الأثرى محمد نافع وعمارة المسجد الأقصى - مدحت نافع - بوابة الشروق
الإثنين 12 أبريل 2021 12:00 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

الأثرى محمد نافع وعمارة المسجد الأقصى

نشر فى : الإثنين 25 ديسمبر 2017 - 9:55 م | آخر تحديث : الإثنين 25 ديسمبر 2017 - 9:55 م

سألنى ولدى: ماذا أكتب عن المسجد الأقصى؟ كان كسائر أبناء جيله قد كلف بكتابة موضوع تعبير عن أولى القبلتين، فى سياق استعمار سفارة الولايات المتحدة للقدس باعتبارها عاصمة لإسرائيل. ترددت كثيرا قبل أن أنشئ له عبارات جبلنا عليها صغارا. ترى هل أذكر له الفتوحات والبطولات؟! وأى دليل لها فى ضميره الصغير على عمارة المسجد؟! ترى هل أذكر سماحة الخليفة عمر، ودأب عبدالملك، وغيرة الخليفة الفاطمى الظاهر...؟! كم من الزمن يقر أثر هذا السرد فى صفحة ذاكرته الرقيقة؟ وما دلالة حصر المآثر فى عدد من أصحاب الولايات والرئاسات دون سائر الناس؟! ثم ألقى الله فى روعى أن أصله بالمسجد الأقصى دما ورحما، فلا تنقطع رابطة وصلها الله أبدا.

ذكرت له كيف اختص الله جد أبيه الأثرى محمد نافع عالم الآثار الإسلامية بفضل ترميم المسجد وإصلاحه، وإعادته إلى تخطيطه الأصلى فى العهدين العباسى والفاطمى، مع توسعته والاحتفاظ بجمال زخارفه ومعماره. كان هذا الترميم مواكبا لبدء الحرب العالمية الثانية، على أثر تعرض المسجد الأقصى المبارك لأضرار بالغة، لحقت بقبته وبعض أروقته وجدرانه وأساساته نتيجة زلزال خفيف، امتحن صلابة الإصلاحات التى انتهت عام 1928، واضطلعت بها لجنة فنية عهدت بالعمل إلى رشدى بك الإمام الحسينى، وكمال الدين بك المعمار التركى المشهور، وعدد من المهندسين الأتراك فى الأساس. الضرر الأكبر كان فى القسم الشرقى والرواق الأوسط الكبير، والأضرار المعمارية تراكمت وتعمقت عبر الزمن، لكون الإصلاحات التى كانت تتم فى أعقاب الزلازل ــ عادة ــ لم تكن تقترب من الأساسات. يقول أمين بك عبدالهادى عضو المجلس الإسلامى الأعلى: «لم يطرأ الخراب على المسجد الأقصى فى نواحيه المختلفة فى وقت واحد أو جيل واحد. وإنما كان يظهر ثم يتزايد مع الزمن. وأهم العوامل التى أدت إلى تسرب الخراب إليه هو ضعف الأساسات وانهراس الشدادات الخشبية الرابطة للأقواس، والموضوعة فوق التيجان القديمة، وقد أدى خرابها إلى انكباس بعض الأعمدة وانحراف بعضها عن عموديته».

***

ترجع الإصلاحات الحديثة الأولى فى المسجد الأقصى المبارك إلى سنة 1922 عندما لاحظ المجلس الإسلامى الأعلى تصدعا فى المسجد وتشققا فى الجدران والسقف ولمس ضرورة المبادرة إلى بناء ما تشعَث وتصدَع وإصلاح المسجد إصلاحا يضمن بقاءه ذخرا فنيا عالميا. تلى ذلك تعرض المسجد لزلزالين أحدهما فى يوليو سنة 1927 وهو زلزال كبير تأثر بسببه المسجد تأثرا كبيرا، والآخر فى شهر أكتوبر سنة 1937 وهو عبارة عن هزة خفيفة، ولكن أثرها كان عظيما على المسجد بسبب الحالة التى كان عليها يومئذ، كما تقدم البيان.

