الجباية على الدخان - أشرف البربرى - بوابة الشروق
الإثنين 6 أبريل 2020 2:52 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الجباية على الدخان

نشر فى : الأربعاء 26 فبراير 2020 - 10:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 26 فبراير 2020 - 10:20 م

فى غير أزمان العبث، تصدر البيانات الحكومية لتقول «إنه تلاحظ تلاعب التجار وأصحاب المحال بالأسعار وبيع السلع بأعلى من الأسعار المقررة لذلك تقرر تشديد الإجراءات لإلزام التجار بالأسعار المقررة». لكننا الآن وجدنا الحكومة تصدر بيانا بشأن أسعار السجائر تقول فيه «إنه بمتابعة الأسواق المحلية تبين وجود تفاوت ملحوظ فى أسعار بيع السجائر من محل لآخر، مما استوجب تحديث الجدول الموحد لهذه الأسعار، على ضوء الأسعار الفعلية التى تباع بها السجائر حاليًا، خاصة أن بعض المحلات تغالى فى بيعها، مستغلة عدم تدقيق المواطنين فى أسعارها» أى إنها قررت زيادة الأسعار الرسمية للسجائر لأن التجار يستغلون عجز المواطن وغياب الحكومة ويبيعونها بأعلى من السعر الرسمى.
بغض النظر عن أننا نتحدث هنا عن أسعار السجائر التى قد يرى البعض أن زيادتها ليست مشكلة لأنها ضارة بالصحة، فالمنطق الذى تحدثت به الحكومة وبررت به قرار زيادة الأسعار يتجاوز حدود المعقول والمقبول لأنه يعنى أن الحكومة بدلا من أن تتدخل لإلزام التجار بالأسعار المقررة والتوقف عن استغلال المواطنين قررت هى استغلال المواطنين ولسان حالها يقول «لماذا لا أستغل أنا المواطن أحسن من أن يستغله التجار».
ولن يغير من هذه الصورة العبثية ما جاء بعد ذلك فى البيان الرسمى لزيادة أسعار السجائر من القول بأنه «تم التنسيق مع الجهات المعنية بوزارة التموين، وجهاز حماية المستهلك لضمان الالتزام ببيع السجائر بالأسعار المحددة بالجدول الموحد الجديد» لأنه لا الجهات معنية فعلا بمتابعة الأسعار ولا التجار يعتزمون الالتزام بها، ولا المواطنون يصدقون أن الحكومة جادة فى وقف استغلال التجار لهم.
ولأن عبث الواقع فى مصر فاق أى خيال، فإن مصلحة الضرائب أصدرت بيانها بشأن زيادة أسعار السجائر قبل أن يمرر البرلمان تعديلات القانون اللازمة لتشريع هذه الزيادة. فبعد أن وصلنا من الزملاء فى قسم الاقتصاد إعلان المصلحة عن الأسعار الجديدة، جاءنا من زملائنا فى القسم البرلمانى خبر موافقة مجلس النواب بشكل مبدئى على تقرير لجنة الخطة والموازنة بشأن تعديلات قانون ضريبة القيمة المضافة الذى يتضمن زيادة الأسعار، وإحالته إلى مجلس الدولة وهو ما يعنى أن الحكومة رفعت الأسعار قبل صدور القانون.
ولن يغير فى الأمر شيئا القول بعد ذلك أن مجلس الدولة أرسل رده على مشروع التعديلات فى نفس اليوم وأن البرلمان صوّت مجددا على التعديلات وأقرها فى اليوم نفسه أيضا، لأن الحقيقة الثابتة بالتوقيتات هى أن الحكومة رفعت الأسعار قبل صدور القانون ولسان حالها يذكرنا بالمعلم بوحه الصباحى عندما قال: «الظاهر سلخت قبل ما أدبح».
مرة ثالثة لأن الأمر يتعلق بالجباية الحكومية التى هى شعار المرحلة فى العلاقة بين السلطة والناس فى مصر الآن، فقد جاء فى تقرير لجنة خطة الموازنة لتبرير زيادة أسعار السجائر ما لا يخطر على قلب بشر. تقول اللجنة فى تقريرها «نظرا لانتشار ظاهرة تدخين السجائر الإلكترونية وتكنولوجيا التبغ المسخن والتى تتم فى الوقت الراهن بشكل غير رسمى أو قانونى مما أدى إلى عزوف بعض المستهلكين عن تدخين منتجات التبع التقليدية والانتقال إلى تلك المنتجات الأقل ضررا على الصحة ولكن وضعها ما زال غير مقنن الأمر الذى يؤدى إلى تأثر الحصيلة الضريية من منتجات التبغ التقليدية»، أى إن الحصيلة الضريبية أهم لدى اللجنة من صحة المواطنين وأنه لا يجب تشجيع المواطنين على التحول إلى منتجات أقل ضررا على الصحة، خوفا على الحصيلة الضريبية.
وتكتمل المأساة عندما نرى أن أعضاء اللجنة الموقرة يعتبرون السجائر الإلكترونية ومنتجات التبغ المسخن أقل ضررا على الصحة فى الوقت الذى تتسابق فيه الولايات الأمريكية والدول الغربية لفرض قيود على هذه السجائر وربما حظرها لأنها أشد ضررا من السجائر التقليدية، لكنه العبث فى زمن الجباية يا عزيزى.

التعليقات