على الراعى أول ناقد ثقافى عربى - سيد محمود - بوابة الشروق
الإثنين 26 أكتوبر 2020 11:53 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

على الراعى أول ناقد ثقافى عربى

نشر فى : الثلاثاء 25 أغسطس 2020 - 6:50 م | آخر تحديث : الأربعاء 26 أغسطس 2020 - 11:24 ص

حين مات الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين كتب الدكتور على الراعى، مشيرا إلى أن صديقه الراحل امتلك روح مواطن فائق الحس واعتبر أن لديه ما أسماه بالحس المدنى وحين فكرت فى الكتابة عن الراعى بمناسبة احتفال الأوساط الثقافية بالذكرى المئوية لميلاده تذكرت أن كتاباته امتلكت أيضا ما يمكن أن أسميه بالحس الجمالى وأنها التجسيد الحى للدعوة التى أطلقها بهاء الدين عندما طالب النقاد المتعاملين معه بمراعاة الرحمة الثقافية والتى عرفها ــ أمام الفنان حلمى التونى ــ تجنب التعالى على الناس بتقديم ما لا يفهموه فيجعلهم يشعرون بالدونية والحيرة والغربة عما يشاهدون.. فمن واجب المثقف المحظوظ أن يترفق بالناس وأن يأخذ بيدهم رويدا رويدا إلى عوالم الثقافة.. والفنون.. وألا يستعرض عضلاته الثقافية فينصرف الناس عما يقدمه.
وهذا بالضبط ما فعله الراعى عبر تعامله مع النقد بوصفه ممارسة ثقافية لا يمكن أن تتم بمعزل عن الناس، ورأى الكتابة من المهام التبشيرية التى تسعى للتبشير بالجمال كما تجسده القيم الإبداعية وعبر عن الأفكار والنظريات النقدية التى تبدو معقدة أمام القارئ العام بعبارات بسيطة وعذبة لها سلطة النفاذ إلى القلوب والعقول.
وأجمل ما فى كتاباته أن صاحبها امتلك الوعى بالنظريات، لكن هذا الوعى لم يكن مضطربا، ليشوش رؤيته بحيث تتحول كتاباته إلى متاهة أو كتل خرسانية ينفر القارئ من التعامل معها وأتصور أن سنوات عمله بالإذاعة كونت لديه هذه القناعة فهو فى نهاية الأمر يفضل التعامل مع النقد كأداة اتصال.
وإلى أن توفاه الله كانت مقالات الراعى فى الأهرام وفى مجلة المصور قبلها، نافذة تسلط الضوء على الأعمال الإبداعية وتضىء عوالمها ليسهل للقراء مهمة التواصل معها وتأمل طبقاتها.
وأعتبر نفسى من المحظوظين الذين أتيح لهم فرصة الاستماع له والإنصات إلى تصوراته عن الكتابة والنقد حيث التقيت به وحاورته فى العام 1997 على هامش إحدى المؤتمرات التى نظمتها لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة وكان مقررا لها.
ولا أزال أتذكر تأكيده على أن المهمة الرئيسية التى يختارها الناقد الذى يكتب فى الصحف هى أن يؤدى دورا تنويريا وفى مجتمعاتنا التى تشكو من الأمية الثقافية تكون المسئولية مضاعفة لأن دور الناقد يتم اختزاله فى الوساطة بين مبدع النص ومستهلكه لذلك عليه أن يمارس دوره بأمانة ومسئولية وبالكثير من الوعى بألا تنحرف كتاباته وتصبح شعبوية معدومة القيمة ومن ثم فهو حين يطلق أحكامه فإن عليه اللجوء لمذكرة دفاع واضحة لا لبس فيها.
ومما قاله أيضا إنه يكتب بشىء من الرفق بالمبدع وبالقارئ لأنه تعلم من بهاء الدين وهو الصديق الذى رافق تجاربه كلها أن الكاتب مثل الجراح الماهر يمكن أن يفتح جرحا ولكن من دون أن يسيل دما لأن غايته هى العلاج وليس التمتع بوخز الألم فى أجساد الآخرين.
ومن الأمور التى كان يعتز بها أكبر الاعتزاز أنه كتب بوعى قومى وامتد تأثير كتاباته إلى ما خارج حدود مصر لأنه فى نهاية الأمر كان يعنى بالأدب والفن العربى وتهيئ مناسبة الاحتفال بمئوية الراعى الفرصة لاستعادة الكثير من أعماله الأولى التى لم تعد متاحة أمام القراء وقد أحسنت هيئة الكتاب باستجابتها لمقترح لجنة المسرح بإعادة طباعة رسالة الدكتوراه التى أنجزها الراحل عن مسرح برنارد شو وأحب شخصيا من بين كتاباته الأعمال التى حاولت الربط بين الظواهر الفنية والإبداعية والممارسات الثقافية معتبرا أن هذه الأشكال الإبداعية منتجة لخطابات معرفية كثيرة ينبغى تحليلها وأزعم أن على الراعى هو أول ناقد ثقافى عربى، بالمعنى الشائع فى الدراسات الغربية ولا يقل إنجازه فى المجال ــ على صعيد عربى ــ عن إنجاز رايموند ويليامز (1988ــ1921) أحد أهم النقاد الإنجليز المعاصرين. وأستاذ الدراما فى جامعة كيمبريدج.
ومن الصعب أن تجد من بين مجايليه وكان أغلبهم من النقاذ الأفذاذ ناقد واحد اعتنى بالتأريخ للفضاءات الثقافية سواء كانت مسارح أو صالات أو أحياء وأن تجد من أعطى لمحمود شكوكو ونجيب الريحانى أول تقدير علمى منصف ولم ينازعه فى أداء هذا الدور ألا يحيى حقى وكان الراعى أيضا هو أول من قرأ رسوم فنانى الكاريكاتير الكبار أمثال حجازى وصلاح جاهين ونبيل السلمى ومحيى اللباد وبهجت عثمان قراءة واعية أنصفت دور هذا الفن ولهذا كله عاش الراعى ومات وهو صاحب أياد بيضاء على الجميع ولم يكن (الراعى) مجرد اسم بل مهمة.