بدائل الإصلاح وأعمال الصيانة كانت عادة ما تنحصر بين المحافظة على البناء كما هو مع ترميمه وتوفير الدعامات اللازمة جهد المستطاع، أو هدم الأجزاء المتضررة وإعادة البناء. كان الخيار الأول أسهل وأوفر، لكنه أبقى على أضرار بالغة مطمورة بين الجدران، سرعان ما كشفت عنها الهزة الأرضية الخفيفة. هنا يقول أمين بك عبدالهادى فى روايته للأحداث التى عثرت عليها بتقرير على موقع ويكيليكس: «شعر المجلس الإسلامى الأعلى قبيل عدة سنوات أن خطرا جديدا يتهدد المسجد الأقصى المبارك فبادر فى شهر مارس سنة 1938 إلى طلب بعثة فنية من المهندسين المصريين المشتغلين بالآثار القديمة فانتدب لهذه المهمة عبدالفتاح حلمى بك المدير الحالى لدائرة حفظ الآثار العربية فى القاهرة ومحمد نافع بك وكيلها السابق. فقدما من فورهما إلى القدس وفحصا حالة المسجد من كل نواحيها فحصا دقيقا وأشارا باتخاذ بعض الترتيبات الضرورية لمنع بعض الأقسام المتداعية من السقوط ثم وضعا تقريرا عن حالة المسجد وما رأياه من علاج ناجع وأرفقا تقريرهما بتصميم للإصلاح وقد نفذ هذا التصميم، وأوشك الآن على التمام تحت إشراف مهندس إدارة حفظ الآثار العربية بمصر».

ثم يذكر فى موضع آخر: «وفى 26 فبراير سنة 1938 انتدبت دائرة حفظ الآثار العربية فى القاهرة محمد نافع بك وكيل الدائرة وعبدالفتاح حلمى بك مفتش الهندسة فى ذلك الحين ومدير الدائرة الآن لزيارة القدس وتفقد المسجد الأقصى. وقد وضعت دائرة الآثار العربية تقريرا فنيا...».
كانت خلاصة التقرير الفنى الذى وضعه جدى محمد نافع بك وعبدالفتاح حلمى بك: «وبعد أن استعرضنا المشروعين وهما:

أولا: إصلاح المسجد مع الاحتفاظ بشكله الحالى.
ثانيا: إصلاحه مع الرجوع إلى تخطيطه الأصلى فى العهدين العباسى والفاطمى.
ولما تبين لنا أن القبوات المصلبة عملت فى عهد الصليبيين على نظام مغاير للتخطيط الأصلى للمسجد، رجح لدينا تنفيذ المشروع الثانى دون الأول. هذا فيما يتعلق بالقسم الشرقى أما بالنسبة للرواق الأوسط فقد رأينا أيضا هدمه وإعادة بنائه على نظامه الحالى والاستعاضة عن الأعمدة الحجرية بأخرى رخامية من قطعة واحدة واستبدال الجمالون الخشبى بآخر من الحديد الصلب».
لقد كانت الإصلاحات فى المسجد الأقصى المبارك عامة شاملة، فتناولت الإصلاح والتجديد فى مواضع كثيرة وأضفت على المسجد حلة قشيبة زادته رونقا وبهجة، وحفظته ذخرا فنيا وصرحا عالميا. وقد استُخدم فى أعمال الإصلاح هذه، عمال وصناع أخصائيون من فلسطين، واستُدعى من مصر عمال فنيون للزخرفة، وتنفيذ الرسوم التى وضعت للقسم الشرقى، وصنع الشبابيك الجصية المفرغة والمطمعة بالزجاج الملون. وهى أعمال فنية دقيقة لا يتوافر على إتقانها إلا القليلون من مهرة الصناع.

***

وقد وضعت اللجان الفنية التركية والمصرية وصفا للمسجد الأقصى هذا نصه: يقع المسجد الأقصى فى الطرف الجنوبى من فناء الحرم الشريف، ويشغل حيزا مستطيل الشكل طوله 69 مترا وعرضه 51 مترا تقريبا وهو يتكون من رواق أوسط كبير يؤدى إلى المحراب تكتنفه من كل من الجانبين ثلاثة أروقة أقل منه ارتفاعا ويغطيه «جمالون» ضخم من الخشب المصفح بألواح من الرصاص، وينتهى من الجهة القبلية بقبة مرتفعة أمام المحراب. أما الأروقة الجانبية فممتدة من الشمال إلى الجنوب موازية فى ذلك للرواق الأوسط ويغطى الرواقين المجاورين مباشرة للرواق الأوسط سقفان من الخشب، أما بقية الأروقة الجانبية فمغطاة بقبوات مصلبة ومحمولة على عقود ترتكز بأطرافها على أكتاف من الحجر بخلاف الأروقة الأخرى فإنها محمولة على صفوف من الأعمدة. وأمام الواجهة الشمالية للمسجد رواق ذو سبع فتحات معقودة يقابلها سبعة أبواب تؤدى إلى داخل المسجد ويوجد فى الجانب الشرقى بابان يؤدى أحدهما إلى مسجد سيدنا عمر والآخر إلى فناء الحرم كما يوجد فى الجانب الغربى بابان أيضا أحدهما يؤدى إلى مسجد النساء والآخر إلى ساحة الحرم وبجوار المحراب باب يؤدى إلى بناء قديم. وقد تعارف الناس على تسمية المسجد القائم إلى الجنوب من قبة الصخرة المشرفة بالمسجد الأقصى المبارك. والواقع أن المسجد الأقصى يشمل الحرم الشريف بأجمعه وهو المعنُى بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. وهو الذى ذكر فى الآية الكريمة «سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله».

والمسجد الأقصى جامع أثرى بديع الهندسة والبناء، تولى تشييده البناءون العرب، ولا صحة فى الادعاء بكونه الكنيسة الكبرى التى شيدها الإمبراطور «يوستينيانوس» فى أواسط القرن السادس للميلاد ثم كرسها باسم السيدة العذراء. ذلك أن تلك الكنيسة قد عفت آثارها واندثرت معالمها بعد أن خرب الفرس مدينة القدس سنة 614 م أى قبيل الهجرة النبوية بثمانى سنوات (كما أورد أمين بك عبدالهادى).

وقد ورد فى كتب التاريخ أن هزات أرضية فى عهد الخليفة العباسى أبى جعفر المنصور سنة 747م. فأمر بإعادة بناء المسجد. وحدث زلزال ثان بعد سنوات فاندثر بسببه ما بناه المنصور وتمت التعميرات المطلوبة فى عهد الخليفة المهدى سنة 163 للهجرة. وحدث زلزال كبير فى سنة 425 ه (1033م) فخرب المسجد خرابا ظاهرا ولكن الله تعالى قيض له الخليفة الفاطمى الظاهر لإعزاز دين الله فأعاد بناءه فى السنة التالية مبقيا على ما أمكنه إبقاءه من البناء السابق. ومن الإصلاحات البارزة فى المسجد تغطية سطحه بالرصاص سنة 883 للهجرة فى عهد الأشرف قايتباى.

اختتم المهندس الأثرى محمد نافع ــ عضو المجمع اللغوى الذى تلقى جانبا من تعليمه بفرنسا ــ عمله الحكومى بثلاثة أعوام أمضاها فى رئاسة بعثة إصلاح المسجد الأقصى المبارك تاركا بصماته فى الآثار الإسلامية ومنها الجامع الطولونى ومسجد الصالح طلائع بن رزيك وجامع عمرو وبيت السحيمى وبيت الكريتلية ومنازل رشيد وقناطر اللاهون وقبة السلطان الغورى الذى استيقظ من نومه ليلا وسار على قدميه من العباسية إلى الغورية لتفقد صدع بجدرانها رآه فى أضغاث أحلام! لكن رسالته امتدت لما وراء ذلك، فابتعث وهو فى السبعين من عمره لترميم الحرم النبوى الشريف، وما تصدع من أعمدته ومآذنه فأعاد إليها رونقها الأثرى البديع، وتمت الاستعانة به فى أعمال توسعة الحرم المكى، وهناك عرض عليه أحد الأمراء ذهبا وفيرا للإشراف على بناء قصره، فأبى أن يجمع بين عمارة بيت الله وعمارة بيوت البشر فى زيارة واحدة، وقال لئن عدت مجددا أنظر فى الأمر، فعاد ولقى وجه ربه بحسن الخاتمة. هذا يا ولدى ميراث جدك فاعتبر واحفظ المسجد وعمره ما استطعت «إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر».

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات