النازية ونفسية هتلر - رجائي عطية - بوابة الشروق
الإثنين 6 أبريل 2020 3:26 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

النازية ونفسية هتلر

نشر فى : الأربعاء 26 فبراير 2020 - 10:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 26 فبراير 2020 - 10:10 م

يبدو من دراسة نفسية هتلر، وكل مستبد جرى ويجرى على شاكلته، أنه محكوم بعقد نفسية مترسبة فى أعماقه، وقد بذل الأستاذ العقاد جهدًا ملحوظًا فى كتابه «هتلر فى الميزان» ــ فى تعرية نفسيته، وما اعتورها وأفاض فيه أطباء النفس المتخصصون، سواء فى تقاريرهم المكتوبة عنه لدى إيداعه السجن إثر الانقلاب الفاشل الذى كان قد حاوله فى نوفمبر 1923، أم فى نظر من تصدى منهم لدراسة وتحليل شخصيته، ففى رأى بعضهم أن هتلر مصاب «بالشيزوفرينيا»، وهى مرض ازدواج الشخصية، وقد ينشأ عن الوراثة أو من فرط نشاط فى الغدة الدرقية على نحو يغلب فى النساء المريضات، وإليه يرجع اهتياج الشعور وطغيان الحس. يظاهر هذا النظر أنه لوحظ على هتلر كثير من عوارض الأنوثة فى تعارضات الشعور بين البكاء والمرح، أو الغضب والروية، أو الصخب والهدوء، ومن بعض اهتماماته ومشاعره، وقلة العضل فى تكوين أعضائه. ومن عوارض الشخصية المزدوجة تناقض الفكر والشعور والرأى والسلوك.
وأشار العقاد أيضًا إلى بحث نشرته مجلة «المبضع» الطبية فى أوائل 1940، عن الهستيريا النفسية وعوارضها وعلاماتها، وربطها فى الخيال والحدس بين الأفكار الشتى بروابط غريبة وسطحية، وتشوفها إلى الثناء وتعلقها بدواعى الغرور ونهمها للفت الأنظار إليها.
أما الدكتور «برنشتينر Brinsteiner» الذى امتحن هتلر فى السجن، فقد نقل عنه العقاد أنه فى تقريره نفى عنه المرض العقلى وبوادر الجنون، وأن ما صدر عنه فى الانقلاب الفاشل يسهل رده إلى اختلال العقل واضطراب ميزان التفكير.
وعلى خلاف ذلك يرى الدكتور «ماكس فون جروبر Max von grober» الأستاذ بجامعة ميونيخ، أن تعبيرات وجه هتلر لا تدل على أنه يملك زمام شعوره، بل فيها دلالة على اضطراب واهتياج.
ولمدرسة التحليل النفسى على مذهب فرويد، كلمة فى مزاج هتلر وتركيب عقله وسريرة أخلاقه، ومنهم من يقول إنه رجل «مكبوت الغرائز الجنسية» لعلة فى تكوينه لها دلالات بعدم زواجه وعدم التعرف له على صلة مألوفة بالنساء، وهذا ما يفسر حبه للسطوة والقسوة منطلقًا من غرائزه المكبوتة.
ومن هذه المدرسة من يرى أنه نشأ «مضطرب الأهواء» لتباين معاملته بالتدليل من أمه والشدة من أبيه، ومن هنا ما لوحظ عليه من أنه لا يطيق المعارضة وينتظر التملق والموافقة.
ومنهم من يضيف إلى هذا وذاك أن محنة الفقر والتشرد فى الشباب الباكر ــ قطعت ما بينه وبين الناس من رحم ومحبة وعودته سوء الظن وضعف الثقة بالمودة والوفاء. ومنهم من أرجع بعض صفاته إلى الوراثة من والديه، وأبيه خاصة، ولاحظ بعضهم أنه على إفاضته فى أخبار صباه، يقتضب الكلام اقْتضابًا عن أبيه وأهله، ولا يرتاح إلى هذه السيرة مما ينبئ عن سر مجهول قد يُعزى إليه اختلال الغريزة الجنسية واهتياج الدماغ!
* * *
لم يكتف العقاد بآراء وتقارير الأطباء النفسيين من أهل الاختصاص، وإنما مضى ينقب هل فى سيرته ما يزكى هذه التحليلات، وعلى ذلك مضى العقاد ليستقصى والد هتلر الذى كان ثمرة «غير شرعية» لبنت فلاحة ورجل مجهول، وظل إلى سن الأربعين يُنسب إلى أمه «شيكلجروبر» حتى ترجح الظن فى نسبته إلى من يدعى «جوهان جورج هيدلر»، ثم صُحَّفَ الاسم إلى «هتلر»، وأنه كان مزواجًا، وكانت «كلارا» أم أدولف هى زوجته الثالثة، تزوجها وهو فى نحو الأربعين وهى فى نحو السابعة عشرة، وتراوحت نشأته بين تدليل الأم وشدة قسوة الأب، الذى كان يعانى من نوبات الشلل، وأطلقت الأم على وليدهما أدولف أنه «صريع القمر»، وهى كلمة تقارب عندنا كلمة «المجذوب»، وأجمع من عاشروه على نزقه وسرعة بكائه وكثرة هياجه وتقلب أطواره. ومات أبوه وهو يناهز الثانية عشرة، وأصبح عالة على أمه، وسرعان ما أصيب فى معيشة الطواف والتشرد بمرض صدرى أعفاه من الدرس ومن التجنيد، وهو ما صادف رغبته. وحاول الالتحاق بمدرسة الفنون فى عاصمة النمسا فلم يُقْبل، فقنع بالنقش والتخطيط، ولما ماتت أمه وهو فى نحو الثامنة عشرة أوى إلى بيوت الصدقة ومَدَّ يده بالسؤال، واشتغل بنسخ الصور ونقش تذاكر البريد فلم يظفر من هذا العمل بطائل، فعمل فى حمل الحجارة فى العمارات، ولوحظ أن علاقته بالنساء ظلت ولا تزال محفوفة بالغرابة والغموض، فلم يتزوج ولم يعاشر معاشرة الأزواج، وانتحرت بنت أخته التى كانت تعيش معه فى مسكنه، ولا يحمل شغفه بها وانتهاء هذا الشغف بانتحارها ــ لا يحمل دليلا ينفى عن هتلر الزيغ والنشوز، بل فى ذلك ما قد يثبتهما.
وجملة ما يفهم من أحواله التى خلص إليها العقاد، أنه رجل زائغ الطبيعة، ناضب العاطفة، منقطع الصلة «الشخصية» بينه وبين أبناء جنسه، مستعد للبغضاء والمقت، وليس بمستعد للمودة والوفاء. وأحصى عليه العقاد العشرات ممن انقلب عليهم وقتلهم من أصدقائه بعد أن كان يقول فيهم قصائد المديح، فى الوقت الذى لم يُذكر عنه أنه عفا عن عدو، أو ادخر لصديق بقية من الخير بعد انقلابه عليه، ولا يوجد شاهـد واحـد يشهـد بأنه كان يقسو مضطرًّا، بل كان يبحث عن القسوة وينشدها حيثما أتيحت له للذته وجنوحه إليها!

غرابة أطوار هتلر

المقياس الصحيح لمعرفة سواء أو غرابة الأطوار، لا يكمن فى الأشياء التى يُراد عليها الإنسان ويساق إليها، فهى صادرة من غيره. وإنما تنكشف دخائله وأطواره مما يريده وفق مشيئته وما يتمناه. وهنا تبدو غرابة هتلر وغرابة أطواره فى كل شىء.. فى مسكنه ومطعمه وفرجته وسلواه. ويبدو أن عقل هتلر كان موزعًا بين النور والظلام، وبين صحوة الواقع وغياهب الأحلام والأوهام!
ولا يقصر العقاد فى إيراد أدلته، فيتتبع المشهور الموثق من الحوادث التى تثبت غرابة أطواره، ومن أشهر هذه الوقائع ما عرف بذيول «اتفاق ميونيخ»، واستخلصها العقاد فيما لا يتسع له هذا المقام، وهى موجودة بالكتاب وأوسع منها ما رواه السياسى الإنجليزى الأريب ونستون تشرشل فى موسوعته عن الحرب العالمية الثانية.
ومن مفارقات غرابة أطواره، البساطة البسيطة فى الكساء، والفخامة الفخيمة فى بناء الصوامع والقصور. ولكن المفارقتين فرعان لجذع واحد: هو الغرور والادعاء! فالرجل ناشز فى تبسطه وإغرابه، هارب من الواقع فيما يدعيه وفيما لا يدعيه.

سيماه!

أعيا المتأملين سرّ «زعامة» هتلر، ولماذا كان يستهوى الجماهير، وما الذى كان فيه يعوضه عن طلعة وهيبة الزعماء؟!
ويرى الأستاذ العقاد أن السرَّ يكمن فى أنه «نموذج مكبَّر» من جماهير النازيين، فصادف هوى سامعيه المتلقين عنه. ففيه كانت خصال رجل الشارع ضخمة ومجسدة، وكان فى الواقع «شخصية مسرحيـة»، وكان من سماته، قدرته على خداع نفسه وإقناعها، فساعده ذلك على إضرام عواطفه وإثارة وإقناع شعبه بما يريدهم على تصديقه! وهو أبدًا شخصٌ يرتدى قناعًا من صنع خياله، ومن المحال أن تجد فيه سمة من سمات الزعماء الذين عرفهم العالم فى زمانه!
* * *
تحدث العقاد عن أصحابه وما لاقوه منه، واستقطر فحوى ما قدمه عن هتلر ــ فى أنه «رجل أبتر مدخول الطبيعة»، لم تؤهله للخير وراثته ولا نشأته، ولا صلة أرحام بينه وبين أهله، ولا صلة مودة بينه وبين صحبه، ولا قدرة على كسب عيشه، ولا النجاح والتوفيق فى الفنون الجميلة التى ظن هو أنه مستعد لها بطبعه، ولا كان فيه الغرائز والعواطف التى ركَّبها الله فى تكوين كل ذكر وأنثى.
وثابت مما سلف من أمره، أنه عمل للحرب وجمع لها عدتها، على خلاف من يستهدفهم بها، فلم يجمعوا للحرب مثل ما جمعه!
وهتلر يقول كاذبًا للعالم إنه ينشد حرية وحقوق الإنسان، وضمان الرأى والروح، ويسأل العالم أن يعطيه الحرمات والحقوق، ولأن ألمانيا مهضومة الحرمات والحقوق!
ولكن هتلر يكذب ويلغو، وواضح أن العالم لن يستريح أو يطمئن مع هذه السطوة الهتلرية والدولة النازية!
وصارت القضية هى المفاضلة بين خروج ألمانيا من الحرب منصورة، وهزيمة العالم!
أم نجاة العالم مما يريده هتلر وألمانيا النازية من افتئات على الأمم والشعوب؟!

التعليقات