الدين وأشياء أخرى - إكرام لمعي - بوابة الشروق
السبت 10 أبريل 2021 4:28 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

الدين وأشياء أخرى

نشر فى : السبت 26 أكتوبر 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : السبت 26 أكتوبر 2013 - 8:00 ص

ما هو الدافع الذى يجعل شابين يطلقان النار بصورة عشوائية على جماهير فى حفل زفاف؟!

ما هو الدافع الذى يجعل شخصا ما يموت فى سبيل عقيدته؟ فى القرون الأولى المسيحية كان بعض المؤمنين يقدمون أنفسهم طواعية للاستشهاد للحصول على رضى الله ودخول الجنة، وفى مظاهرات الإخوان فى 6 أكتوبر سمعنا عن منشورات وزعت على الجماهير بالأماكن التى يمكنهم الاستشهاد فيها، للإجابة عن هذه الأسئلة أحيلكم إلى رواية «أبواب الجنة» للكاتب البولندى أندرو جويسكى وقد نشرت فى عام 1960 وقام بعرضها إبراهيم العريس فى جريدة الحياة اللندنية والتى تحكى عن الحروب الصليبية فى القرون الوسطى وتحديدا فى فرنسا بعد أن انتهت الحملات المعروفة تاريخيا للاستيلاء على القدس بالفشل، فى وسط هذا الجو يبرز داعية دينى كان فى الأصل قسا يدعى جاك دى كلويس وبدأ فى دعوة الشباب من الجنسين إلى حملة صليبية جديدة، متحدثا فى خطبه عن التضحية بالنفس فى سبيل الإيمان، مرددا كلمات قوية معبرة مثل «الشرف المجد والعدالة وضرورة سحق الأعداء باسم المسيح والكنيسة، وإذ بدعوته تلقى إقبالا شديدا من الشباب، ويلتف من حوله أعداد كبيرة جدا من المتطوعين يسيرون معه مسحورين باذلين أنفسهم لأجل المسيح والكنيسة مبهورين ببساطة خطاب جاك وتشدده.

وبالرغبة الجامحة فى أن يكونوا معا على الطريق لتحقيق ذلك الهدف الأسمى وهكذا تنطلق مسيرة تضم أعدادا هائلة من مقاتلين شباب وفتيات بل وأطفال أحيانا، مرددين غناءهم وصلواتهم، مشهد نموذجى للجماهير التى لأول مرة فى حياتها أو تاريخها تجد مبررات أو معنى لحياتها وموتها فيصبح الاثنان واحدا (الحياة والموت) متساويان فى سبيل الله، أما جاك نفسه فهو يبدو لنا من أول لحظة سواء فى طريقة كلامه أو تحركاته كله قناعة بأنه إنما تلقى إشارات سماوية لقيادة ذلك القطيع. وهنا يطرح المؤلف السؤال الشائك: أمام «روعة المشهد» هل المسيح والمثل العليا هما جوهر الأمر، وهو ما يحرك الشباب للانخراط فى رحلة من المرجح ألا يعود معظمهم منها وربما لا تعود حتى جثثهم؟

•••

والسؤال: هل ثمة حقيقة أخرى خلف هذا المظهر؟!

يكمل المؤلف السرد قائلا: ذات لحظة أو فجأة يظهر راهب عجوز يسير فى مقدمة الحملة بتثاقل؛ لكنه أمام بعض الإشارات الغريبة من بعض الشباب الذين يرفضون السير معهم بل ويسخرون منهم، يجد نفسه مندفعا لتلقى اعترافات من شباب المسيرة، وإذ يسألهم هل هم حقا مؤمنون بما يسيرون من أجله؟ هل هم ذاهبون للقدس لدوافع دينية جماهيرية جماعية؟ ويتعجب الراهب أن الأربعة الأوائل شابان وفتاتان اعترفوا واحدا بعد الآخر أن موضوع الدين والمثل العليا جزء من أفكارهم بعض منه حقيقى والبعض الآخر كاذب أو وهمى، لكن الحقيقة التى لا تقبل الجدل أنهم لا يتوجهون إلى القدس للحرب لأسباب متعلقة بالدين والإيمان كل ما فى الأمر أن صداقتهم معا دفعتهم لكى ينطلقوا معا فى الرحلة «الحملة» متتابعين.

إن اسباب انخراطهم فى الأمر دنيوية بحتة، ولا علاقة للأمر بالقدس؛ وعندما تكررت مثل هذه الاعترافات على ألسنة الشباب حيث يندر من يذكر الدافع الدينى، انتفض الراهب العجوز فهو لا يمكنه أن يتصور أن الله سيكون راضيا على التفاوت الإرادى بين موقف المشاركين كأفراد كل فرد له غرض مختلف فواحد يذهب لأن صديقته معه والآخر لأجل الشهرة والثالث لأجل السلطة والرابع هروبا من مشاكله وأزماته والأخير لأجل المال الذى يغدقه الأمراء عليهم وبين موقفهم كجماعة حيث إنهم متفقون على تحرير القدس، وهنا يثور الراهب العجوز ويحاول أن يوقف الحملة لكن «الجماهير» تكمل طريقها غير آبهة به بل تدوسه دون مبالاة وهم ينشدون بحماسة لله.

والحقيقة أن واحدا من أقوى مشاهد الرواية هو الذى فيه يعترف جاك قائد الحملة للراهب بأنه لا يوجد لديه أى دافع دينى لحملته وبمجرد أن ينتهى من اعترافاته يتوجه مخاطبا الجماهير بحماسة شديدة عن الدوافع الدينية وسماعه صوت الله يدعوه لقيادة الجماهير إلى القدس، فى شكل يتناقض كليا مع ما كان يقول منذ لحظات وبالطبع يتحدث المؤلف أن الحملة تتواصل وسوف تكون الأكثر دموية، لأن المنطلقين فيها راحوا يتساقطون وهم أمام بعضهم البعض فقط «مقتنعون» بأنهم إنما يضحون ويقتلون ويُقتلون باسم الدين.

•••

ويختم المؤلف روايته بالقول «إن الإنسان داخل سجن جسده وروحه، إنما يسعى يائسا ومن دون جدوى للعثور على مخرج، ولكن، لا مخرج هناك لا خلاص من أى نوع، ومن هنا فإن الإنسان يظل متمسكا عبثا بالظواهر التى قد تبدو له حاملة للخلاص وبالتالى فإن هذا الإنسان لا يمكن أن ينسى مأساته المزمنة إلا فى ممارسة العنف، العنف المرتدى مسوح الوهم، العنف الأسود كما الكراهية والحقد». وأنا أضيف العنف الذى هو ابعد نقطة عن مقاصد الدين الذى ندافع عنه، وعندما نراجع دوافع الشابين اللذين تحدثنا عنهما فى البداية نقول هل الدافع هو دخول الجنة؟ أم الدفاع عن الدين أم الحكم أم المال أم مركز متقدم داخل الجماعة؟ أم شىء آخر لا نعرفه؟ اننا نحتاج جميعا أن نبحث داخل أنفسنا عن الدوافع الحقيقية من وراء تديننا ودفاعنا عن ديننا بطريقة أو بأخرى، ربما تصل مع الأسف الشديد إلى سفك دماء الآخرين.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات