ها قد وقع ما كنا نحذر منه - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الخميس 21 نوفمبر 2019 9:45 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

ها قد وقع ما كنا نحذر منه

نشر فى : الأربعاء 25 سبتمبر 2019 - 10:05 م | آخر تحديث : الأربعاء 25 سبتمبر 2019 - 10:05 م

 ها قد وقع ما كنا نخاف أن يقع فيه مجلس التعاون. فالمشهد الذى يعرض نفسه فى الخليج العربى أصبح شديد التعقيد، بالغ الخطورة، وينذر بأسوأ السيناريوهات المستقبلية.
هذا المشهد المأساوى يتطلب استدعاء تاريخ مسيرة مجلس التعاون من جهة ويتطلب التمعن فى ما يمكن أن يأتى به المستقبل من جهة ثانية.
عبر مسيرة مجلس التعاون نادى الكثيرون بضرورة اتخاذ خطوات تنظيمية إدارية ووضع تشريعات قانونية ملزمة من أجل صياغة سيادة مشتركة ملزمة فى بعض الأمور الكبرى، تتخطى السيادة الوطنية وتعلو عليها. كنا نعلم أن ترك السيادة الوطنية «تخيط وتبيط» سيؤدى إلى مواقف متناقضة ومتصارعة فيما بين دول المجلس تؤدى إلى إضعاف المجلس وتفكك قدراته الوحدوية.
فكان أن رأينا، بألم وهلع، مواقف مستقلة متناقضة تجاه احتلال العراق وتمزيقه من قبل التآمر الأمريكى ــ الصهيونى والتدخلات الإيرانية السافرة فى الساحة السياسية والأمنية العراقية المحلية والإقليمية. وها أن بعضا ساهم فى جعل العراق دولة خليجية عربية عاجزة عن المساهمة فى جعل هذا الجزء من الوطن العربى مستقرا ومنيعا فى وجه الأطماع والتدخلات الإقليمية والدولية الاستعمارية ــ الصهيونية. ولو أن قيادات المجلس استجابت لنداءات الكثيرين فى دعوة العراق ليصبح شريكا فاعلا، إن لم يكن عضوا، فى مجلس التعاون لما وصل إلى ما وصلنا إليه، إذ كان العراق فى حينه قويا وغنيا ومستعدا وقادرا على العطاء والمبادرة.
وعبر مسيرة مجلس التعاون نادى الكثيرون بدعوة اليمن، الامتداد الجغرافى والسكانى والتاريخى للخليج العربى، ليكون شريكا، إن لم يكن عضوا، فى مجلس التعاون. وباسم أخوة العروبة والإسلام، اعتبرنا مساعدة اليمن الشقيق فى مواجهة الفقر والجهل والمرض وأطماع الخارج واجبا وضرورة قومية وجودية. لكن قادتنا ظلوا يدورون فى دائرة اعتبار مجلس التعاون للأغنياء وللأنظمة السياسية غير الجمهورية ولذوى القربى من أصحاب الحكم.
وها نحن اليوم نحصد كارثة سياسية اقتصادية أمنية إنسانية يعيشها الشعب اليمنى العربى الشقيق. لقد كان باستطاعة إدماج اليمن فى منظومة مجلس التعاون أن تمنع كل ذلك لو كان هناك فكر سياسى موضوعى متوازن يحكم مؤسسة مجلس التعاون.
والأمر ينطبق على المواقف الخليجية المتناقضة الخطرة بالنسبة لكوارث التدمير الإمبريالى ــ الصهيونى والجهادى التكفيرى المجنون الممنهج فى سوريا وليبيا، ولممارسات إضعاف الجامعة العربية وجعلها عاجزة غير فاعلة، وللتدخُّلات فى الشئون المحلية السياسية فى بعض الأقطار العربية، ولجنون التطبيع مع الكيان الصهيونى الغاضب لأرض فلسطين العربية والمستعبد لشعب فلسطين العربى الشقيق، وللانتقال الطفولى البليد إلى تدمير مجلس التعاون نفسه وإدخال شعوبه فى أوجاع الفرقة وفى بناء الحواجز المفتعلة فيما بين أقطاره حتى وصلنا إلى تفريق الزوج عن زوجته وخسارة الكثيرين لوظائفهم والتلاسن الإعلامى والاستخباراتى المبتذل.
ولقد تم دخول ذلك الجحيم دون أن تكون للشعوب كلمة فى الموضوع، لكأن الأرض وما تحتها وما فوقها هى ملك لهذه الجهة أو تلك تتصرف بثرواتها ومقدراتها ومستقبلها الوجودى كما تشاء. ولقد خفقت الالتزامات القومية العربية العليا فى كل ذلك المشهد وأصبح الصوت الأمريكى المشبوه والصوت الصهيونى المتآمر هو المسموع.
بالطبع فإن كل ذلك سينعكس على مستقبل جميع أقطار المجلس وإذا كان البعض يعتقد بأنه سيكون فى منأى من هذا فهم خاطئون. لننظر ما يمكن أن يأتى به قضايا لم نستعد لها بسبب انغماساتنا فى ذلك العبث.
هناك مشكلة الإمكانية المؤكدة لانتقال أجزاء كبيرة من العالم من سيارة البنزين إلى السيارة الكهربائية والسيارة المؤتمتة التى لن تحتاج لسائق، وسيكون استدعاؤها واستعمالها من خلال الهاتف. وهذا سيعنى أن نسبة تراجع استهلاك البنزين الذى تصاعد خلال العقود الثلاثة الماضية ستتصاعد بوتيرة سريعة ومتنامية.
هل يحتاج الإنسان لأى جهد للاستنتاج بإمكانية حدوث تراجع كارثى عنذ ذاك فى المداخيل البترولية؟ وهل أن الصناديق الاستثمارية لأجيال المستقبل ستكون كافية لسد العجوزات، خصوصا أنها تتآكل الآن بفعل زج غالبية دول مجلس التعاون فى متاهات الصراعات التى تجتاح الوطن العربى كله؟ وخصوصا أيضا بأن المثقفين الواعين نادوا وكتبوا عبر نصف قرن على الأقل بضرورة بناء تنمية دائمة اقتصادية، غير ريعية، ومنتجة، وذلك باستعمال فوائض مداخيل البترول المتراكمة.
لكن الاستجابة لطلب بناء هكذا تنمية إنسانية شاملة ظلت جزئية ومتناثرة فى الماضى، بينما، وبصراحة تامة، لا يستطيع الإنسان التنبؤ بنتائج محاولات الحاضر بسبب الصراعات الحالية والابتزازات الأجنبية فى طول وعرض الخليج العربى التى تهدد باستنزاف ما بقى من فوائض الثروة البترولية.
فإذا أضيف إلى ذلك امتثال الكثير من أنظمة الحكم لمطالب قوى النيوليبرالية العولمية فى تقليص الخدمات الاجتماعية التى كانت تقوم بها الدولة الخليجية سابقا، وترك القيام بتلك الخدمات، من تعليم وصحة وثقافة، للقطاع الخاص، أدركنا كم ستواجه مشروعات التنمية الإنسانية تلك من عقبات فى المستقبل.
دول مجلس التعاون تحتاج أن تراجع فكرها السياسى والتنموى الاقتصادى، وما ارتكبته من أخطاء فى الماضى، قبل أن تواجه بمستقبل مظلم. عند ذاك لم ينفع ندم من قادوا إلى ذلك المستقبل.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات