الاتفاق الروسى التركى حول إدلب.. اتفاق مرحلى أم نهائى؟ - علاء الحديدي - بوابة الشروق
السبت 8 أغسطس 2020 10:48 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الاتفاق الروسى التركى حول إدلب.. اتفاق مرحلى أم نهائى؟

نشر فى : الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 - 9:20 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 - 9:20 ص
بعد عشرة أيام فقط من فشل رؤساء روسيا وتركيا وإيران فى التوصل إلى اتفاق بشأن وضع الجماعات المعارضة المسلحة فى آخر معقل لها فى سوريا بمحافظة إدلب المتاخمة للحدود التركية، توصل الرئيسان التركى والروسى إلى اتفاق بإنشاء منطقة عازلة تفصل ما بين المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة السورية وبين المنطقة التى تسيطر عليها الجماعات المعارضة. وهو الاتفاق الذى رحبت به جميع الأطراف واعتبرته بمثابة انفراجة مهمة تحول دون سفك المزيد من الدماء، وخاصة وسط المدنيين الأبرياء. فما الذى حدث بين عقد قمة طهران الفاشلة فى ٧ سبتمبر بين الرؤساء الثلاثة، وبين قمة سوتشى الناجحة بين بوتين وأردوغان بعدها بعشرة أيام.

ومن أجل فهم ما حدث، وما يبدو من أنه تبدل فى مواقف كل من تركيا وروسيا، علينا أولا فهم الأهداف الإستراتيجية لكلا الدولتين من التدخل فى سوريا، وما إذا كان الاتفاق الأخير يعد فعلا تغييرا حقيقيا عن موقفهما فى قمة طهران ــ التى قيل إنها فاشلة واعتبرها البعض بداية تصدع فى المحور الروسى التركى الإيرانى ــ قبل ذلك. ولنبدأ بتركيا التى لا يمكن فهم سياستها الحالية فى سوريا بمعزل عن هدفها الإستراتيجى، ألا وهو مواجهة أكراد سوريا والحيلولة دون خلق منطقة حكم ذاتى لهم فى شمال سوريا، وهو الأمر الذى تعده أنقرة تهديدا مباشرا لأمنها القومى. وقد جاء الإعلان الأمريكى أخيرا عن تكريس وجود القوات الأمريكية فى شرق سوريا ــ بحجة محاربة فلول تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ــ بمثابة ضربة للتوجهات التركية فى سوريا التى ترى فى هذا الوجود العسكرى الأمريكى دعما للأكراد السوريين وطموحاتهم فى خلق كيان خاص بهم. لذلك فإن أنقرة بحاجة شديدة إلى الدور الروسى فى سوريا حتى توازن ما تراه من تأييد أمريكى للأكراد، وبما يدعم الجهود التركية فى احتواء هذا التحالف الأمريكى الكردى.

من الناحية الأخرى، فإن موسكو بدورها بحاجة إلى الحفاظ على علاقاتها الحالية مع تركيا والعمل على توطيدها وليس إضعافها. فموسكو هى المستفيد الأكبر من هذه العلاقة المتنامية مع أنقرة على العديد من الأصعدة، بداية من خلخلة التحالف الغربى المناوئ لها بخلق مصالح مشتركة مع الدولة ذات ثانى أكبر جيش فى حلف الناتو، مرورا بحاجة روسيا إلى تركيا لتثبيت مكانتها كلاعب رئيسى فى المنطقة و«الحكم» بين مختلف القوى الإقليمية (تركيا، إيران، سوريا، إسرائيل، حزب الله)، وانتهاء بالحاجة إلى المساهمة التركية فى عملية إعادة إعمار سوريا من خلال شركات المقاولات التركية. لذلك فإن كلا من تركيا وروسيا بحاجة إلى بعضهما البعض لأسباب عديدة رغم تعارض توجهات كل منهما بالنسبة للموقف من نظام الرئيس السورى بشار الأسد. 

ومع تطور الأحداث على الساحة السورية، فقد تعلم الطرفان التركى والروسى فن إدارة الخلافات القائمة بينهما، وتجاوز بعض المشكلات الكبرى التى تحدث بينهما (مثل حادثة إسقاط الطائرة الروسية من قبل مقاتلة تركية)، حفاظا على مصالح وأهداف أكبر وأهم لم تغب أبدا عن ناظرى صانعى القرار فى كلا الدولتين. وعليه، فإن قمة طهران فى ٧ سبتمبر الماضى والتى وصفت بأنها فاشلة، ما كانت سوى حلقة من سلسلة المساومات والمفاوضات بين أطراف المثلث التركى الروسى الإيرانى حول سوريا. هذا، ومع الأخذ فى الاعتبار التهديدات الأمريكية بشأن عدم وقوفها مكتوفة الإيدى فى حالة استخدام القوات السورية أسلحة كيماوية ــ سواء كان ذلك صحيحا أو مفتعلا، فإن احتمالات تنفيذ هذا التهديد تتزايد مع تأزم موقف ترامب الداخلى وتنامى إغراء قيامه بعمل عسكرى ما من أجل تعزيز موقفه قبل انتخابات الكونجرس الأمريكى فى نوفمبر القادم. كما كان لإقدام أنقرة على اعتبار هيئة تحرير الشام منظمة إرهابية وقيامها بالتفريق بين المعارضة المعتدلة والمتطرفة، ما يلبى جانبا من مطالب موسكو فى هذا الشأن. وفى ذات الوقت، قامت أنقرة بإرسال تعزيزات عسكرية إلى إدلب لتقوية مركزها التفاوضى وكذلك لطمأنة المعارضة المعتدلة من «الجيش الحر» من أنها لن تتخلى عنهم، وبما يضمن لها أيضا الاستمرار فى التحدث باسمهم. 

ولا شك أنه بجانب هذه التطورات، فإن العديد من الاتصالات قد تمت بين الجانبين الروسى والتركى بعد قمة طهران للبحث عن صيغة تحافظ على بقاء المحور الروسى التركى الإيرانى أو ما بات يعرف باسم الدول الضامنة «لمسار الأستانة»، وهو ما أسفر فى النهاية عن التوصل إلى اتفاق سوتشى هذا. وكان أهم ما جاء فى هذا الاتفاق إنشاء منطقة عازلة تمتد ما بين ١٥ و ٢٠ كم داخل محافظة إدلب لتفصل ما بين القوات السورية التى كانت تتأهب لدخول المنطقة وبين الجماعات المعارضة المسلحة، فضلا عن سحب الأسلحة الثقيلة وحصر الجماعات المتطرفة (هيئة تحرير الشام ــ جبهة النصرة سابقا ــ والتنظيمات الأخرى المرتبطة بها) فى جيب صغير شمال المحافظة على الحدود مع تركيا، وكل ذلك وفقا لجدول زمنى محدد.

إلا أن هذا الاتفاق قد ترك العديد من الثغرات والأسئلة، وخاصة حول مصير الجماعات المسلحة، سواء المعتدلة منها أو المتطرفة، وما إذا كان هذا الاتفاق مؤقتا أم دائما. وقد وصف وزير الخارجية الروسى هذا الاتفاق بأنه «مرحلى»، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام احتمالات حدوث مواجهة عسكرية قادمة، وأن هذا الاتفاق ما هو إلا هدنة مؤقتة حتى يعيد كل طرف تنظيم صفوفه وتجاوز بعض العراقيل التى ظهرت مثل حملة الانتقادات الغربية التى أخذت تحذر من مغبة عمل عسكرى قادم إلى وقت آخر تكون فيها الظروف الدولية أكثر مناسبة لعمل عسكرى ضد الجماعات المتطرفة. ويضاف لما سبق بالنسبة لكل من روسيا وإيران، أن تكون الصورة أكثر وضوحا بالنسبة للسلوك الأمريكى المحتمل فى ضوء نتائج انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى فى نوفمبر القادم، وتأثير ذلك على مركز ترامب. فترامب هو الغائب الحاضر فى حسابات جميع الأطراف قبل الإقدام على أى خطوة قادمة. وهو ما يعنى أن الأيام القادمة هى التى ستفرض على مختلف الأطراف بما ستحمله من أحداث، إما احترام بنود اتفاق أدلب هذا وتطويره بما يسد جميع الثغرات الموجودة به ليتحول فعلا إلى اتفاق دائم لا خلاف عليه، أو سيكون بالفعل مجرد اتفاق مرحلى مثل الاتفاقيات السابقة حول مناطق خفض التوتر التى ما أن انتهت الحاجة إليها حتى يسارع الطرف المستفيد من عدم استمرارها إلى انتهاكها.
التعليقات