بعيدا عن العبثية واليأس - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 6:18 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في منع القانون المصري إعدام القاتل الأصغر من 18 عاما؟


بعيدا عن العبثية واليأس

نشر فى : الخميس 25 سبتمبر 2014 - 8:05 ص | آخر تحديث : الخميس 25 سبتمبر 2014 - 8:05 ص

عندما اندلعت ثورات وحراكات الربيع العربى منذ أربع سنوات كتب الكثيرون، وكنت واحدا منهم، بأن شباب الأمة العربية قد بدأوا بصنع التاريخ. خلال بضعة أسابيع، وبإبداع بهر العالم، نقلوا الوطن العربى فى معظمه من حالة الخوف التاريخى إلى حالة المواجهة الشجاعة، ومن حالة الإذعان والزبونية التى دشَّنها الملك العضوض الأموى إلى حالة الرأس المرفوع، ومن حالة المجتمع السلبى النائم إلى حالة الحيوية والمراقبة والمحاسبة والرَّفض.

وكانت شعارات تلك الحراكات تلخيصاَ عفويا لشعارات الديمقراطية ممثّلة فى الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. وهى شعارات أشارت بصوت عالٍ إلى ضرورة إحداث تغييرات جذرية فى حياة مجتمعات العرب وشعوبها.

وكان واضحا أننا كنا أمام مواجهة حتمية بين أنظمة استبداد وظلم وبين شعوب غاضبة يقودها شباب كسر حاجز الخوف والتردد.

ومنذ البداية كان يجب أن يكون واضحا فى أذهان قادة تلك الحراكات التاريخية بأن التغييرات الكبرى لن تأتى إلا عن طريق أحد المسارين التاليين: الثورة الشاملة السَّريعة المماثلة لبعض الثورات العالمية الناجحة أو النضال السياسى التراكمى التدريجى الكفوء. وكلا الطريقين لهما شروطهما ومتطلباتهما الموضوعية المرتبطة بساحات الواقع التى تختلف فى محدودياتها وإمكاناتها.

فالثورة، مثلا، ستتعثّر أو حتى تفشل إذا كان المجتمع منقسما على نفسه بصورة جذرية، لأسباب طائفية أو عرقية أو ثقافية، حول رؤى ومنطلقات الثورة، أو إذا كان الجيش الوطنى غير متعاطف مع الثورة وغير محايد، بل ومنغمس فى السياسة الفاسدة إلى أذنيه، أو إذا كان المحيط الإقليمى والدولى مضادا لقيام الثورة من خلال استعمال ماله أو جيوشه أو استخباراته أو أزلامه الذين اشتراهم فى الداخل، أو إلخ.. من الظروف الموضوعية التى تجعل من نجاح الثورة أمرا صعبا وقريبا من المستحيل لأنه يستدعى الكثير من التضحيات العبثية والدموع والضحايا الأبرياء، وحرق الأخضر واليابس وتدمير ما بنته القرون من التاريخ. عند ذاك تنتهى الثورة إلى النتيجة العبثية فى المقولة الطبية الشهيرة: لقد كانت العملية ناجحة ولكن المريض قد مات.

•••

عندما لا تكون الثورة ممكنة من قبل رافعى رايتها، لأسباب موضوعية فى الواقع، فإن الحياة السياسية لا تتوقف والطريق إلى التغيير يبقى سالكا وضروريا، وذلك عن طريق ولوج المسار الثانى: النضال السياسى السَّلمى العنيد اليومى فى شتّى الميادين وعلى كل المستويات من أجل تحقيق انتصارات جزئية فرعية، تتراكم عبر الزّمن ويؤازر بعضها البعض من أجل الوصول إلى التغييرات الكبرى المنشودة فى المستقبل المنظور.

هنا نحن أمام تنشيط ما وصفه المفكر المغربى عبدالله العروى بالعقل الجزئى الملائم لحقل السياسة، المختلف عن العقل الكلى الصالح لساحات من مثل الدين والأيديولوجيا والفنون.

إنه عقل واقعى يستعمل كل إمكانات الواقع، سواء المتوفرة أو المخلوقة بالإبداع والنضال، من أجل تغيير الواقع. ومن المؤكّد أنه ليس العقل المغفّل الذى ذكره المفكر المغربى عبدالإله بلقزيز فى قوله بأن «أسوأ شىء أن يناضل المرء عن قضية عادلة بعقل مغفّل».

هذا العقل الجزئى سيخطّط وسيبرمج وسيفعّل من أجل تحقيق إنجازات متراكمة تقرّب من الانتقال إلى الديمقراطية من مثل النضال ضدّ الفساد والتمييز والقبضة الأمنية الظالمة، من مثل انتزاع الحقوق الكاملة للمرأة، من مثل إرغام الدولة على القيام بالتزاماتها فى حقول التعليم والصحة والإسكان والعمل، من مثل وجود الأحزاب السياسية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدنى بصورة مستقلة عن تدخّلات السلطة، من مثل المحاربة الشرسة لأى أحكام قضائية جائرة بحق ممارسى السياسة، أى النضال من أجل الإنتقال إلى الديمقراطية وأيضا من أجل الحقوق المعيشية الأخرى.

إذا أصبح النضال من أجل تلك القضايا، وغيرها كثيرة، نضالا يوميا فى كل ساحات المجتمع دون استثناء، بدءا بالإعلام، مرورا بالمظاهرات والاعتصامات السلمية أو حتى العصيان المدنى، وانتهاء بساحة بالغة الأهمية، هى ملك للمجتمع وللشعوب ولا يجب أن تترك للانتهازيين والمرتشين، نعنى بها ساحة السلطة التشريعية، حتى ولو كانت فيها نواقص تحتاج هى الآخرى للنضال من أجل تصحيحها.. إذا مورس مثل هكذا نضال فإن النجاح فى أى جزء منه وعلى أى مستوى، سيصبُ فى الاقتراب من الأهداف الثورية للحراكات، بمعنى أهداف تغييرية حقيقية وجذرية تخدم المواطنين خصوصا الفقراء والمهمشين منهم.

•••

جدلية العمل الثورى والعمل السياسى الضاغط التدريجى، والتنقل بين ساحتيهما وممارستيهما هى جدلية بالغة التعقيد وتحتاج إلى فكر سياسى ناضج من جهة وإلى قيادات سياسية غير مراهقة من جهة أخرى. ونحن هنا بالطبع لا نتكلم عن جدلية سياسية ميكافيلية انتهازية وإنما عن الإبداع فى ممارسة السياسة النظيفة الشريفة الكفؤة والفاعلة والقادرة على الوصول إلى نتائج ونهايات معقولة.

شباب الربيع العربى سيصلون، عاجلا وآجلا، إلى تحقيق أهدافهم الإنسانية العادلة، شريطة ألا يقعوا فى فخ أو غواية ممارسات تقلب واقع حراكهم التاريخى، وهو فى محنته الحالية، الصاعدة ــ الهابطة، إما إلى يأس وانسحاب وإما إلى ممارسات سياسية عابثة بسبب أسطرة الواقع والعيش فى أحلام متخيلة.

فى كلتا الحالتين لن يتحرك واقع أمتهم العربية قيد أنملة.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات