة التى تقع فى نحو ألف صفحة تحمل العناوين الآتية: عرفتهم عن قرب، وشخصيات على الطريق، وذكرياتى معهم، وتناولت كافتها علاقة المؤلف بأقل قليلا من ثلاثمائة شخصية فى السياسة والجامعة والأدب والفن من داخل مصر وخارجها. وناقش الأعمال الثلاثة كل من الدكتور أحمد عكاشة عميد أمراض الطب النفسى، والكاتبة الصحفية اللامعة سناء البيسى، وعالم السياسة البارز الدكتور أحمد يوسف، وجاءت مداخلات المناقشين متنوعة من حيث موضوعها، فعلى حين ركز عكاشة فى مداخلته على ذلك الثراء الذى يميز شخصية مصطفى الفقى (أو شخصياته المتعددة بمعنى أدق)، عرّجت البيسى على بعض السير الذاتية التى تناولها الفقى علما بأنها كتبت مقالا بديعا فى الموضوع نشره الأهرام تحت عنوان «ثلاثية الفقي«، أما يوسف فلقد قدم تحليلا رصينا للكتب الثلاثة عالج من خلاله المنهج المستخدم فيها والقضايا المختلفة التى ناقشتها والصفات الذاتية للمؤلف كما يُستَشف من سطورها.
***

فى عمل موسوعى ضخم كهذا الذى نحن بصدده يثور السؤال من أين نبدأ ؟ فالقارئ للكتب الثلاثة يجد نفسه أمام حكّاء من الطراز الأول مولع بتقصى تاريخ الشخصيات التى يتعامل معها، وانظر مثلا إليه وهو يحكى قصته مع الموسيقار الكبير عمَّار الشريعى فستجده يأخذك من عود الشريعى وألحانه وإبداعه إلى بيت عائلته بمركز سمالوط بمحافظة المنيا، وكيف أن بيوتا أخرى كبيت عامر وبيت قسطور نافستها المكانة والنفوذ السياسيين بالتدريج فتكتشف فى نهاية المطاف أنك تقرأ عن جزء من التاريخ السياسى لمصر وليس فقط عن علاقة الفقى بالشريعى. هذا المنهج فى التأريخ عن طريق العلاقات الشخصية أشار إليه دكتور أحمد يوسف فى مداخلته وقارنه بممارسة العظيم الدكتور يونان لبيب رزق التأريخ من خلال ملفات جريدة الأهرام وديوان الحياة المعاصرة، ويمكن أن نضيف إليه قيام صاحب جائزة نوبل بالتأريخ من خلال الثلاثية وقيام المبدع أسامة أنور عكاشة بالتأريخ من خلال ليالى الحلمية، أو التأريخ الشفهى لسير النساء بواسطة مؤسسة المرأة والذاكرة.
***

من بين العديد من الخطوط والخيوط التى يمكن تتبعها، اخترت خطا أعتبره الأبرز فى الكتب الثلاثة وفى شخصية الفقى نفسه، وذلك الخيط هو قدرته الفائقة على نسج شبكة شديدة الاتساع من العلاقات العابرة للأديان والقوميات والاتجاهات والطبقات، وهكذا تجده يتواصل مع كلِ من شاهندة مقلد وزينب الغزالى فيما الأولى مناضلة يسارية والثانية داعية إسلامية، بل تجده يستخدم تقريبا المفردات نفسها فى وصف هاتين السيدتين «قوة البأس وشدة المراس». وهو يعتز بعلاقته بفؤاد سراج الدين وكمال أحمد كقطبين للوطنية المصرية فيما الأول ليبرالى قح والثانى يسارى مخضرم. وهو يعتنق القومية العربية اعتناقا سمحا منفتحا يتسع لصداقة زعيم كردى من طراز جلال طالبانى ومناضل سودانى جنوبى على شاكلة چون جرنج، فإذا ما لوح هذا الأخير بالخيار الانفصالى اعتبر الفقى مسلكه ردا على محاولة طمس الخصوصية الجنوبية. وهو مسلم سنى ابتكر العبارة الذهبية «الشعب المصرى سنى المذهب شيعى الهوى« ثم لم يعد يمل من تكرارها أبدا، لذلك فإنك ترى حبل الود وقد امتد على غاربه بينه وبين شخصيات شيعية رفيعة المقام مثل الرئيس الإيرانى السابق محمد خاتمى، ومازال الفقى يستحضر أمام خاتمى الجهد الرائع للشيخ محمود شلتوت فى التقريب بين المذاهب حتى ليصرّح خاتمى بأنه يتطلع إلى أن يقود الأزهر الشريف (قيادة روحية) العالم الإسلامى بسنته وشيعته. أما علاقته بمسيحيى مصر فأمر يستحق التوقف عنده، فهذه العلاقة لم تبدأ من أطروحته للدكتوراه عن الأقباط فى الحياة السياسية المصرية بل إن هذه الأطروحة نفسها كانت ثمرة إيمانه العميق بقضية الوحدة الوطنية.
***

فى هذه الكتب الثلاثة صور من التمازج الإسلامى ــ المسيحى المصرى على مدار التاريخ، صور ابتكرها الفقى حينا وشارك فى صنعها حينا آخر وحكى عنها باعتزاز حينا ثالثا. كان ميلاد الروائى العالمى نجيب محفوظ على يد الطبيب المسيحى العلامة نجيب محفوظ مجرد مصادفة لا أكثر لكن الفقى وظف هذه المصادفة على طريقته واستبطن منها القول «فكأنما ظل ذلك الروائى المسلم يبشر بالوحدة الوطنية وهو يحمل اسم ذلك النطاسى الكبير«. واستعان الممثل الكبير يحيى الفخرانى بصديقه مصطفى الفقى لاستمزاج رأى الكنيسة فى إمكانية زواج ابنه المسلم من ابنة خاله المسيحية، وبالفعل تواصل الفقى مع نيافة الأنبا بولا متسلحا بعلاقاته الممتازة مع الكنيسة ورجالها وسأل الأنبا عن رأيه فى أمر هذا الزواج، حتى إذا أتاه الرد بالرفض علق الفقى قائلا «قَدَّرنْا موقف الكنيسة الموقرة وتقاليدها الصارمة«. وعندما توفى موريس فخرى عبدالنور أصر المسلمون من أبناء جرجا على إقامة عزاء منفصل لابن مدينتهم لا بل وحاولوا دفنه فى مقابرهم... فأين منّا ذيّاك التدين السمح؟ يهدى ميريت بك بطرس كتابه عن برنامج الغد لصديقه الدكتور إبراهيم مدكور رئيس مجمع اللغة العربية، ويكتب مصطفى الفقى فصلا عن مكرم عبيد فى الموسوعة القبطية لميريت بك، غير ذلك نماذج كثيرة.
***

أما مسك ختام للكتب الثلاثة فكان حديث الفقى عن المستشار وليم سليمان قلادة ذلك الرجل الذى ظل يدافع عن قضية المواطنة حتى الرمق الأخير فى حياته، وكانت لفتة ذكية أن يرد اسم قلادة فى فصل بعنوان حماة الوطن والحق والكلمة، هذا الفصل الذى خُصِّص أغلبه لشخصيات بارزة فى وزارتى الدفاع والداخلية وكأن الفقى يريد بذلك أن يقول إن قلادة وأمثاله لهم دور كبير فى حماية الوطن لا يقل بحال عن دور هؤلاء المسئولين، فأى دلالة للرسالة التى يحملها هذا الختام وأى قيمة يُكّنُها المؤلف لمفهوم المواطنة؟

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات