25 يناير وسؤال النجاح والفشل - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 9 مايو 2021 12:43 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


25 يناير وسؤال النجاح والفشل

نشر فى : الخميس 26 يناير 2012 - 9:35 ص | آخر تحديث : الخميس 26 يناير 2012 - 9:35 ص

عزيزى القارئ وأنت تقرأ هذا المقال سوف تكون قد عبرت يوم 25 يناير 2012 الذى فيه تحتفل مصر بعيد ثورتها بطرق مختلفة ومتنوعة وقد بدا واضحا لك ولجميع المتابعين من هو الخاسر ومن هو الرابح، من هو الناجح ومن هو الفاشل. ذلك اليوم الذى تباينت فيه الآراء وتصارعت القوى، وقد أردت أن أسطر هذا المقال قبل 25 يناير حتى تستطيع عزيزى القارئ فى ضوئه أن تقيم حسابات الخسائر والأرباح بطريقة علمية موضوعية صحيحة فربما الذى يبدو أنه قد ربح الجولة لا يدرى أنه من الخاسرين وربما الذى يحبط لخسارته بحسب تقييمه وتقييم من حوله يكون من الرابحين، فهناك بعض القواعد المهمة لإدراك هل النجاح الذى نراه أمامنا واضحا ولامعا لبعض التيارات يمكن أن يحسب أنه نجاح حقيقى؟ أم أنه غير حقيقى؟ والعكس كذلك صحيح ولكى يكون النجاح حقيقيا لابد وأن تتوافر فيه بعض السمات المهمة مثل:

 

أ ــ البداية الصغيرة الصحيحة أفضل من الكبيرة الخاطئة .. والمبدأ «لا تخجل من البداية الصغيرة ولا تحتقر حجمك».     

 

وبالتأمل فى الأحداث منذ انطلاق الثورة فى 25 يناير 2011 وحتى اليوم نجد أن الذين غيروا خريطة الوطن وتجمعوا فى ميدان التحرير واعتصموا ودفعوا ثمنا غاليا، ولو فشلت ثورتهم لاقتادتهم السلطة إلى السجون والمحاكمات بتهمة الخيانة العظمى يبدون اليوم وكأنهم خاسرون، ذلك لأنهم لم يصبحوا أعضاء فى البرلمان ولا فى وزارة من الوزارات، بل إن الأغلبية فى البرلمان والقوة العسكرية تحاول إفراغ ثورتهم من مضمونها، وهكذا يبدو أن الرابحين من الثورة هم أصحاب القوة المادية والقوة الشعبية، بينما شرعية أصحاب القوة المادية هى أنهم أيدوا الثورة وشرعية أصحاب القوة الشعبية أتت من شعبية توجهاتهم الدينية وليس من برنامجهم الانتخابى؛ ولذلك فالرابحون هنا من استغلوا ظروف الثورة ليربحوا الكثير، ولأن نجاح هؤلاء ليس نجاحا حقيقيا، لأنه وليد الظروف والمفاجأة فهم يحاولون إقناع الناس بأنهم كانوا مع الثوار من أول يوم وأنهم من الثائرين وهذا غير صحيح أما الثوار فقد ربحوا احترام العالم الخارجى والداخلى، وربحوا احترامهم لأنفسهم ووضعوا أقدامهم على أرض ثابتة وواضحة، وإن كانت مساحة صغيرة لكنها صحيحة، لذلك عليهم إبقاء جذوة الثورة مشتعلة ولا يخجلون من عدم حصولهم على نتائج كبيرة، لقد بدأوا بطريقة صحيحة وهذا هو النجاح الحقيقى.

 

ب ــ النجاح الحقيقى يحتاج إلى زمن ونفس طويل .. والمبدأ «لا تتعجل النتائج»

 

هناك قاعدة تقول «من يلمع سريعا ينطفئ سريعا» فالنجاح الحقيقى هو مجموعة نجاحات صغيرة توضع بجوار بعضها البعض فتصنع مع الزمن هرما من النجاح لا يستطيع أحد أن يسقطه، أما اللمعان السريع أو النجاح السريع بسبب ظروف تاريخية ما أو طفرة ما، فمصيره الفشل، ونحن نتذكر جيدا المطرب صاحب الأغنية الواحدة والمؤلف صاحب الكتاب الواحد والشاعر صاحب القصيدة الواحدة وهؤلاء جميعا لمعوا لظروف اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية خارجة عن إرادتهم لكنهم لم يستمروا لأنهم غير قادرين على الاستمرار فى الإبداع وبذل الجهد وتخطى الصعوبات بنفس طويل واجتهاد حقيقى، فى إحدى غزوات نابليون بونابرت عادت فرقة من الجيش تقترح عليه أن يكرم أحد الجنود بأن يجعله قائدا للفرقة لأنهم كانوا محاصرين من العدو لكن هذا الجندى قام بعمل ما استطاع من خلاله أن يفك الحصار، وهنا طلب منهم نابليون مدة ثلاثة أشهر ليجيبهم لطلبهم وبعد ثلاثة أشهر اجتمع بالفرقة وقدم للجندى الباسل هدية رائعة لكنه رفض أن يعينه قائدا للفرقة كطلبهم، وقال فى حفل تكريمة موجها كلماته للجنود أنه تابع هذا الجندى عن قرب لمدة ثلاثة أشهر ورأى أنه غير منضبط فى سلوكه العسكرى، وأن نجاحه فى فك الحصار كان مصادفة وليست اسلوب حياة، ومعلوماته العسكرية ومبادئه لا تتفق مع انضباط الجيش الفرنسى لذلك أكافئه بأقصى ما عندى من إمكانات لكنى لا أطمئن اليه كقائد لفترة زمنية قادمة ومن هنا نستطيع القول للثوار أمامكم طريق طويل للوصول ولا تحاولوا النجاح السريع وحتى لو جاء لا تفرحوا به، فلا تتعجلوا النتائج.

 

 

ج ــ النجاح الحقيقى يحتاج إلى اكتساب مهارات

 

فكما ذكرنا أن النجاح الحقيقى هو أن تبدأ صحيحا ولو صغيرا وأنه يحتاج إلى زمن ونفس طويل، إلا أنه لابد لمن يريد النجاح الحقيقى أيضا أن يكتسب مهارات سياسية وثقافية واجتماعية ولا يضيع وقته فى الانتظار، وربما المفارقة هنا أن الشباب الذين قاموا بالثورة لم يحصلوا على شىء مادى بين أيديهم لأنهم لم يكتسبوا المهارات الضرورية لذلك بينما أصحاب المهارات بسبب طول الزمان والتدريب الدائم لهم حصلوا على امتيازات رغم أنهم لم يكونوا ثوارا ولن يكونوا، لذلك نلاحظ أن هناك الكثير من الثوار لم يرشحوا أنفسهم فى الانتخابات لأنه ليس لديهم هذه المهارة وليس لهم شعبية، وأيضا لم يذهبوا لكى ينتخبوا آخرين واكتفوا بتواجدهم فى الميدان، وهذه ليست مهارة كافية للحصول على النجاح وللوصول بالثورة إلى بر الآمان، لذلك على الثوار أن يكتسبوا المهارات السياسية مثل القدرة على الحوار الخلاق فمع الكم لابد من وجود الكيف، كثيرون من الثوار يأتون على الشاشة الفضية ويكونون غير موفقين فى التعبير عن أنفسهم وعن الثورة لذلك فمهارة التعبير عن الذات مطلوبة وبقوة، ومهارة إقناع الآخرين بأفكارهم شىء ضرورى ولازم لأى قائد، وكذلك اكتساب مهارة المناورة السياسية بالمعنى الإيجابى وليس السلبى لا غنى عنه... وهكذا، صحيح اكتساب المهارات يحتاج إلى تركيز ومعاناة حقيقية لكنه ثمن مهم جدا للنجاح والمبدأ «اكتشف ما ينقصك من مهارة واحصل عليها سواء كفرد أو جماعة».

 

 

د ــ النجاح الحقيقى يحتاج إلى عدم التناقض مع الذات

 

لقد رفعت الثورة والثوار شعارات واضحة من أول يوم أهمها أنها ثورة سلمية وكانت الهتافات: سلمية... سلمية خبز وحرية وعدالة اجتماعية، ولذلك ولكى تنجح الثورة نجاحا حقيقيا وتكون لديها القدرة والحصانة حتى تنتصر على محاولات إجهاضها، على الثوار أن يتمسكوا بشعاراتها ولا يتناقضون مع أنفسهم فطالما أن الثورة سلمية فاستخدام العنف من جانب الثوار يجهض ثورتهم، حتى لو كان استخدامهم للقوة فى الدفاع عن أنفسهم، ولابد أن يعملوا جهدهم للتفرقة بين الثوار والبلطجية ليكون واضحا أن من يستخدم العنف هم البلطجية، وحتى لا يتعب الكثيرون أنفسهم فى البحث عن الطرف الثالث، يحتاج الطرف الأول (الثوار) أن يميزوا أنفسهم بوضوح من خلال طهارتهم الثورية وهويتهم الواضحة وتمسكهم بشعاراتهم ومبادئهم، فالثائر لا يساوم على مبادئه، ولا يتربح من وراء ثورته وعليه أن يدفع الثمن بل وعليه ألا يخون الآخرين وأن يقبل الاختلاف داخل إطار الثورة فيعالج التشرذم الحادث الآن بانقسام الثوار إلى عشرات الائتلافات وعلى الثائر أن يقبل الاختلاف مع إخوته الثائرين فليس من المعقول أن من ينادى بسلمية الثورة ويرفع شعارات اليد الواحدة (مسلم ومسيحى إيد واحدة) وينصهر مع كل أطياف الشعب المصرى رجال ونساء، فقراء وأغنياء، متعلمين وغير متعلمين، يختلف إلى حد القطيعة مع رفقائه من الثوار، فهذا تناقض غريب بل وعلى الثائر أن يقبل الاختلاف أيضا مع من هم من خارج إطار الثورة فالثورة تحتضن الجميع وهكذا يجعل من الثورة شجرة وارفة الظلال تحتمى تحتها جميع الأشكال والأحجام من الطيور، فطيور السماء يمكن لواحد منها أن يبتلع مئات الحبوب المرشحة كل حبة منها لتكون شجرة وارفة، لكن عندما توضع هذه الحبة فى تربة جيدة ويتعهدها فلاح فصيح متدرب بالماء والرعاية والحماية حتى تصير شجرة، فإن هذه الشجرة العملاقة تحتوى أغصانها على أعشاش عشرات من الطيور المختلفة والمتنوعة والتى كانت يوما عدوا لها، وتهبهم الظل والورق والثمر ذلك لأن الشجرة المسالمة المعطاءة لا تتناقض مع طبيعتها ولا مع ذاتها وهذا هو سر النجاح الحقيقى ، هل تستطيع عزيزى القارىء الآن أن تطبق هذه المبادئ لتدرك من هو الناجح حقا ومن هو الفاشل؟

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات