«كان ياما كان».. حواديت الأمس بأسئلة اليوم! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 7:13 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«كان ياما كان».. حواديت الأمس بأسئلة اليوم!

نشر فى : الخميس 25 يوليه 2019 - 9:30 م | آخر تحديث : الخميس 25 يوليه 2019 - 9:30 م

لعلها إحدى أمتع المجموعات القصصية وأكثرها إثارة للدهشة والتأمل فى السنوات الأخيرة. «كان ياما كان» الصادرة عن دار العين، يستلهم كاتبها القاص والروائى البارع محمد عبدالنبى حكايات قديمة معروفة، أو ينسج حكاياته الخاصة، لكى يعيد توظيف الحواديت البسيطة، بما يليق بعصر الأسئلة، وأيام القلق، وعالم الفوضى والاضطراب، إننا أمام ضربات فرشاة فنان معاصر، على لوحات كنا نظنها قد صارت علامات مستقرة، ولكنه يكتشف لنا طبقات مجهولة فى نفس اللوحة، أو يعيد ترتيب عناصرها، فكأنها لوحة جديدة تمامًا.
ليست هى إذن عودة عبثية أو مجانية لما يمكن أن نطلق عليه «التراث الإنسانى السلفى الحكائى»، ولكنها حالة جدل وحوار معه، قد يكون صانع حكايات الجدات بريئا، أو لعل العقل الجمعى قد استبقى منه ما هو برىء وبسيط، ولكن كاتب اليوم، لا يمكن أن يقنع أبدا بالبراءة، بينما هو يعيش، ونعيش معه كقراء، فى قلب مجتمع استهلاكى مكتسح. لا يمكن لأديب اليوم أن يغض الطرف عن معان كامنة فى النصوص، ولا أن يتراجع عن فكرة أن يصنع هو أيضًا حكايته وأمثولته. الشىء الوحيد المشترك بين الأمس واليوم، هو الإيمان بالحكى ابن الخيال، الإيمان بقدرته التى تشبه السحر، ثم الإيمان بقدرة الحواديت، قديمة ومعاصرة، على أن تحمل أكثر المعانى عمقا، وأن تطرح أكثر الأسئلة صعوبة.
حواديت الأمس مثل ذات الرداء الأحمر، والأميرة والأقزام السبعة، وسندريلا، كتبتها أقلام ممتثلة تقسم العالم إلى لونين، أبيض وأسود، وخير وشر، واحتفظت بها أيضًا ذاكرة ممتثلة، تريد أن تبسط العالم للناشئة، وتريد أن تقدم إجابات جاهزة جماعية، ولكن محمد عبدالنبى سيعيد قراءة وكتابة واستلهام نفس هذه الحواديت، فكأنه ينتقد زمن الإجابات الوهمية، وكأنه يعيد، فى نفس الوقت، اكتشافها بعيون لا تتوقف عن السؤال.
يمكن القول إن هذه المجموعة الفريدة تعارض الحكاية القديمة بالحكاية الجديدة، وتحاكم الخيال الساذج بخيال أكثر عمقًا، وبينما تترك فينا الحكايات القديمة شعورا بالاطمئنان، فإن «كان ياما كان» تترك فينا شعورًا بالقلق، لأن البسيط لم يعد كذلك، ولأن الإنسان يبدو أكثر تعقيدًا مما تنقله حكايات الأمس، ولأن أسئلته هو العالم تستعصى على الإجابة.
بهذا المنطق الذى ينتظم كل قصص المجموعة مستلهمة أو مؤلفة، تعاد صياغة قصة «ذات الرداء الأحمر» من كل وجهات نظر أبطالها، وبعد أن كانت تناقش فكرة الطاعة والامتثال، تصبح سؤالًا فى التمرد، أما سندريلا التى ترسمها الحواديت ككائن شفاف من نور، فهى تظهر فى قصة بالمجموعة كإنسانة قلقة، تركت الأرض والماضى، ولكنها تحن إليهما من جديد، وأحد الأقزام السبعة الأبرياء المخلصين، ينتهك جسد الأميرة النائمة، ليعرف طعم الحقيقة، بعد أن شبع من الأوهام والأكاذيب، وبعد أن خدع غيره ونفسه طويلا.
حكايات الأمس لها صوت واحد عليم يمتلك التصنيفات والحقائق، ولكن حكايات عبدالنبى تتسع لأصوات وضمائر وهويات متعددة، تعلن الحرب على العادى والنمطى، وتنتصر للاختلاف وللخيال، فى مواجهة عصر القوة والحرب والآلة، وفى قصة «كان ياما كان فى بلد الجمال» أنشودة فى مدح الاختلاف، وإعادة اختبار لفكرة قبول الآخر، أما القصة اللامعة «سر البستانى والأميرة» فهى من درر المجموعة، سردية تبدو بسيطة جدًا، ولكن سؤالها عن البستانى المحتجب الذى صنع حدائق القصر، هل يجب أن ننشغل بأن نراه أم أن نحاكيه فيما صنع وأبدع؟
الجندى الصفيح الذى صُنع بدون ساق يحتج ويبحث عن المعنى، وجاليفر لا يقنع بالتبول فى أرض الأقزام، ولا يقنع بمئات الفتيات الضئيلات، ولكنه يريد الملكة شخصيًا، ونحن دومًا نسير فى القافلة، حتى لو كانت النهاية ظلاما وموتا.
ربما تمنيتُ أن تكون قصة «مفقود فى الترجمة» هى مقدمة المجموعة، فهى تلخص منطق الفكرة كلها، كما أن المدخل والمخرج أقل منها بكثير، ولكن كل قصة فى هذه المجموعة تلمع مثل جوهرة نادرة، صنعتها الموهبة، وأنضجتها علامات الاستفهام الذكية، على أتون الخيال المشتعل.

التعليقات