الموازنة العامة وأهداف التنمية - مدحت نافع - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 يناير 2020 10:38 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

الموازنة العامة وأهداف التنمية

نشر فى : الثلاثاء 26 مارس 2019 - 1:40 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 26 مارس 2019 - 1:40 ص

منذ أيام دعيت من قناة فضائية إخبارية للتعقيب على تصريحات مهمة للسيد رئيس الوزراء بخصوص تحقيق فائض أولى فى مؤشرات الحساب الختامى لموازنة 2018/2019 نسبته 0.4% من أصل فائض أولى مستهدف نسبته 2% بنهاية العام المالى. ولأن مقدم النشرة كان فى عجلة من أمره فقد اهتم بأهمية تحقيق الفائض الأولى لأول مرة منذ سنوات طوال لكن صدره لم يتسع لشرح مفهوم الفائض الأولى، والذى أكاد أجزم أنه غير واضح لكثير من المتابعين بل ولمقدم النشرة ذاته!. على أى حال فقد أنعم الله على بهذه المساحة كى أفسر من خلالها ما لم يتح لى عبر نافذة أخرى.

بعيدا عن التراكيب العلمية فالفائض الأولى المذكور هو ببساطة الفرق بين إيرادات الدولة ومصروفاتها بعد استبعاد خدمة الدين. يتصل بذلك المفهوم نسبة ما تمثله خدمة الدين العام من الإيرادات الحكومية، حيث إن زيادة تلك النسبة يؤثر سلبا على الاقتدار المالى أى على قدرة الدولة على سداد التزاماتها مستقبلا. فإذا علمنا أن تحقيق فائض أولى مستقر ومستدام فى الموازنة العامة هو أحد مؤشرات الاقتدار المالى، لأنه يمنح وزارة المالية صافى إيرادات يمكن تخصيصه لسداد فوائد وأقساط الديون بعد تغطية جميع المصروفات الأخرى، فلا بد من تقدير المدى الزمنى الكافى لتغطية ذلك الفائض المحدود لخدمة الدين العام الذى بلغ نحو 81% من إيراداتنا العامة للعام الحالى.

لدينا إذن أزمة مزمنة فى إدارة ملف الدين العام، أشرت إليها فى مقالات سابقة وأذكر مقالا فى ديسمبر 2015 ببوابة الأهرام بعنوان «هل يقلقنا الدين العام» خلصت خلاله إلى الآتى: «فى ظل ما سبق يتضح أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلى الإجمالى أصبحت مقلقة فى مصر خاصة أن معدل نمو الدين العام المحلى زاد كثيرا (منذ ثورة يناير) عن متوسط أسعار الفائدة، وكذلك فإن سلسلتى بيانات الاستخدامات الكلية والإيرادات الكلية بالموازنة العامة تجنحان بعيدا عن بعضهما البعض وكلا المؤشرين دليل على تراجع «الاقتدار المالى» وهو مؤشر على تراجع قدرة الدولة عن السداد والدخول فى دائرة ما يعرف بالتمويل «البونزى» Ponzi finance الذى يخدع العامة بعائدات كبيرة على أوراق الدين لكنه فى الحقيقة يمول الدين بمزيد من الديون».

لكن الأشهر القليلة من العام الميلادى الحالى جاءت بمؤشرات جيدة لتحسن الوضع المشار إليه آنفا. أهم ما يمكن ملاحظته هو تراجع أسعار الفائدة، التى تؤدى بشكل مباشر إلى خفض أعباء الدين العام، وبشكل غير مباشر إلى تحفيز الاستثمار وخلق مزيد من فرص العمل وزيادة معدلات التشغيل بصورة يمكن معها تحقيق معدلات النمو الطموح المستهدفة بموازنة 2019/2020 والتى تصل إلى 6%، كما يمكنها خفض العجز الكلى فى ذات الموازنة إلى نسبة تقترب من مستهدفاتها البالغة نحو 7.5% خاصة إذا أخذ فى الاعتبار زيادة تدفقات السياحة الأجنبية الوافدة، واتجاه معدلات التضخم إلى التراجع، وتحسن التصنيف الائتمانى للدين العام المصرى والذى صدرت أحدث مؤشراته عن مؤسسة «فيتش» الألمانية والتى رفعت تصنيفها الائتمانى لمصر إلى B+ مع نظرة مستقبلية مستقرة. تحسن التصنيف الائتمانى يعنى قدرة أكبر على خفض أسعار الفائدة على العملة المحلية، خاصة مع تراجع الدولار أمام الجنيه المصرى بشكل كبير على خلفية المؤشرات السابقة، وفى ظل إبقاء الفيدرالى الأمريكى منذ أيام على أسعار الفائدة دون تغيير، مع توقعه بعدم رفع أسعار الفائدة للعام 2019 فى ظل تباطؤ ملحوظ فى الاقتصاد الأمريكى. بالتأكيد ينظر البنك المركزى المصرى بعين القلق من ارتفاع الفائدة على الدولار الأمريكى، نظرا لارتفاع تكلفة الدين الخارجى من ناحية، وإلى الفرصة البديلة المرتفعة التى يوفرها هذا الارتفاع للمدخرات بالعملة المحلية، واحتمال تدفق الاموال بعيدا عن الأوعية الادخارية بالعملة المحلية إلا بمزيد من الرفع فى أسعار الفائدة.

***
توجيهات الإدارة السياسية للبلاد سيكون لها أثر مهم فى احتواء أزمة الدين العام، حيث التفتت بشكل حاسم إلى أزمة تفاقم هذا الدين، وشكلت فى سبيل ذلك مجموعات عمل وزارية همها وضع البدائل للتوقف عن تمويل عجز الموازنة بمزيد من الديون. كذلك وجه الرئيس الحكومة بعدم الاستشكال على حكم صادر ضد وزارة المالية لصالح صناديق التأمينات والمعاشات، وبسرعة رد وزارة المالية للأموال التى حصلت عليها من الصناديق ومن بنك الاستثمار القومى خلال فترة تبعيته للوزارة وقبل انتقال تبعيته إلى وزارة التخطيط. المشكلة هى أن وسيلة الوزارة لرد تلك الأموال كان من خلال إصدار سندات لصالح صناديق المعاشات، أى إننا نعود مجددا إلى الاقتراض من الشعب بغرض رد أمواله إليه، ويصل إجمالى ديون الحكومة المتراكمة لصناديق المعاشات نحو 35 مليار دولار، ما يكلف الموازنة العامة فوائد تقدر بنحو 1.7 مليار دولار سنويا هى قيمة سندات تصدر سنويا لصالح تلك الصناديق حتى تتمكن من دفع الرواتب الشهرية للمتقاعدين. وتقول وزارة المالية إنها تعكف مع وزارة التضامن الاجتماعى على إعداد قانون جديد للتأمينات الاجتماعية والمعاشات، يحدد الإطار العام لنظام تأمينى جديد موحد لجميع المواطنين على أسس عادلة.

***
يمكن للحكومة إذن أن تحافظ على الفائض الأولى الذى تحقق حتى 31/12/2018 ومقداره 0.4% وذلك حتى نهاية العام المالى الحالى، مع توقع زيادته فى العام المقبل ليبلغ 1.4% على الأقل. وأظن أنها بداية جيدة لتحقيق جانب من الاقتدار المالى لابد أن يواكبه تراجع نسبة النمو فى الدين العام وبنسبة أكبر من نسبة تراجع أسعار الفائدة. يمكنها أيضا وفقا للمؤشرات الحالية أن تحقق مزيدا من التراجع فى معدلات التضخم واستقرارا فى أسعار الصرف وزيادة فى معدلات نمو الناتج المحلى الإجمالى وزيادة فى معدلات التشغيل. لكن تظل التنمية الشاملة رهنا بتضافر الجهود لتشجيع الاستثمار على أسس من تكامل القطاعات الاقتصادية، بحيث لا يتسبب الفائض فى قطاع ما إلى عجز فى قطاع آخر، وربما كان العجز أكبر، والمحصلة النهائية سلبية على الاقتصاد الكلى خاصة فى المدى المتوسط والطويل. استراتيجية الطاقة ــ مثلا ــ يجب أن تخدم استراتيجية التصنيع، ولا يتحقق فائض فى إنتاج الكهرباء على حساب تراجع الناتج الصناعى. كذلك يجب ألا نشترى الحاضر بثمن باهظ ولا نشتريه بمستقبل الأجيال المقبلة، فتدخل إيرادات بيع الأصول واستنزاف الاحتياطى المرصود للتطوير والاستثمار كإيرادات سنوية على حساب إيرادات أكبر يمكن أن تحققها تلك الأصول والأرصدة لو تم استثمارها عوضا عن إهلاكها فى الاستخدام الآنى. هذه أمور يدركها صانع السياسة المالية، وأذكرها هنا على سبيل التأكيد لأهميتها المطلقة، خاصة ونحن نعمل فى برنامج الإصلاح مع مؤسسة دولية معنية بالنجاحات النقدية السريعة.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات