سنوات الشفق - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الأحد 17 أكتوبر 2021 1:23 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

سنوات الشفق

نشر فى : الأربعاء 25 أغسطس 2021 - 8:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 25 أغسطس 2021 - 8:55 م

سألت ابنى عن استعداده للعودة إلى المدرسة بعد انتهاء الإجازة الصيفية فقال إن الإجازات دوما تبدو قصيرة ــ وهو جواب معتاد لدى معظم الأطفال. حاولت أن أخفف عنه بقولى إنها أسابيع سريعة سوف تمضى قبل أن ندخل فى فترة أعياد نهاية السنة الميلادية فرد «وكأنك تقولين لى أن مراحل الحياة مقسمة بالمسطرة وأن الحياة تعنى العبور من خانة إلى أخرى بسرعة حتى أتقدم بالسن وأقفز فى الفراغ».
•••
أذهلنى أن يرى الطفل الحياة على أنها خانات يجب أن نملأها ثم نرحل! أظن أنه ضرب على وتر يزعجنى منذ مدة يتعلق بتقبلى لمفهوم التقدم بالعمر. بين استخدام الشباب لكلمة «خالة» احتراما لى وبين تأملى للشابات من حولى ولبسهن وتلك الطاقة الحرة التى تخرج من أجسادهن حتى فى بلاد قمع النساء التى أعيش فيها منذ سنوات، بدأت إشارات التقدم بالعمر تنخر رأسى وتؤرقنى أحيانا.
•••
لطالما قالت أمى أن فى داخلها شابة لم تكبر وأن قلبها ما زال قلبا يافعا لذا فهى نفسها كانت تندهش حين يشار إليها بكلمة «خالة». ولطالما أكدت أنا لأمى أنها فعلا ما زالت نشيطة وبعقلية منفتحة وهو ما يبقى فى داخلها شعورها بالشباب. لكنى اليوم أنا نفسى أمشى فى الشارع قرب مجموعات أتخيل أن أصحابها بعمر قريب من عمرى ثم أكتشف كمن يتلقى صفعة أننى بالنسبة لهم «خالة».
•••
أحاول أن أوائم بين ذلك الشعور بالخفة وامتداد الأفق الذى يرافق اليفع والبدايات، وبين الشعور بالثقة التى يأتى مع الخبرة والنضج فأقول إننى ربما اليوم أكثر حرية بعد أن تخلصت من أحمال اجتماعية وثقافية فى السنوات الماضية لذا فالأولى بى أن أشعر بالخفة اليوم أكثر منه فى سنوات لم أكن قد حسمت فيها أمرى من القيود بعد. من الأولى بى أن أطير اليوم بعيدا عن الكثير من القيود التى تعكر من عذوبة الشباب وتقلص من فرصهم.
•••
لكن مهما حاولت التلاعب والالتفاف حول موضوع العمر، ها هى جذور شعرى بلونها الرمادى وخطوط أحببت ظهورها الأول حول عينى لكنها بدأت تحكى اليوم قصصا وهى تغوص فتضيق عينى. أقول لنفسى إن عينى تضيقان لكن رؤيتى تتسع، ها أنا أتلاعب مع الموضوع من جديد!
•••
«التقدم الأنيق بالعمر» عبارة تستوقفنى باللغة الإنجليزية. يقول زوجى إن أهم ما فى الأمر هو الحفاظ على الصحة وكل ما عدا ذلك يمكن التعامل معه. أنظر فى وجهى فى المرآة وأرى تجارب وحكايات رسمتها السنوات حول عينى وضحكات وموجات بكاء تركت آثارا على طرفى فمى. طبعا بإمكان الطب أن يدارى بعضها ولا ضرر فى ذلك لمن يختار أن يضع بعض الـ«رتوش» على وجهه لكن ذلك لن يخفف من عدد السنوات.
•••
يقول المثل الفرنسى «لو كان الشباب يعرف ولو كان الكهل يقدر» فى إشارة إلى الخبرة التى ينتظر أن يكتسبها الشباب وهم يخطون نحو المستقبل وهى أيضا إشارة إلى التخلى عن بعض القدرات مقابل الحصول على بعض الحكمة. هذا اتفاق شيطانى! القدرة مقابل الحكمة؟ هناك سنوات قليلة جدا تلتقى فيها القدرة بمستوى معقول من الحكمة. هذه تماما هى السنوات التى أريد أن أطبق كفى عليها أو أن يطبق أحدهم كفيه على وأنا فيها. سنوات معدودة ما زلت فيها بصحة جيدة ونشاط واكتسبت خبرة تساعدنى على الإبحار. أظن أن هذه الفترة النادرة والقصيرة قد تكون الأجمل فى الحياة، فالأولاد ليسوا أطفالا ولكنهم لم يستقلوا بعد، والشريك ما زال مهتما بى لكنه لم يعد يتوقف عند أمور كانت تزعجه فى سنواتنا الأولى معا، والصداقات المتينة مستقرة دون الحاجة إلى تفسير. هذه السنوات المعدودة هى شفق الحياة، ذلك اللون البرتقالى الذى يخترق الليل والنهار بقوة وبسرعة ليدوم دقائق فقط. سنوات الشفق هى الأجمل برأيى، هى سنوات التقاء الشباب بكبار السن. هى مرحلة ما بعد السباق وما قبل الخروج من الملعب. هى سنوات بإمكانى أن أجلس فيها وظهرى على ظهر الكرسى بينما كنت أجلس على حافة الكرسى فى السنوات التى قبلها وقد أحتاج كرسيا أكبر وأكثر طراوة فيما بعد.
•••
سنوات الشفق ولونها البرتقالى تخترق مرحلتين وتجبرنى أن أسأل نفسى عما أريد فلم يعد أمامى الكثير من الوقت لتحديد تصورى عن المستقبل. أين أرى نفسى ومع من؟ فى السؤال كثير من الترف فمن منا يعرف أين سيكون خصوصا ومنطقتنا تبدو وكأنها فى سقوط حر. أرى نفسى على شرفة صغيرة فى عمارة سكنية فى شارع متفرع من شارع مكتظ. تصلنى أصوات السيارات والباعة المتجولين. أرى سكان الشقة المقابلة وقد انتقلوا إليها أخيرا.
•••
«هذه السيدة تجلس على البلكون طوال اليوم تتأمل الشارع والناس وتتأملنا أيضا على فكرة، هل رأيتها؟ أحب أن أتخيل حياة من فى عمرها. هل تظن أن لديها أولاد؟ زوجها يقرأ كل مساء أيضا على الشرفة. يبدو أنهما يستقبلان بعض الأصدقاء أحيانا. هل تظن أننا أيضا سنتقدم بالعمر بأناقة هكذا؟».
كاتبة سورية

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات